كنتُ واقفةً على شرفة الانتظار،
أترقب عودة النهار،
ذاك الغائب المنهك، المثقل بالأوزار،
غائبٌ منذ عقود، هناك بعيداً خلف القفار.
لم أرَهُ منذ أن شبّت أظافري،
وها هو الشيب قد اعتلى رأسي،
كساه جليدٌ حار،
نعم، حارٌ يحرقني بظهوره المستعار.
هل نظل في شغفٍ وشوقٍ لصدور القرار؟
هل سيعود النهار كما كان،
أم يظل الظلام يسبل الستار؟
طفلٌ ضاق به الخناق،
تضجر من وضعه،
وسلّم براءته لحبل الانتحار.
أيعقل أن تهوي البراءة في جبٍّ بلا قرار،
تحمل بين أحلامها وطموحاتها
هموم الكبار؟
انتُزعت الحقوق،
وبقي البوق يصدع بالحرمان،
يلقمنا الجوع، ويلعقنا الموت بإرادتنا واختيارنا.
متى يشرق النهار في وطني؟
متى يدفع لنا الأجر الذي سقيناه من عرقنا؟
وملأت بذاك العرق كل البحار،
عرقنا لم يجف، وما زال يتساقط غزيراً مدراراً،
على الجبين، أنهكه الوقوف على حافة الانتظار.
يرفع بصره عالياً،
يحدّق في السراب،
يلتفت يميناً ويساراً،
علّه يجد علامةً من علامات النور،
أو جذوةً من نار.
على تراب وطني نعيش أعواماً من القهر والجوع،
والديون تملأ الأوراق،
وذاك الديّان يرسل كلماتٍ تفتت الأحجار.
خوفٌ ومرضٌ وفقرٌ يقرض خواصرنا،
تنفجر في أحشائنا براكين،
تحرقنا، تمزق أكباد الصغار،
ترسل حممها لتلتهم الضعفاء،
تذيب أجسادنا،
وتتركنا تحت نظرات الاحتقار،
وكلمات السخرية من الذين يملكون الدرهم والدينار.
صرنا يا وطني نموت على الأرصفة،
دون قصفٍ أو حادثٍ أو انهيار،
قنابل الحرب لم تطلنا،
لكن قنابل الجوع وصواريخ الحرمان
أشدُّ في الانفجار.
وطني، هل ارتكبنا جرماً حتى تحرمنا العشاء والغداء والإفطار؟
هل خذلناك فأخذتنا إلى سجون الفاقة،
تعقبنا بأخذ الفراش والدثار؟
هل الأطفال باعوك حتى يُحرموا من فرحة الاحتفال،
ومن لبس الشعار؟
هل البراءة استقطبت العدوان والدمار،
حتى يُحكم عليها بالموت شنقاً وصلباً على سطح الانكسار؟
ذاك الملاك عانق الموت،
هرباً من بطش مخالب المتسولين،
رسومٌ تُدفع في جيوب من ظنناهم يحملون قناديل النور،
لكنهم أطفؤوا الطفولة،
وأجهضوا الأحلام في حفل الختام،
حفل النذالة والعار.
ذهب “مناع” يجر أذيال يتمه،
وخيبات آماله،
ليمنع عن طفولته وحشية الأشرار،
وتعلق بحبلٍ ينجيه من حقارة المتسولين،
على منصات القهر يكرّمون الأغبياء،
أصحاب النفوذ وأبناء القادة الأغنياء،
ويتركون الصاعد المتألق،
لأنه يتيم، بلا وجاهة، ولا توصية.
هكذا صار الموت في وطني،
وهكذا فُتحت سجلات الانتحار.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية