مجنون كلابه “/بقلم: محمد محمود الشويع

الليلة السابعة في الذكرى:
——————————-
الظهيرة التي نبت فيها الضوء من البرد
وجهُ الراعية يزداد وضوحًا.
صار لا يغيب،
كلّما وضعت جدّتي الكمّادات على جبيني،
كلّما تهادى الماء الدافئ على جبهتي كلمسة أمٍّ
كانت تحاول النجاة من الغياب.
كنت أغمض عيني، فأراه…
وجه فاطمة يشعُّ مثل شمسٍ نزلت من جبل،
وجهٌ من طينٍ ورغبة، ونورٍ لا يُقاوَم.

حين صحوت من حمّى الظهيرة،
كانت حرارة الشمس قد بلغت كبِد السماء،
وذابت في جسدي كما يذوبُ الزمن في الحنين.
صرت أتثاقل، أشعر بخمولٍ غريبٍ يشبه العبور من جسدٍ إلى آخر.
قالت لي جدّتي مرّة:
– “شيطانُ الظهيرة يلتهم طاقة الناس الواقفين تحت الشمس.”
منذ ذلك اليوم، لم أعد أقف طويلًا في قلب الشمس،
كنت أهرب إلى الظلّ…
الظلّ لا يُخيف، إنه عتبةُ الراحة،
بينما كانت الأشعة الحارقة في الخارج
تبدو مثل صراخٍ أبكم،
لا يُقال، لكنّه يُحرِق.
نمتُ وقتها نومًا عميقًا،
وفي الحلم،
كانت فاطمة تلوّح لي بيدها،
ثم تختفي بين أغصانِ سدرةٍ ناحلة.
وحين صحوت،
كان صوت الرعد قد شقّ السماء،
وبرقٌ يعبر النافذة كما لو أنه سيفٌ أزرق.

الجوّ تبدّل.
الحرارة التي كانت في الظهيرة قد تلاشت،
وصار البرد ينهش أصابعي ككلبٍ جائع.
سمعتُ خُطى جدّتي في الخارج،
تُسرع كعادتها حين يهطل المطر،
تُدخل الحطب إلى المطبخ،
وكوْمَة الحشائش اليابسة التي
تحتفظ بها لتتناولها البقرة ليلاً،
كي لا يُبللها المطر.
كنتُ تحت البطّانية،
تغمرني رجفةٌ لا أعلم إن كانت من البرد
أم من الإحساس بالعجز.
كنت ألوم نفسي بصمت،
كأن قلبي يُعاتبني على شيءٍ لا أعرفه.
دخلت جدّتي الغرفة،
ملابسها مبلّلة…
تُقطّر كغيمةٍ صغيرة.
وضعت إلى جواري صحنًا من الشوربة الساخنة،
ذلك الحساء العتيق
الذي تصنعه جدّتي من حبوب القمح المقشور
واللبن المعجون بالصبر.
رائحتُه وحدها
كانت كفيلة بأن تُعيد إليّ الرغبة في الحياة.

شربتُ قليلًا،
أحسست بدفءٍ يسري في صدري كأنه دعاء،
أغمضت عينيّ مجدّدًا،
وها هو وجه الراعية يقترب.
ابتسمتْ،
وكانت تحملُ شيئًا في يدها…
قطعة حلوى…
لكن حين فتحتُ عيني،
لم يكن أحد.

البيت ساكن،
والمطرُ يقرع النوافذ كأنه يُغني للذاكرة،
أما أنا…
فكنت أغطسُ في فراشي،
أتوسّدُ الرائحة القديمة للحنان،
وأسأل نفسي:
هل الأمّ هي النخلة؟
هل المطر هو دعاء الراعية؟
وهل كان وجع اللبن الذي رمته جدّتي، هو نبوءة الرحيل؟

كل شيءٍ صار يحتشد داخلي،
يختلط، يتشكل، ينطق.
والمكان – المزرعة، الغرفة، الظل، فاطمة، والكمادات –
صار عالماً واحدًا
يدفعني ببطء نحو الحكاية الأكبر…
**

الليلة الثامنة في الذكرى:
—————————– حين لا يعود الصوت الذي كنت تظنّه أبديًا.
بعد أن استيقظتُ من حمى الليل،
كنت خفيفًا كريشة،
وكأنّ العرق الذي بلّل جسدي
سحب منه كل ثقل.
لكني لم أكن نقيًّا،
كنت خفيفًا فقط… مثل من خسر شيئًا ثمينًا ولم يدرك بعد حجم الخسارة.
خرجتُ من غرفة جدّتي،
العالم ما زال مبلّلاً بالمطر،
رائحة الطين تعبق،
والبقرة تنظر إليّ كأنها تريد أن تقول شيئًا،
لكنها خرساء… مثل كل شيء بعد الحزن.

على طرف الطريق الطيني المؤدي إلى الجبل،
كان الرعاة يتجمهرون،
أسماؤهم معروفة، وجوههم مألوفة،
لكن كانت وجوههم مغلقة، كأنها أحجار.
سألتُ، بصوتٍ كأنّه لا يخرج مني:
– “ماذا هناك؟”
قال رجلٌ مسن، دون أن ينظر لي:
– “جرفها السيل يا ولدي… فاطمة والنعجة السوداء.”

فاطمة؟
سحبتها مياه الجبل؟
أي جبلٍ هذا الذي يسحب الضوء؟
أي سيلٍ هذا الذي يعرف اسمها ويجرّها إليه؟
توقفت الدنيا لحظة.
لم أفهم.

لم أركض.
لم أبكِ.
بل اتكأتُ على جذع سدرةٍ جُرّدت من ورقها،
وظللتُ أحدّق في الأثر الطيني الذي تركه السيل،
كأنني أحاول أن أقرأ عليه تعويذة تعيدها.
كل شيء كان غريبًا.
الماء الذي كنت أدعو له بالأمس مع فاطمة
صار الآن قاتلًا.
هل كانت صلاة المطر فخًا سماويًا؟
أم أن الحبّ لا يُستجاب له مرتين؟

سمعتهم يقولون
إن السيل انهمر بغتة،
ففرت كلّ الأغنام،
لكن النعجة السوداء علقت في حفرة،
فحاولت فاطمة سحبها،
حينها جاء الماء مثل نمرٍ غاضب،
سحب الاثنتين، ولم يرجع منهما شيء.

تخيّلت المشهد…
فاطمة ترفع طرف ثوبها، تغوص في الطين،
تمسك بصوف النعجة،
تصرخ لها أن تنهض،
لكن لا أحد يسمع سوى الله.

وفي رأسي…
بدأت تنهض الصور:
– صوتها وهي تقول:
“يا الله اسقينا الغيث.”
– ضحكتها حين فتحت قطعة الحلوى.
– وجهها عندما تمشط شعر إحدى الأغنام.

تسارعت الصور، حتى صار رأسي يموج،
وصرت كأنني أغرق في نفس السيل الذي غمرها.
لا أحد أنقذني من هذا الشعور…
إلا الريح.

هبّت الريح،
ورفعت بعض سعف النخل اليابس،
كأنّها تبكي بطريقةٍ لا تُرى.
عدتُ إلى البيت بوجهٍ خالٍ،
وجدتُ جدّتي تضع الحطب داخل الموقد،
لم تقل شيئًا،
لكنها نظرت إليّ نظرة واحدة…
كأنها تعرف.
“هذا هو الحزن الأول يا ولدي،
الحزن الذي لا يُنسى… بل يُسكن.”

ليلاً،
وضعت رأسي على السرير الخشبي
الذي صنعه والدي ذات يوم
ولم يعد منذ رحيله.
أغمضتُ عينيّ.
ورأيتُ فاطمة
تسبح في نهرٍ طويل،
ومعها نعجتها،
وكلّما اقتربتُ منها،
ابتسمتْ، ولوّحت لي بيدها.
“لا تبكِ”
قالت.
“الغياب لا يعني أني رحلت،
بل أني تحوّلت إلى ما لا يُلمس… ولكن يُرى.”

استيقظتُ،
والقطة السوداء عند عنقي،
تتنفّس كما كنت أفعل أنا حين كنت طفلاً.
والبيت ساكن…
كأنّه يستمع للغائبين.

✴️ “أنا ابن امرأةٍ ماتت، وظلّت تناديني من الضوء”
…………………………….

لم أعرف في نشأتي غير جدتي.
كانت حضنًا صنع من الظلال ملجأ، ومن الخبز والماء يقينًا.
لم تكن جدتي فقط امرأةً عجوزًا تهمس لي بالحكايات،
بل كانت الكون كلّه يختصر في عباءتها السوداء،
وذاك الدعاء الذي تهمس به قبل النوم…

أمي؟
لم أرها.
قالوا إنها ماتت بعد أن أنجبتني
وكأن مجيئي إلى الحياة كان بوابة لموتٍ مبكّر.
قالت لي جدتي أن اسمها “زينب”.
زينب.
اسم يرنّ كجرس بعيد في ذاكرتي
كأن أحدهم يناديني به من بين طبقات الحنين…
لكني لا أتذكر صوتها.
بل لا أعرف إن كانت لي ذاكرة قبل يد جدتي.

قالت لي جدتي أيضًا:
“كان لأبيك أخٌ، يكبره بأربع سنين،
ذهب إل

ى عدن حين صار شابًا…
وصار له ظل في المتحف.
صورة بين ضحايا يناير.
قالوا إنه مات بين الرفاق،
أو أن الرفاق نسوه في الزحام.”

ضحايا يناير؟
أنا ضحية تموز وآب
وشوال وآخر محرم.
كل الأشهر حملت لي موتًا صغيرًا
إلى أن امتلأت روحي بجثث لا تُدفن.

والآن…
صرتُ وحدي.
الوحدة؟
ليست أن لا يكون حولك أحد.
بل أن لا يتذكّرك شيء.
أن تمرّ الرياح ولا تعرف رائحتك،
أن لا يناديك الضوء باسمك القديم.

أجلس الآن على طرف الفراش،
والحيّ من حولي كأنّه مدفنٌ واسع،
وأفكر:
أنا لم أكن ابن امرأة فقط،
كنت ابن امرأة ماتت،
وظلّت تناديني من الضوء.

جدتي؟
كان الرجال قد حملوا نعشها،
لكنّي أحمل ذكراها.
هي تسكن الآن خلف كل ما أراه.
في حركة النخلة،
وفي طقطقة القدر القديم على الموقد البعيد،
وفي ارتجاف قلبي حين أسمع اسم “فاطمة”.

لقد حمل الرجال نعشها،
أما أنا،
فما زلت أحملها كغيمةٍ فوق رأسي،
تسقيني كلما عطشت،
وتبكيني كلما نظرتُ في عينيّ فلم أجد ملامحها هناك.
……

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!