أقدام في الغياب/ بقلم:علي جاسم ياسين

الغابة هناك، كبيرة، ضخمة، ممتدة بلا نهاية،
وكل أشجارها العالية جفت وماتت،
لكنها ما زالت واقفة، صامتة، تتحدى الزمن.
أغصانها الكبيرة والصغيرة سقطت هنا وهناك،
ملقية على الأرض،
والعشب أيضاً جاف،
يئن تحت أقدام الريح.
احياناً تسمع صوت طائر بعيد،
وكأنه يطرق نافذة الذكريات،
أو حركة خفيفة لقوارض صغيرة تبحث عن بقايا حياة،
أو أسراب من النمل الصغير تتحرك بعزم غريب بين الفروع المتساقطة.
كل الأصوات ضعيفة،
لكنها موجودة،
كما لو تحاول أن تقول إن الحياة لم تمت بالكامل،
رغم كل شيء.
وعلى الأرض، بين الأغصان الجافة،
ترى آثار أقدام مضى عليها وقت طويل،
لا أحد يعرف لمن كانت،
ولا متى خطت،
لكنها موجودة،
مثل قصص لم تُروَ،
مثل حضرة من رحلوا وتركوها خلفهم.
كل شيء هنا يحكي عن الماضي،
عن حياة كانت، عن حكايات اختفت،
لكن الغابة بقيت.
المنظر غريب، يثير شعوراً مزدوجاً ،
شعور بالخوف من الفراغ والصمت،
وشعور بالحنين إلى المكان ذاته، إلى ما كان يوما ممتلئاً بالحياة.
الغابة هنا،
رغم جفافها وموت أشجارها،
لا تزال هناك، صامدة،
تذكرك بأن المكان احياناً يختزن كل شيء،
حتى عندما يرحل كل من عاش فيه.
تمشي بين الأشجار،
تسمع الريح تمر بخفة فوق الأغصان الميتة،
وتشعر بأن الغابة تتنفس بطريقتها الخاصة،
ببطء، بصبر، وبوحدة لا نهاية لها.
هنا، الحياة والموت متشابكان،
الماضي حاضر والحاضر صامت،
وكل شيء يظل موجوداً ،
حتى لو تغيرت الوجوه،
حتى لو رحل كل من عرف المكان.
الغابة هناك، ما زالت واقفة، صامتة، جافة،
لكنها تذكرك بأن الزمن لا يمحو كل شيء،
وأن المكان، مهما تغير،
يظل يحمل ذاكرة من عاش فيه،
ويروي قصة صامتة لكل من يأتي بعدهم.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!