معارضة اللاشئ إلى حيث اللاشيء/بقلم الشاعرة المصرية فابيولا بدوي

 

في مجتمعاتنا الشمولية، لم تعد الأزمة مقتصرة على سلطةٍ قمعية تُحكم قبضتها على الناس، بل بات الخطر الأكبر كامنًا في معارضةٍ فشلت في أن تكون بديلًا، أو حتى سؤالًا جادًا. معارضة ترفع صوتها أحيانًا، لكنها لا تقول شيئًا. تهاجم الاستبداد بينما تفكر بعقليته، وتلعن الحاكم لكنها تحلم بمقعده لا بإلغائه.

لا يدور الصراع هنا بين مشروعين متناقضين، بل بين فشلٍ قائم وفشلٍ محتمل. سلطة عاجزة عن الإصلاح، ومعارضة عاجزة عن التخيل، والنتيجة فراغ سياسي وفكري يُدار بالصراخ لا بالرؤية.

المعارضة في نسختها السائدة لا تبدأ من المجتمع، بل من العداء للسلطة. لا تطرح سؤال: كيف نحرر الإنسان؟ بل تكتفي بسؤال: كيف نُسقط الحاكم؟ لذلك، حين تتبدل المواقع، نكتشف أن الجوهر لم يتغير: نفس النزعة الوصائية، نفس الخوف من الفرد، ونفس العداء للاختلاف.

بين الشيوعية والإسلام السياسي، يتخبط المشهد المعارض بلا بوصلة. الشيوعي العربي، في أغلب تجلياته، ظل أسير نصوص مستوردة، يتحدث عن الصراع الطبقي في مجتمعات لم تُنجز بعد مفهوم المواطنة، فاختزل الإنسان في خانة اقتصادية وأدار ظهره لتعقيد الثقافة والدين والتاريخ، فبقي خطابه نخبويًا معزولًا. وحين اقترب من السلطة، صالح القمع باسم “المرحلة” و”الضرورة”.

أما الإسلام السياسي، فبدأ بادعاء تمثيل الأمة وانتهى بمصادرة الفرد. رفع شعارات العدالة لكنه لم يحتمل الاختلاف، تحدث عن الشورى ومارس الإقصاء، وحين اختُبر في الحكم كشف عن فقرٍ معرفي في إدارة الدولة ونزعة تسلطية لا تقل شراسة عن الأنظمة التي ثار عليها. لم تكن الأزمة في الدين، بل في تحويله إلى أداة سلطة، وفي اختزال السياسة في فتاوى والأخلاق في شعارات.

وبين هذين القطبين، تتوه معارضة رمادية بلا مشروع واضح ولا لغة متماسكة ولا خيال سياسي. معارضة ردّ فعل لا فعل، ترفض ولا تبني، تصرخ ولا تفكر. سطحية الرؤية هنا ليست عيبًا فرديًا، بل نتيجة مباشرة لغياب العمل المعرفي الجاد والشجاعة الفكرية.

الأخطر أن هذه المعارضة، بمختلف أطيافها، تشترك في فشل أخلاقي واضح. فهي لا تؤمن بالحرية إلا حين تخدمها، ولا بالعدالة إلا حين تكون في صفها. وحين تختلف، تتحول سريعًا إلى محاكم تفتيش صغيرة: تخوين، تكفير، إقصاء، وإلغاء، كأنها لم تتعلم من تاريخ القمع سوى أدواته.

المعارضة الحقيقية تُقاس بقدرتها على إنتاج معنى جديد للسياسة، وعلى تخيّل دولة لا تقوم على الخوف ولا على المقدس الزائف ولا على الأيديولوجيا العمياء. معارضة تبدأ من الإنسان، من حقه في أن يكون حرًا ومختلفًا وغير قابل للتجنيد.

ما نعيشه اليوم ليس صراع مشاريع، بل تناوب فشل، ربما آن الأوان للاعتراف المؤلم: المشكلة ليست فقط في من يحكموننا، بل في من يدّعون معارضتهم دون أن يمتلكوا شجاعة التفكير خارج القطيع ودون أن يقطعوا مع أوهام الخلاص الجاهز. فقبل أن نسأل: من يحكم؟ علينا أن نسأل بصدق أكبر: من يستحق أن يحلم باسمنا؟

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!