للحظات الفراغ طعم مختلف، ليس لأنه وقت ميت نملؤه كيفما اتفق، بل لأنه المساحة التي تظهر فيها الأشياء الحقيقية. عندما يهدأ صخب الانشغال، وتنطفئ قناديل الوجوب، تسمع صوتاً كان هناك طوال الوقت، خافتاً، لكنه لم يغب
وعند الفراغ تناديني
أحياناً بصوت صديق قديم غاب عن البال وانشغل القلب عنه بركام الأيام.
وأحياناً بصوت كتاب لم أكمله، أو ورقة بيضاء تنتظر كلمة، أو نافذة تطل على شارع هادئ
. لكن في العمق، هو صوتي أنا. ذاك الذي أؤجله باستمرار تحت وطأة المشغوليات.
الانشغال وهمٌ لطيف، نشعر معه بالأهمية، وكأننا بلا توقف نُثبت وجودنا. لكن الحقيقة أن الفراغ هو مرآتنا الصادقة. فيه نسقط أقنعة الضرورة، ونقف عراة أمام أسئلتنا الكبرى: من نكون حين لا يطلب منا أحد شيئاً؟
وماذا تبقى منا بعد أن تنتهي كل المهمات؟
وعند الفراغ تناديني الحياة.
تناديني لأتذكر أنني لست ما أنتجه، ولا ما أنجزه، ولا ما ينتظره الآخرون مني
أنني مجرد إنسان يحق له أن يتوقف
، أن يتنفس
أن ينظر إلى السقف دون سبب
تلك النداءات لا تأتي أبداً في زحمة العمل
تأتي في لحظة فراغ خالصة
حين تسقط كل الأدوار المؤقتة ويبقى الدور الأبدي: دور الإنسان الباحث عن معنى
لذا
لم أعد أخاف الفراغ
لم أعد أهرع لملئه بلا وعي.
صرت أجلس مع ندائ،
أستمع*
أتأمل*
فأجمل الأشياء لا تولد من الانشغال*
، بل من السكون ومن السكون وحده يولد الصدق
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية