لا يغريني/ بقلم:نور السيباني

لا يغريني أن أعيش في السكون الكامل، ولا أن أكتفي بمقاعد المألوف.
أبحث عن شيء لا أعرف اسمه بعد، شيء يلوّح لي من بعيد كظلّ على حافة الصحراء، مثل المدينة التي حلم بها بورخيس ولم يرها، أو الواحة التي ظلّ المتنبي يراها في الأفق.
أقرأ تلك الكتب التي تهزّ من الداخل، صفحات “المعلقات” التي تُبقي الرمل متوهجًا، ومخطوطات المسعودي التي تنشر في روحك فضول الرحالة،
وروايات صنع الله إبراهيم التي تمشي بك بين الشوارع كأنك تتنفس تاريخها.
أتتبع الحكايات كما يتتبع العطشان أثر الماء في الرمل، مثلما كان نيكوس كازانتزاكيس يتبع ظلّ زوربا بين الجبال وأمام الشاطئ.
أحيانًا أخرج إلى الخارج الذي لا يؤدي إلى حافة،
أمشي بين البيوت الطينية القديمة التي تسند جدرانها إلى ذاكرة صامتة،
وأتبع رائحة خبز التنور حتى أصل إلى بابٍ لا أعرف إن كان يؤدي إلى ساحة أو إلى قصة من “ألف ليلة وليلة”.
في الطريق، يسبقني صبي يركض خلف كرة،
وتمرّ بي امرأة تحمل سلة رطب، تشبه سلال الأساطير التي تفيض دائمًا بما يكفي، مثلما فاضت سلال عشتار بالحبوب.
أقف عند سور مهدم انتفض من حكاية إرم ذات العماد التي لم يُرَ مثلها في البلاد،
وأطلّ على حقلٍ مائل للشحوب، كأنه لوحة فقدت ألوانها منذ أن تركها محمود سعيد على الميناء.
أتساءل إن كانت هذه الأرض تخبئ تحتها بئرًا لم تُكتشف بعد،
أو قبر شاعر نسيه الناس وبقيت كلماته تتسرب مع نسيم العصر، كما تسربت أناشيد إنخيدوانا من ألواح الطين.
كل منعطف يقودني إلى منعطف آخر،
كل باب يوحي بباب جديد، حتى أصل إلى أطراف الحقل الذي ترعاه جدتي،
حيث يلتف النخيل حول جدول ماء ضيق، مثل لوحة لحكيم العاقل عن طفولة النهر.
أشعر أنني وصلت، رغم أنني لا أعرف إلى أين.
ربما ما أبحث عنه هو أن أبقى في حالة البحث،
أن أظلّ أفتّش بين الحجارة وأوراق النخيل والثمار الساقطة،
كأن كل حجر يخفي حكاية ابن بطوطة، وكل نخلة تحفظ وعدًا كتبه السياب للمطر، وكل ثمرة تمهّد لفصل جديد لم يكتبه أحد بعد.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!