الألف
أتينا صيامًا إليك،
نذود ذبولَ صيامِ السنينِ العجاف،
وعُدت إلينا،
رجاءٌ يُشعل القلبَ ضوءًا بهيّ الرؤى،
وأدعيةً موصولةً بالسماء،
وصبرًا جميلَ الثناء،
وها نحن بالحمد والشكر،
نفطر بالماء وبما… يتيسر
من تمرّةٍ نائية.
الباء
بذرنا نسائمَ أشواقِنا شوقًا إليك،
وها نحن بين يديك،
نروي تجدُّدَ أيّامِنا،
نجوع…
نمرض…
نُشفى،
ونخطئُ فيسترُنا العفو،
فحمدًا لك يا ذا العُلى
على نعمةٍ لا تُرى،
وابتلاءٍ مُبين.
التاء
تعزُّ المدينةُ تُؤوِّلُ آياتِها نبوءَةَ
هذا الظمأ،
والقُرى موجةٌ في رنينِ الصدى،
فلا تبتئسْ، يا رمضانُ، الإخاء بما يفعل السفهاء،
فإنّا نصومُ بحمدِ الرجاءِ
ونفطرُ حدَّ الرِّضا.
الثاء
ثرىً في قطراتِ الندى
يرى وجهَه في ثُريّا السماءِ.
والذين يَسوسون أوجاعَنا
ينسون أنَّ في العُسرِ يُسرًا لنا،
وفي اليُسرِ عُسرًا لهم؛ غداةَ
يفورُ تنُّورُ آهاتِنا القيِّمةِ.
فحمدًا لك يا ذا الجلال،
على لذَّةِ الأسودين
بإفطارِ هذا الصيام.
الجيم
جَمَعْنَا لِأَيَّامِكَ الغُرِّ أَكْبَادَ مُعَانَاتِنَا،
سَلَكْنَا الطَّرِيقَ إِلَيْكَ هُدًى وَهَوًى،
فَسُحْقًا لِأَطْمَاعِ بَعْضِ الوَرَى،
وَلِمَنْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ جَمِيلُ العَزَاءِ،
وَلِلَّهِ فَيْضُ الثَّنَاءِ مِنْ غَيْهِبِ النَّفْسِ
حَتَّى انْبِلاَجِ الضِّيَاءِ.
الحاء
حبٌّ هو الحقُّ.
حبُّنا فيه وجعٌ للذين — إذا ما رأونا — نؤلِّفُ بين الأزاهيرِ والطيرِ،
ينتابُهم الغيظُ من أخمصِ القدمينِ حتى النخاعِ.
وإذا ما رأوا حزنَنا باسقًا طَلْعُهُ،
يجتاحهم الخوفُ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ.
فسبحانكَ يا ذا العُلى
في كلِّ آنٍ…
وعلى كلِّ حينٍ وشأنٍ.
الخاء
خِفافًا أتينا
ثِقالًا رجعنا بحُسنى العناقيدِ
والطيرُ يشدو به الاخضرارُ
فخذوا زينةَ أنفسكم
من أحسنِ ما تودُّون من القول
ثم أطفِئوا النارَ
التي تأكلُ أحشاءَكم
بما تُحبُّون من الطيِّباتِ
خلا كلُّ شيءٍ
سوى وجهُه المتعال.
الدال
دعاءٌ يُشعلُ في جوانحِنا مُلهِماتِ الدوالِ:
دالةٌ للجوعِ / للصبرِ والاحتسابِ،
دالةٌ للعتابِ،
دالةٌ لما يشرحُ الصدرَ في الانتظارِ القريبِ الفرجِ،
دالةٌ للظمأِ،
دالةٌ للينابيعِ تشتاقُ فيضَ المَدَدِ.
فسبحانك الله جلَّ عَلاك.
الذال
ذلَّ من لم يجدْ لإفطارِه سوى
طمعٍ لاشتهاءِ المزيدِ،
ممّا يملكُ الصائمُ من عفَّةِ النفسِ والماءِ والأرغفةِ.
ذلَّ من يبخسُ الناسَ أشياءهم،
وتأخذه العِزّةُ بالإثمِ أنَّى مشى
وسبحانُهُ الحقُّ
ينزعُ الملكَ ممَّن يشاءُ.
الراء
رؤى الانتظار،
رؤى الانتصار،
رؤى الانكسار،
رؤى الصبر في المدِّ والانحسار،
رؤى في الرؤى،
ورؤى الوجد في رمضان.
فيا أيها المتخمُ بالغيِّ،
هل تُدركُ الفرقَ بين ماءِ الخصوبةِ
وتيهِ السراب؟
فسبحانَ من يُرسلُ الرياحَ اللواقحَ،
ويُنشئُ السحابَ الثقال.
الزاي
زائرٌ شوقًا إلينا أتى،
فكاد الثرى يطيرُ بأفراحِه
من لهفةِ الوعدِ حتى اللقاء.
زائرٌ جلَّ مَن وهبَ القلبَ أُلفتَه،
حدائقٌ من كلماتِ الشفاء،
وانهارٌ دافقةٌ بعذوبة هذا النبأ.
زائرٌ جلَّ مَن أسكنهُ الوجد،
فازينتْ توقًا إليه نجومُ السماء.
السين
سرٌّ مَن يُغمِضُ عينيه حتى يراك،
سرٌّ مَن يتجدَّدُ في عمرِه النبضُ عندَ لُقاكَ،
سرٌّ مَن يتذوَّقُ طيّباتِ الرؤى
في وهجِ الانبثاقِ،
وطوبى لِمَن يستلذّون زهدَهم في تذوّقِ معنى الحياةِ.
الشين
هو الشَّينُ بعزمٍ،
يشدُّ الرحالَ بنا في أواسطِ أيّامه،
لتحريرِ أنفسِنا من الشُّحِّ والهلعِ المستديرِ،
فما ينفعُ الروحَ في الجسدِ الحيِّ يبقى،
ليشرقُ بالنورِ فيضُ دوامِ المدد.
الصاد
صمتُ القبورِ التي في الصدورِ،
فوضى الضجيجِ،
غُثاءُ الهُراءِ.
فلا تبتئسْ،
فإنّي أرى رايةَ الحقِّ تعلو،
وهذي جحافلُ أهوائِهم،
من ذُرى العزَّةِ بالإثمِ تهوي بها الريحُ،
وترفُّ بأجوائها ليلةَ النَّاصِفَةِ.
الضاد
ضحى
ضلَّ فيه الذي يلبس الباطلَ الحقَّ،
ومن يرهقُ النفسَ بإلقاءِ أشواكِها في الظنونِ.
ضحى
ضلَّ فيه من يبخسُ الناسَ شيئًا،
ومن يستفزُّ هدوءَ الورودِ.
ضحى
نالَ فيه التقى مَن يردُّ التحيةَ بأحسنِ منها،
ونالَ الهدى مَن يوحّدُ في قلبِه
مواطنَ هذا الحبورِ.
الطاء
طافَ بالبيتِ شوقًا إلى ذي العُلى،
أُسريَ فيه إلى حيثُ صلّى خلفَه الأنبياءُ،
عُروجًا به إلى سِدرةِ المُنتهى،
ثم أوى ومكّةُ في قلبِه مزهوّةً بالضياءِ.
الظاء
ظلٌّ تجري به الشمسُ من الشروقِ إلى الغروبِ،
ظلٌّ تفيءُ لظلِّه المودّةُ، والإخاءُ هو الأمانُ،
ظلٌّ ظليلُ الدفءِ في روحِ التآلفِ والسلامِ،
ظلٌّ ظليلٌ، إذ تضيقُ بصدره المعنى، يبوحُ بها الصيامُ.
العين
هي العينُ في المحبّةِ عينُ الرِّضا،
وفي السَّخطِ عينُ السَّقَم.
هي العينُ عينُ الخصوبةِ من فلقتَيِ النَّوى،
وعِزُّ الرغيفِ ومرعى النِّعَم.
هي العينُ عينُ اليقينِ،
وعينُ الجحيمِ التي يؤجِّجها الطمعُ البشريُّ في بطونِ الجشع.
وهي العينُ عينُ الصيامِ،
وعينُ الأسى في عتباتِ الندم.
فسبحانَ من خلقَ الإنسانَ من عَجَلٍ،
وعلَّمه بالقلم.
الغين
غيثُه الصحوُ،
غفرانُه غِبطةٌ يهفو إليها الفؤادُ.
وغيمتُه لهفةُ الأرضِ للإخضرار،
الغينُ
غياهبُ بعضِ النفوسِ الرياء،
إذا اشتدَّ عودُ الغنى،
واستبدَّ الغلوُّ بأنفاسها الموقدة.
وهو الغينُ،
لغفرانِهِ لذّةُ أفيائِهِ بالرجاءِ،
عابقهُ.
الفاء
فُؤادٌ لم يُكَذِّبْ ما رأى صاحبهُ،
ولم يَغدِرِ اليمُّ بفؤادِ الأُمومةِ،
وببحرِ الهُدى هلكتْ غطرسةُ الفِرعنةِ.
وهو الفاء،
فيئُ الظلال،
وفاء الفؤاد، الذي
ثالثَ السمعِ والبصرِ،
تنزل في آيةٍ واحدةٍ.
القاف
قلبُ المتأمّل في ملكوتِ السماء،
والمتفكر في الأرضِ والنفسِ، خِيفةٌ وأمان.
وهو القاف:
لونُ النقاء في المقام، المتناغمٌ فينا،
طمأنينةٌ ووئام.
وهو القاف أُنزل في ليلةٍ خيرُها ألفُ شهر مباركة لمن يحسنون النوايا، ولمن يصنعون السلام.
الكاف
كافُه: كينونةُ هذا الوجود،
مكنونُه في انشراحِ الصدور،
وأسرارُ دفءِ الندى في النفوس.
وهو الكاف:
كفُّ الأذى عن نقاءِ النهار،
وكفُّ الأسى عن ظلماتِ الليال.
وهو الكاف:
كافٌ كفايتهم، وكفى.
اللام
لامُ النورِ في الجلالةِ والجمال.
واللامُ:
لامُ اللطف،
يُلملمُنا من شتاتِ تمزُّقِنا فينا،
وينثرُنا بين أحاديثِ الورود،
ظمأً، وغيثًا، واتكال
واللامُ:
لامُ الذلِّ في خفضِ الجناح،
المتفردُ في الوقار.
واللامُ:
لامُ صمودِنا النفسي في وجهِ المطامعِ والضلال.
الميم
مدرسةُ التأمّلِ في الحروف،
وكليةُ المعنى،
وجامعةُ الدلال.
والميمُ،
ميقاتٌ للوجدِ الضحوكِ بفجرِنا،
وميمُ الظمأِ الودودِ بحيِّنا،
وميمُ المرسلاتِ من السحاب.
والميمُ،
موعظةُ الحقِّ المبِين،
وخاتمةُ النعيم.
النون
النونُ… نورُ السماواتِ والأرض، ومكنونُ المعارفِ في الحروف.
وهي ما يسطرُه القلمُ المحفوظُ في الحياةِ من المنون،
وهي النونُ التي في كلِّ منزلةٍ لها شجون.
النونُ…
نونُ الصيامِ عمّا يجعلُ النفسَ مقبوضةً،
والصدرَ مختنقًا بالظنون.
والنونُ فاتحةُ الكتاب،
والصمتُ المتأمّل في المشارقِ والغروب.
الهاء
زهوُ الحرف،
في العبارةِ والسياقِ دليلُها،
صوبُ البيان.
والهاء…
هندسةُ النفسِ بالطمأنينةِ والأمان.
والهاء…
هؤلاءِ النكرات،
الذين يجعلون من أنفسهم
أوصياءَ على الشَّتات.
الواو
واوُ التقوُّس في الجواب عن السؤال،
وتقوُّسُ الظلِّ في اعوجاج الغصن،
وتقوُّسُ الجوعى على أرصفةِ الرغيف.
الواو…
واوُ فرعونَ الأذى،
وقارونَ الهلاك.
والواو…
وَرْدُ زيارتِنا المتجدِّدةِ كلَّ عام،
بين الإقامة والسفر.
والواو…
نهرُ وداعِنا،
وموردُنا الزلال.
الياء
ياءُ الغيبِ في يقينِ قدومه،
وياءُ القيامة في السؤال.
والياء…
ياءُ الملكيةِ الحمقى
في التملُّك بالزوال.
والياء…
أيقونةٌ رمضانيةُ الانداء،
وياءاتُ الينابيعِ الدافقةِ الظلال.
والياء…
ياءُ تأملي المتوجع،
بين ألف البداية،
وياءُ التحية والختام.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية