البدايات هي من ترسم ملامح الطريق، فكيف إذا كانت البداية هي المدينة المنورة، هذه المدينة العظيمة التي أُنيرت بقدوم حضرة النبي الأعظم محمد صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار، واختارها لتكون ملاذاً آمناً ومستقراً، وروضةً تحضن في ثراها جثمانه الطاهر الشريف .
كانت المرّة الأولى التي رأيت فيها الشيخ عبد الرحيم الشاطر عندما سكنت في المدينة المنورة، رأيته في رؤيا حيث كان يدق باب بيتنا ويسأل عن أبي أحمد الشاطر ” أبو راسم “، أبي الذي كان يحبّه كثيراً ودائم الذكر له والترحم عليه، والذي كان يحدثني عنه ويصطحبني في صغري إلى مسجد نور الدين الشهيد، ويجلسني في غرفة الشيخ الصغيرة في المسجد، والتي اعتاد المبيت والمكوث فيها على مدى سبعين عاماً حتى وفاته.
كان والدي يحدثني عن محبة الشيخ الكبيرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وعن زهده واستقامته وصوته الشجي العذب الندي في قراءة القرآن الكريم وفي الإنشاد والمدائح النبوية.
في الرؤيا كان وجهه يفيض بالنور، ولا أستطيع أن أصف ملامح الوجه لأن النور الذي يشع منه غطى على كلّ وصف.
سألني عن والدي ” أبي راسم “، فأدخلته صالة المنزل وسلم على والدي، ثم التفت إليّ وخصني بشيء، ثم ذهب .
استيقظت وأنا فرحة، واتصلت بوالدي لأخبره بتفاصيل الرؤيا، فسعد والدي كثيراً بهذه الرؤيا المشرقة .
مرّت الأيام والسنوات، وعدت إلى دمشق، وبينما كنت أبحث في مكتبة والدي وجدت كتاباً يحمل عنوان : ” الصلاة العشرية في الصلاة والسلام على سيدنا محمد خير البرية ” .
لفتني هذا العنوان وبدأت بتقليب الصفحات لأجد أن اسم المؤلف هو الشيخ عبد الرحيم الشاطر فشدني الأمر، بدأت بالقراءة، كان الكتاب عبارة عن صيغ صلاة على حضـرة النبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار، كتبها الشيخ ورتبها وفق الترتيب الهجائي، في كلّ حرف كنت أقرؤه كانت السكينة تتنزل على قلبي والهدوء يغمر أرجاء روحي .
شعرت بمحبة الشيخ الصادقة والعميقة لحضـرة النبي، وأخذني حال من الشوق إلى حضـرة النبي وإلى مدينته، التي عشت فيها ما يقارب الثلاث سنوات .
كنت قد عشت في بلاد الحرمين سبع سنوات، خلال هذه السنوات رزقني الله أداء فريضة الحج، واعتمرت أكثر من خمسين عمرة، كلّ عمرة كنت أهديها لروح ميت، ربما خوفي من وحشة القبر دفعني لذلك، فأردت أن أُعمّر قبري في حياتي، لعل أحدهم يتذكرني بعمل صالح بعد موتي يخفف عني وحشة القبر .
إن جواري للكعبة المشرفة غيّر داخلي تماماً، جعلني أكثر سكينة، أن أضم الكعبة إلى قلبي بعد الطواف، أن أحملها في قلبي لتكون قبلتي في الحياة، كان من أجمل الأشياء التي عرفتها في حياتي .
أما جواري للحرم النبوي فجعل وجداني يعيش روحانية النبي بعظمتها، هذه الروح الحيّة المتوقدة، التي أضاء نورها هذا الوجود، والنور يبقى ولا يفنى.
استولت المدينة وصاحبها على روحي بعد أن احتلت الكعبة كلّ قلبي، كانت مازلت أمنيتي أن يضمني ترابها ذات يوم، ومن وحي هذا الجوار العظيم كتبت ديواناً بعنوان ” كوكب دري ” هو عبارة عن قصائد نثرية صوفية تحمل شعوري نحو هذه المدينة وصاحبها .
بعد قراءة كتاب الشيخ عبد الرحيم قررت أن أزور قبره، سألت والدي عن مكان قبره، فأخبرني أنه توفي في يوم الإثنين 15 تموز 1991 م، صلّى على جثمانه الشيخ عبد الرزاق الحلبي في المسجد الأموي، ثم رافقه إلى مقبرة باب صغير ولقنه عند القبر .
لأن والدي كان يحبّ الشيخ حبّاً جمّاً حزن عليه كثيراً، فأقام له عزاء خاصاً في منزلنا .
عقدت العزم وذهبت إلى مقبرة باب صغير، التي تعتبر من أقدم المقابر الإسلامية في دمشق، وتحتوي على العديد من الأضرحة والمقامات التي تعود إلى أهل البيت صلوات الله عليهم ، وإلى الأصحاب والتابعين وأهل الولاية والصلاح رضوان الله عليهم جميعاً، وأنا في طريقي إلى قبره، استوقفني ضريح مميز، كتب عليه ” ضريح السيدة فضة جارية سيدنا محمد ، أنشأ هذا المقام المبارك السلطان الغازي عبد الحميد خان عام 1327 “.
فاض الدمع شوقاً لحضرة النبي وآله الأطهار، وشعرت أني على الطريق الصحيح الذي أخذني إلى قبر الشيخ عبد الرحيم، للحظات شعرت أن روحه قد حضـرت، ورائحة طيبة تشبه المسك غمرتني .
قرأت على شاهدة قبره :
” مرقد المرحوم الشيخ عبد الرحيم بن مصطفى الشاطر، المقيم في جامع نور الدين الشهيد، والمعروف بحبّه للنبي والمشهور بقصيدته الشعرية:
يــا نبي سـلام عليك
يا رسول سلام عليك
يا حبيب سلام عليك
صلـوات الله عليـك
انتقل إلى جوار ربه 4 محرم 1412 للهجرة، الموافق 15 تموز 1991 للميلاد صلى الله عليه وسلم.
لم أكن أعرف أن هذه الأبيات الشعرية والتي تعد من أهم وأشهر مطالع المديح النبوي في العالم الإسلامي، هي من كتابته، والتي سمعتها بصوت بلبل الشام توفيق المنجد وبصوت منشدين آخرين .
كنت أسمعها وأرددها دوماً، دون أن أعرف أنها له، فأخذني حال من الشوق والحنين لحضـرة النبي ، وحال الشوق عندي لا ينتهي، ثم قرأت عند قبره كتابه الصلاة العشـرية، وتشكرته على هذا الكلام العظيم الذي كتبه في مقام خاتم الأنبياء والمرسلين .
تكررت زيارتي لقبره كثيراً، كنت كلما شعرت بشوق شديد لحضـرة النبي أذهب إلى الشيخ عبد الرحيم ليبلغه سلامي وشوقي، وليحمل إليه رسائل حبّي وشوقي إليه .
في إحدى الليالي غفوت ورأيت نفسي في حشد عظيم ينتظر من يخطب فيه، رأيت من يضعني في موقع الخطيب، اعتذرت بحجة أنه لا يوجد معي خطاب أقرأه على الناس، لأرى كتاب الشيخ الجليل ” الصلاة العشـرية ” قد وُضع في يدي، وبدأت بتقليب صفحاته وقرأتها على الحشد صفحة صفحة .
عندما استيقظت قلت ربما حبّي للشيخ وكتابه جعلني أرى ما أرى، وإنها مجرد خواطر باطنية، تحاكي حال قلبي وشوقي لحضرة النبي ولكلّ من يمت له بصلة روحية، لكن الرؤى لم تنتهِ، ففي رؤيا أخرى رأيت قبر الشيخ عبد الرحيم كروضة من رياض الجنة، والناس تقبل عليه لتزوره، وتسأل عنه، وأنا بجوار قبره، أعرّف عنه، أقول :
هذا قبر الشاعر الولي المحبّ لرسول الله .
بعد أن استيقظت خطر لي خاطر، لماذا لا أعيد طباعة كتابه
” الصلاة العشرية ” وأضيف عليه إضاءات على جوانب من حياة الشيخ، وبعضاً من أشعاره وقصائده وموشحاته التي كتبها في المديح النبوي .
هنا بدأت رحلة بحثي عن معلومات وأشعار ومعارف الشيخ عبد الرحيم الشاطر التي استغرقت أكثر من ثلاث سنوات، سألت أهل الاختصاص الذين أرشدوني لبعض الكتب التي ورد فيها ذكر الشيخ، كما تواصلت مع أشخاص كانوا قد عرفوا الشيخ ومنهم من قد لازمه، جمعت منهم شهادات عن الشيخ رحمه الله، لكنني للأسف لم أصل إلا لجزء بسيط من معارف الشيخ رحمه الله، إذ إنه لم يكن حريصاً على جمع أعماله أو طباعتها أو نشرها لزهده الشديد، وبالتالي ضاعت معظم هذه الأعمال .
بعد مرور عامين وبعد أن يئست من العثور على أكثر مما عثرت عليه من معارف الشيخ رحمه الله، جمعت ونسقت كلّ ما توصلت إليه لأجهزه للنشر، لكنني في داخلي كنت حزينة لأنني لم أتمكن من جمع أعماله وتوثيقها بالشكل الذي أريده، كان حينها الشهر رمضان كنت أدعو الله أن يمكنني من أداء هذه الأمانة الكبيرة التي تعهدت بالقيام بها .
في ليلة 27 رمضان عام 1444 هجري بعد صلاة الفجر غفوت ورأيت رؤيا، خلاصتها أني كنت أقود سيارة في طريق صعب ووعر وكلّه مطبات، عندما حاولت ركن السيارة جانباً، لأنني لم أستطع إكمال الطريق، ظهر لي رجل ذو وجه منير، لا أتذكر تفاصيله، عرض عليّ المساعدة فوافقت ، تشكرته وعرفته عن نفسـي ، رحب بي وسألته من أنت؟
فأجابني : أنا هنا أتعهد ترميم بيت الشيخ عبد الرحيم الشاطر .
اندهشت، وسألته حقاً، قال : نعم .
أخبرته أنه قريبي، وطلبت منه أن يأخذني لأرى بيته، فأخذني، كان هذا البيت يشبه المدرسة النورية الكبرى كثيراً في ظاهره، دخلت واتجهت إلى غرفة صغيرة كنت أرى معالمها الخفية بباطني، كأن روحي تحفظ تفاصيلها كلّها، حفرت في مكان محدد في الحائط، وجدت مكتبة حائطية فيها بعض الكتب، ثم حفرت في مكان محدد من أرضية الغرفة، وجدت صندوقاً استخرجته ثم فتحته وإذ فيه الكثير من الورق الأصفر القديم وبعض الكتيبات، كنت سعيدة جداً كأنني عثرت على كنز عظيم .
في جانب الغرفة ظهر لي نول خشبي كبير مما كان يستخدم في حياكة السجاد اليدوي، قلت في نفسي إنني لا أعرف العمل عليه، فوُضِع في يدي سنارتين كالتي تستخدمها النساء في حياكة الصوف .
استيقظت بحالة فرح وسـرور عظيمين ، اعتبرت هذه الرؤيا بشارة لي بألا أيئس، وأني ربما أصل إلى شيء جديد يتعلق بالشيخ عبد الرحيم الشاطر يساعدني في نسج فصول حكايته في عالم التصوف والنور.
بعد شهرين شاء القدر أن اجتمع بأحد الإخوة الذين لازموا الشيخ عبد الرحيم فترة طويلة من الزمن إلى حين وفاته رحمه الله، أخذت منه تفاصيل كثيرة عن الشيخ، بالإضافة إلى أنه كان يحتفظ بالكثير من الأوراق وبعض المخطوطات التي خطها الشيخ بيده، سمح لي مشكوراً ومأجوراً بالاطلاع عليها، قمت بدراستها بشكل مفصل وتصنيفها وترتيبها وتنضيدها والعمل عليها لتكون جزءاً من هذا الكتاب.
وأسأل الله أن أكون قد قمت بواجبي تجاه الشيخ عبد الرحيم الشاطر الذي كان مجهولاً لدى الكثيرين، والتعريف عنه بالشكل اللائق، وقدمت بكلّ مصداقية ما استطعت إليه سبيلاً وأعانني الله عليه، فإن أخطأت أو قصـرت فأرجو من الله عزوجل المغفرة والعفو
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية