كان بيت جدي يتوسط الطريق بين مبنى المحافظة وجامع الخير،
بيتٌ قديم يعود لعائلة الكهالي، مبني من دورين متواضعين،
لكنه من جهة الشارع يُشبه الدور الأرضي، كأن الأرض احتضنته مع الزمن.
تنزل إليه عبر سلالم بسيطة،
تآكلت أطرافها،
المنزل له ذكرى لا تُنسى في قلب العائلة.
الباب الأمامي الخشبي ما زال في الذاكرة، وبالقرب منه بلكونة بيضاء طويلة، ضيقة، مفتوحة على أعمدة، تطل على بستانٍ صامت.
وفي نهايتها باب آخر، يُفضي إلى الداخل، كأنك تعبر من الحنين إلى الحنين.
غرفة جلوس لا بأس بها، وصالة طويلة،وغرفة متوسطة للنوم، وأخرى صغيرة بجانب الباب الخلفي، كان جدي يقطنها بسريره.
وعلى الرغم من تواضع البيت، كان يحوي حبًا لا يُوصف،
ذلك البيت لم يكن جدرانًا فقط….
كان مضيافًا، لا يُغلق بابه في وجه أحد.
الضيوف يتناوبون عليه، كأنهم يعرفون أن فيه شيئًا لا يُقال، لكنه يُشعر.
كلما دخلنا، كانت عمتي زمزم تستقبلنا بصوتها الحنون:
“هل أنتم جياع؟ أقدّم لكم شيئًا؟”
وكانت ليزا بظفائرها الصغيرة تلهو في البيت كفراشة،
تتنقل بين الغرف، تُربك ترتيب الوسائد، وتضحك حين تُخطئ،
كأنها تُعيد للبيت طفولته،
وكانت صفية،
تتنقّل بين زوايا البيت كأنها تعرف أين يسكن الحنين،
ترسم المحبة على الجدران، وتُنثرها على الجميع.
أتذكر أنني كنت في الثامنة من عمري،
وجدي(*)، رحمه الله، كان قد كان أصيب بالشلل، قعيدًا، لا يُغادر سريره، راضيًا بما كتب الله له.
لكن البيت لم يفقد نبضه،
كل يوم جمعة، كانت الأسرة كلها تجتمع هناك.
نتناول الغداء معًا بحب،
والكبار يقيلون مع أصدقائهم في المجلس.
كم كنت أفرح بهم، رغم أنني لم أفهم كل ما يقولونه،
لكنني كنت أشعر أن بينهم حبًا لا يحتاج إلى شرح،
كأن الكلمات كانت زائدة، والضحكات وحدها تكفي.
كانوا يحرصون أن أشتري لهم علبة “الكمران” بأربعة ريالات ونصف،
ويهبون لي الباقي، كأنهم يشترون فرحتي معهم.
وكانوا يُصرّون أن أشتري لهم “كنداداري الحديدة فقط”،
لا يحبون غيرها، ولا يثقون في نكهة أخرى،
كأن للبساطة طعمًا لا يُستبدل.
جدي لم يكن يتكلم كثيرًا،
لكن عينيه كانت تقول كل شيء.
حين نجلس حوله، كان يُحدّق فينا بحب، واحدًا واحدًا.
كنت أقترب منه أحيانًا،
أضع يدي الصغيرة على يده البيضاء،
فيبتسم، تلك الابتسامة التي لا تُفتح فيها الشفاه،
لكن القلب يُفتح بذراعيه ليحتضنك.
في إحدى الجمع، اشتريت له ربع دجاجة مشوية،
من مطعم العروس، ذلك الذي يقع مقابل جامع الخير،
كانت رائحتها تسبقني، بالكاد وصلت،
وحين رآني أنظر إليها، ابتسم وقال: “كل معي”،
كان يتناولها كل يوم في الخامسة،
ذلك البيت لم يكن يُقاس بعدد الغرف،
بل بعدد الضحكات، وعدد الأيدي التي تربّت علينا نحن الصغار.
وفي العصر، حين يبدأ الكبار المقيل،
كنا نحن الصغار نلعب، نركض في البلكونة،
نُخبّئ أنفسنا خلف الظلال، ونضحك حين يُكشف أمرنا.
كانت البلكونة ضيقة، لكنها تتسع لفرحنا،
كنا نُطلق أسماء غريبة على الأشجار،
ونُقسم أن البستان يخفي كنزًا،
كانت ليزا تركض خلفنا،
تُقلّدنا، ثم تضحك،
وفي لحظة، كان صوت الكبار في الداخل،
وصوتنا في الخارج،
يتداخلان،
ذلك البيت…
لم يكن بيتًا فقط،
كان دفء، وكان وطنًا صغيرًا
نحمله في قلوبنا، كلما ابتعدنا.
————————————-
(*)جدي، رحمه الله، كان يعمل في فرن الكدم بالجحملية،
فني هندسي يُصلح العجّانات،
وقد كُلّف بتكليف رسمي لتركيب عجّانات فرن الكدم في صنعاء،
تكليفٌ ما زال والدي يحتفظ به، كأنما يحتفظ بوسامٍ من زمنٍ لا يُنسى.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية