طفلان لأبِ فقير في بيتٍ ضيقٍ..
من طين وحاجة،
أحبّنا أبي بصمت النخيل
كأن غربانا تعشش في صدره مذ فُرض عليه اليُتم
وهو في الثالثة..
يريد، لكنه لا يعرف كيف تُقال الكلمات الحنونة،
يحاول، لكن يده ترتعش كلّما أراد جعلها منديلا
تجفف دموعنا
قبل أن يبتلعها الفراغ..
اشترى لي أبي ثيابا جديدة، خشنة ورخيصة
لكنها تشبه التي يرتديها الذين في البيوت الواسعة
حين يذهبون إلى المدرسة..
وأخي الذي أمامه عامان ليحظى بمثلها
يقف خلفي، بعينين دامعتين
يريد أن يجربها..
خفت، احتضنت الثياب،
أخفيتها في صدري،
لم تحركني دموع أخي، نهنهاته،
ولا حتى امتناعه عن العشاء..
وعده أبي،
فأطمأن،
أكل المسكين الكذبة
ونام..
مر يوم وآخر، ويتجدد الوعد..
ومازال أخي يحلم بثياب مثلها..
في ليلة باردة وتحت لحافنا المهترئ
همس لي أخي ببراءة طفل يترجى:
أيمكنني أن أجربها لمرة فقط؟
وعدته، بعدما أمسك قلبي بيديه، أنه سيجربها
لكن حين أعود من المدرسة غدًا..
ما زال يهمس:
حقا سأجربها غدًا؟!
قلت: نعم.
استفاق قبلي،
كان يلمس الثياب وأنا أرتديها
كأنه يحتفظ بشيء منها قبل أن أذهب،
ذهبتُ
وعيناه تشيعني بشوق
وهو يجلس أمام البيت
ينتظر..
أتى المدير يهمس في أذن المعلم،
فجأة تغيرت ملامحه:
تعال، يبدو أن والدك يحتاجك في البيت.
مازال اليوم الدراسي في منتصفه؛
ظننت أن أخي لم يطق الانتظار
فأرسل والدي في طلبي
ليجرب الثياب..
اقتربت من البيت..
أمي تصرخ، الناس يتزاحمون،
وفجأة خرج أبي بجسدٍ صغيرٍ كان لأخي
قبل أن تضربه السيارة،
كان ينتظر عودتي
ينتظر ثيابا جديدة..
لن تُجرّب.
حملت الثياب الملعونة بيدي المرتعشة،
جريت خلفهم،
فجأة توقفوا، فهدّني الصمت
ووقعت من يدي الثياب
ك راية مهزومة..
كبرت، صار عندي خزائن،
لكن لم يعد عندي أخ..
وكلما ارتديت ثوبا جديدا
شممت رائحة
الخيانة..
ما زلت وأبي، نجلس إلى صورته،
وكلانا يخفي داخله..
وعدًا لم يوفَّ
لطفلٍ لم يكبر!
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية