لا تدخلُ قاعةً،
بل تدخلُ زمنا
تكاثفَ حتى صارَ تاريخا.
الأبوابُ ليست خشبا،
إنها أزمنةٌ تُفتحُ،
كأنّ سومرَ تمدُّ يدها من طينها
وتقول:جرّب أن تمشي فوق اسمي
دون أن تترك أثرا.
الفخارياتُ هنا
ليست جرارا قديمة،
إنها الطين
حين تعلّم أن يغنّي.
كلُّ إناءٍ
يحملُ بصمةَ إصبعٍ
نسيه صانعهُ في الضوء،
كأنّ عاملا مجهولا
أراد أن يقول:
أنا كنتُ هنا
قبل أن تصيروا أنتمُ هنا.
التحفُ الصغيرة
تُشبهُ نجوماً أُسقِطت من سماءٍ بعيدة،
أساورُ من نحاسٍ خجول،
أحجارٌ تلمعُ مثل ضحكةِ فتاةٍ
عبرتْ شطَّ العربِ
وهي لا تعرفُ أنّ صورتها
ستبقى أكثرَ من صورتها.
في زاويةٍ
يقفُ تمثالٌ مكسورُ الأنف،
لكنّ عينيه كاملتان،
تحدّقان في الزوّار
كما لو أنّه يسأل:
من منّا الأثر؟
ومن منّا العابر؟
اللقى ليست لُقىً،
هي اعترافاتٌ صلبة.
مسمارٌ برونزيٌّ صغير
يحملُ صبرَ قرنٍ كامل،
ورقعةُ فخارٍ مشقوقة
تبدو كقلبٍ تعلّمَ الانقسام
ولم يمت.
أيُّ يدٍ
دارت على الدولابِ الطينيِّ
حتى ارتفعتِ الجرةُ
مثل صلاةٍ صامتة؟
وأيُّ نهرٍ
مرّ من هنا
ثم اختبأ في مسامِّ الفخار؟
البصرةُ
لم تكن ميناءً فقط،
كانت ممرّا للغاتٍ
تتبادلُ الأحجارَ
وتتركُ في الرملِ
قليلا من دهشتها.
أمشي بين الرفوف
فأسمعُ احتكاكَ القرون،
كأنّ الأزمنةَ
تتدافعُ لتقترب.
جرّةٌ سومرية
تجاورُ كأسا إسلاميا مزخرفا،
والنقوشُ تتبادلُ سرّا
لا يحتاجُ إلى مفسّر.
ما الذي يبقى؟
ليس الذهبُ،
فالذهبُ يتعبُ من اللمعان.
الذي يبقى
هو الخدشُ الصغير
على كتفِ الإناء،
هو الشرخُ الرفيع
الذي لم يُخفِهِ أحد.
متحفُ البصرة
ليس خزانةَ ماضٍ،
بل مرآةٌ بطيئة.
كلّما اقتربتُ منها
رأيتُ وجهي
مغطّى بطبقةِ غبارٍ قديم،
كأنني أنا أيضا
قطعةٌ لم تُسجَّل بعد.
أفكّر:
لو تحطّمَ كلُّ شيءٍ
وبقيتْ شظيّةُ فخارٍ واحدة،
هل تكفي
ليُعادَ اختراعُ الحكاية؟
ربما.
فالطينُ
حين يُحرقُ
لا يعودُ طينا،
بل يصيرُ ذاكرةً
صلبةً.
في الخارج
يمرُّ الناسُ مسرعين،
والخرائطُ تتبدّل
وفي الداخل
قطعةُ حجرٍ أزرق
تنتظرُ منذ ألفي عام
أن ينحني أحدٌ
ويفهمَ
أن الحضارة
ليست انتصارا،
بل قدرةٌ
على أن تترك أثرا
لا يختفي.
هكذا يهمسُ المتحف:
كلُّ فخّارٍ
كان يدا،
وكلُّ يدٍ
كانت قلبا،
وكلُّ قلبٍ
حاولَ أن يقاومَ النسيان
بطبقةِ طينٍ ونارٍ وقليلٍ من الإيمان.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية