مواجهة الجرائم لا تحتاج عقيدة أو إلحاد/ بقلم: الشاعرة المصرية فابيولا بدوي

 

المجرمون في حق الإنسانية لا يختبئون في الظل، بل في العلن.
يتكلمون كثيرًا، يكتبون أكثر، ويطالبون الجميع بالصمت حين يقترب الدور منهم.
هم ليسوا فئة واحدة، ولا ينتمون إلى معسكر محدد، لأن الجريمة لا تحتاج إلى إيمان ولا إلى إنكار، بل تحتاج فرصة، وحاضنة، وصمتًا جماعيًا.

نراهم في ثياب رجال الدين، وفي أقنعة من يعلنون العداء للدين.
في خطاب الأخلاق الصارمة، وفي لغة التحرر المنفلت.
في أفكار مغلوطة عن النسوية حين تتحول من مشروع تحرير إلى منصة ابتزاز رمزي،
وفي معاداة النسوية حين تُستعمل كذريعة لتبرير العنف والوصاية.

ونراهم اليوم، بوضوح فاضح، في فضاء السوشيال ميديا، بين أولئك الذين يزايدون بالتنوير، ويتاجرون بالمفاهيم، ويرفعون شعارات الوعي كما تُرفع لافتات العروض الموسمية، وهم أبعد ما يكون عنه وعن الرغبة الحقيقية في التغيير.
يتحدثون عن الحرية وهم يمارسون الإقصاء.
يصرخون ضد القمع وهم أول من يقمع المختلف حين يهدد صورتهم.
يدّعون حماية الضحايا، لكنهم لا يترددون في دهس الضحية إن أربكت سرديتهم أو كشفت تناقضهم.

هؤلاء لا يقلّون خطرًا عن رجال الدين الفاسدين ولا عن تجار الجسد في الأزقة الخلفية.
فهم يملكون منصة، وجمهورًا، وقدرة على إعادة تدوير الجريمة في شكل رأي، أو “وجهة نظر”، أو “سوء فهم”.

التحرش، البيدوفيليا، الاستغلال، الدعارة المقنّعة، والانتهازية الأخلاقية…
كلها جرائم واحدة بأدوات مختلفة.
والجامع بينها ليس الفعل فقط، بل طريقة الحماية:
التبرير، التشكيك، قلب الأدوار، وشيطنة من يتكلم.

أين يختبئون؟
كل مربع اجتماعي يحتضن مجرميه خوفًا من الفضيحة.
لأن من يُفضَح لا يسقط وحده، بل يسحب معه شبكة كاملة من الصمت والتواطؤ والمصالح المتبادلة.
لهذا يُطلب من الضحية أن “تراعي التوقيت”.
ولهذا يُنصح الشهود بـ“عدم شق الصف”.
لهذا يصبح كشف الجريمة خيانة، مواجهة السلبيات مؤامرة، بينما يصبح الصمت فضيلة.

الآلية واحدة مهما اختلف الخطاب:
حين يكون الجاني “منّا”، يُعاد تعريف الجريمة.
تُخفف اللغة.
تُفتّت الوقائع.
تُبحث النوايا بدل محاسبة الأفعال.
وحين تكون الضحية بلا حماية رمزية، تُترك وحيدة في مواجهة ماكينة التشويه.

المؤلم أن كثيرًا من هذه الجرائم لا تُرتكب فقط بالأيدي، بل بالألسنة والأقلام والمنشورات.
من يلمّع مجرمًا،
من يهاجم الكاشف لازدواجية المعايير،
من يسخر من الألم،
من يطالب بالصمت “حفاظًا على القضية”
هو شريك كامل في الجريمة، حتى لو لم يلمس جسدًا واحدًا.

الإنسانية لا تعترف بالحصانات.
لا قداسة فوق الجسد.
لا أيديولوجيا تعلو على حق طفل في الأمان، أو امرأة في الكرامة، أو إنسان في ألا يُستغل باسم أي فكرة.
لا حصانة لصديق أو تيار أو فكرة.

الحقيقة ليست خطرًا على القضايا العادلة، بل على القضايا المزيفة.
ومن يخاف انكشافها، يخاف أن يُرى بلا قناع.
لأن ما يسقط عند الفضح ليس شخصًا واحدًا، بل الوهم الجماعي بأننا أفضل أخلاقيًا مما نحن عليه، أو أننا الأعلون.

المجرمون في حق الإنسانية لا يعيشون في العتمة.
نحن من يطفئ الضوء،
خوفًا من أن نراهم،
أو خوفًا أشدّ:
من أن نرى أنفسنا واقفين إلى جوارهم، صامتين

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!