أخلاقيات العلاقة ونجاحها في مواجهة التحديات التي قد تعترض طريقها، إذ إن العلاقة الزوجية أكبر من عقد قانوني، أو رباط اجتماعي حسب، بل هي ميثاق غليظ، كما وصفه القرآن الكريم، يتطلب من الطرفين احترامًا عميقًا، وصدقًا دائمًا، وتفهُّمًا متبادلًا، والتزامًا أخلاقيًا رفيعًا.
الأساس الأول لأخلاقيات العلاقة الزوجية هو الاحترام، فالاحترام المتبادل هو الذي يضفي على العلاقة طابع القداسة والسمو، ويحفظ لكل طرف كرامته ومكانته، إنه حين يحترم الزوج زوجته، ويقدّر مشاعرها، ويصغي إلى رأيها، ويشاركها القرار، يشعرها بأنها شريكة حقيقية في الحياة لا تابعة ولا مهمشة، وكذلك عندما تحترم الزوجة زوجها، وتقدّر جهده، وتثمن وجوده، فإنها تمنحه قوة نفسية ودافعًا للاستمرار في العطاء.
ثم تأتي قيمة الصدق، فالحياة الزوجية لا يمكن أن تُبنى على الأكاذيب أو الخداع. كل سر يخفيه أحد الزوجين عن الآخر يمكن أن يتحول إلى حاجز نفسي وشرخ في جدار الثقة. إن الصدق في المشاعر والأفعال، وفي سرد تفاصيل الحياة، هو ما يجعل البيت آمنًا ومستقرًا. فكلما صدق الزوجان معًا، زاد الشعور بالطمأنينة وتراجعت وساوس الشك.
أما الوفاء، فهو روح العلاقة الزوجية. الوفاء ليس فقط بالإخلاص الجسدي، بل يتعداه إلى الوفاء بالوعد، بالميثاق، بالمحبة، بالعشرة، بالصبر على العيوب، وبالوقوف في الشدائد. الوفاء هو الامتحان الحقيقي للحب، فإن كان الحب سهلًا في وقت الفرح، فإن الوفاء هو حقيقته في وقت المحن.
ومن أهم أخلاقيات العلاقة الزوجية كذلك الرحمة. الرحمة أن يُراعي كل طرف ضعف الآخر، أن يكون عونًا له لا عبئًا، وأن يرى عذره قبل أن يرى تقصيره. الرحمة تجعل الزوج يغفر الزلات، والزوجة تتجاوز عن العيوب، وتجعل الحياة أكثر إنسانية وأقرب إلى السكينة.
ولا يمكن إغفال أهمية الحوار في بناء علاقة زوجية أخلاقية. فالحوار هو الوسيلة التي يعبّر بها الطرفان عن تطلعاتهما، وآلامهما، واحتياجاتهما. بالصراحة المقرونة باللطف تُحلّ المشكلات، وبالإنصات يتجاوز الزوجان سوء الفهم. إن أسوأ ما يمكن أن يحدث في العلاقة هو أن يصمت أحدهما أو أن يشعر بأن صوته لا يُسمع.
وإذا كان الجسد جزءًا من العلاقة، فإن أخلاقيات العلاقة الحميمية لا تقل شأنًا عن سواها. فالمعاشرة بين الزوجين ينبغي أن تقوم على الرغبة المشتركة، لا على الإكراه أو الأنانية. الاحترام في العلاقة الجسدية يتجلى في الرفق، والتودد، والتزيُّن، والاهتمام بمشاعر الآخر. إن العلاقة الجسدية السليمة تكون تعبيرًا عن الحب لا عن الامتلاك، وعن التوحّد لا عن السيطرة
كما أنها تقتضي الشراكة في كل شيء، في المسؤوليات والقرارات، في التربية والإنفاق، في الأحلام والطموحات. هذه الشراكة تعزز الشعور بالعدالة، وتمنع تراكم الإحساس بالظلم أو الاستغلال. وكلما شعر الزوجان أنهما شريكان حقيقيان، زاد شعورهما بالانتماء إلى بعضهما البعض.
الوفاء بالعهود، وكتمان الأسرار، والتعاون في بناء البيت، والصبر على الفقر والمرض، كلها أخلاقيات متفرعة من الأصل الكبير: الإخلاص للعهد الذي جمع بينهما. هذا العهد لا ينتهي عند أول خلاف، ولا يتلاشى عند أول كبوة، بل يقوى بتراكم التجارب والنضج العاطفي والروحي.
إن العلاقة الزوجية لا تكتمل إلا بالتقوى، فكلما كان الزوجان أقرب إلى الله، كانا أقرب إلى الرحمة والعدل والمغفرة في علاقتهما. الدين يجعل من الزواج عبادة، ومن الحب سبيلاً إلى الجنة، ومن الصبر مدخلًا إلى الرضا. ومن استحضر الله في تعامله مع زوجه، راعى الله في كل قول وفعل.
هكذا تتجلى أخلاقيات العلاقة الزوجية كعناصر متشابكة، تتداخل في كل لحظة من الحياة اليومية، وتتطلب جهدًا مستمرًا لصيانتها، وتذكّرًا دائمًا بأنها أمانة، ومصدر سعادة، وركن أساسي في استقرار المجتمع الإنساني
ح
.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية