تتسلّل خرائط العطب بين الظلال،
كلّ شيء يبدو متروكًا، يحصي خفقة قلب،
تراقصه خاصرة الضوء وأغنيات الريح.
لا أحد هنا،
سوى فائضٍ من الوقت،
يحرس ظلّ القلب،
متخفّفًا،
يخلع اسمه عند العتبة.
مثلها الأشياء حين تفرغ منّا،
تتقن معرفتنا أكثر ممّا ينبغي:
الكراسي تحفظ انحناءات الأجساد،
وتنسى أصحابها،
والنوافذ تتهجّى الوجوه بدلًا عنّا.
تغمر تفاصيلها…
في بياضٍ آخر،
لا يشبهنا..
إنها تجرّبنا.
تمحو أثر الأصابع
عن ذاكرتها الباردة،
فننام داخل أجسادنا
كضيوفٍ بلا دعوة.
لا تاريخ لهذا الجسد؛
كلُّ أعضائه مؤقّتة،
وكلُّ فكرةٍ
سقوطٌ يتدرّب على نفسه
من دون أرض.
مثلما في اللوحات القديمة؛
لم تكن السماء سماءً،
كانت فكرةً زرقاء
تتعطّل عند أوّل المساءات،
وحين يغادر الرسّام الغرفة
تنسكب الألوان
فاضحةً تمامًا.
يسامرها الليلُ
كأنّه كائنٌ أعمى،
يتلمّس آخر غيمةٍ،
قبل أن يُفلت القمر من مداره
مكسورًا.
يعبرني كظلٍّ ناقص،
يسند ذاكرته
على عكّاز العطب؛
ارتدادٌ متتالٍ
يؤجّل خطواته
كلّما اقترب المعنى
من فكرة الوصول.
ينثني،
ويغفو..
لا شيء يحدث،
لا واقعة تُسجَّل،
فقط انزياحٌ محدود
في ترتيب الممكن،
يبحث عن دلالة،
ويترك القصيدة
كأثرِ خطوة
لم ينتبه أحدٌ لمرورها.
يصافح الخيبة
كتمرينٍ
يفقد توازنه
بلا جهة.
وأنا أشمّ رائحة المطر العالق،
باردًا على جلد يدي
كقطرة دم.
أمشي،
لكنّ الخطوة انسحابٌ متقن،
ولا اسم لي،
سوى ما يسقط منّي.
وأنا أمرّ.
كوثيقةٍ ممزّقة
لا يوقّعها أحد،
علّمتني كيف يُجرَّب الفقد
دون صوت
ودون شاهدٍ عليّ.
في صدري
لا قلب هناك،
بل غرفةُ إنذارٍ أنثويّ مهجورة،
تومض فيها إشارات الصمت
كتدريباتٍ يومية
على الخراب.
جسدي
ليس ترتيبًا تشريحيًا،
ولا تاريخًا مؤقّتًا،
بل خرائطُ عطبٍ متجاورة:
ذاكرةٌ تفرّ من اسمها،
ونسيانٌ
يتقن التذكّر
أكثر ممّا ينبغي.
والليل هنا ليس زمنًا؛
بلا بصر،
يخطئني عمدًا،
ينبش الداخل بأنفاسٍ باردة
بحثًا عن خللٍ،
يتسرّب منه الضوء؛
يهمس كصوت ورقةٍ
تتقشّر تحت أصابع طفلٍ
يسرقه الفضول.
ثم يطوي مخالبه
في أعمق صدع،
تركناه بلا اسم،
كسهوٍ
يطرق أبواب وحدته الأخيرة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية