مرارةِ الحياة/ بقلم: هاجر العدواني

(1)
عن:
مرارةِ الحياة، وذروةِ مآسيها،
غيابِ عائلتي
التي تسكنُ العالمَ الآخر من هذا الوطن.

دموعِ أمي واشتياقِها
لأخي الصغير،
وحسرتِها على غياب أختي البِكر.

توقظني آهاتُها المتواصلة
ليلًا،
في سجدتِها تبكي،
وتدعو:
لعلّ أخي الصغير يعود
من حربِ هذا الوطن ناجيًا
بروحهِ الطفيفة،

ولعلّ أختي
تعود بابتسامتها الجميلة
في ذات صباح،
فتشرقُ الشمس
وتبتسم نيابةً عنّا،

عن الألمِ المنحسر
في قلب أمي
وقلوبنا جميعًا.

عن كلّ هذا
لا أستطيعُ الكتابة.

(2)
عن:
الحربِ اللامنتهية،
الدموعِ في عيون الأمهات،
الوجعِ في قلوب الفقراء،
واليأسِ في أرواح اليتامى.

عن الضياع
في شبابٍ
ضاع منهم العمر،
وفرّ دون عودة.

عن الأغاني الوطنية
والنشيد الوطني،
الكذبةِ اللامنسيّة.

عن شعراء وفنانين
بدت لهم الحرب
مصدرَ رزق.

عن الشظايا المتناثرة
على أسطح المدن المنهدمة،
وعن الثورات التي
لم تُقم
لإعادة بناء وطن.

عن الأحفاد
الذين لن يفتخروا بنا،
ولن يتغنّوا بانتصاراتنا،
فخساراتُنا مرئيّة.

عن كلّ هؤلاء
لا أستطيعُ الكتابة.

(3)
عن:
أوراقِ الخريف
التي تتساقط معها وجوهٌ عديدة،

عن أولئك الرجال
الذين أخفوا السلام
في غياباتِ الجُبّ
لعلّ أحدَ المارّة يلتقطه.

عن انتكاسة رجال الحرب
الذين نكّسوا رؤوسهم
أرضًا
ليروا كم أنّ أقدام الجيوش
باردة،
لم تتقدّم خطوةً واحدة.

عن لحظةِ خذلان
أطفأت النور في عيون
أطفالٍ يطمحون
بالوطنية،

وأطفأت قلوبًا
صار شغفُها رمادًا،
وأحلامُها رماديّة.

عن كلّ هذا
لا أستطيعُ الكتابة.

(4)
عن:
الرسائلِ التي لم تصل،
وكانت ثقيلة
كثِقل الجبال،

تحمل في طيّاتها
حنينًا لا يُكتب،
ووجعًا وأنينًا
لا يخطّه الحبر.

عن الطيور
التي أوقفتها الرياح،
فتساقطت منها الرسائل
لتتناثر في أرضٍ خصبة.

عن تلك الأكواب
العالقة في مقهى قديم،
ومقاعده الفارغة
في مدنٍ عتيقة،

يتسلّل الغبار إليها،
ويُحيطها الصمت،
وصوتٌ واحد فقط
كان صوتَ الفقدان.

عن شعور الاشتياق،
وألم العشّاق،
وتسلّل الفقد إلى الأعماق.

عن كلّ هذا
لا أستطيعُ الكتابة.

(5)
عن:
الغربةِ في الوطن،
والحنينِ في الديار،
والخيبةِ
والخذلانِ في الأرض.

عن الروحِ الحبيسة في الماضي،
والرعبِ من الحاضر،
والرجاءِ للمستقبل.

عن فقراء بلادي
الذين هزمتهم الحرب،

عن روحي التي كسرها الوطن،
وقلبي الذي مزّقته
حرّيةٌ بائسة.

عن الآهاتِ المجرورة
في شوارع المدينة،
وخشخشةِ النوافذ المغلقة
في ضواحي قلبي
المهزوم.

عن كلّ هذا
لا أستطيعُ الكتابة.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!