​سيميولوجيا الحلول وانكشاف الوعي في تجربة فيصل النائب الهاشمي

كتب د./ فضل صالح هادي

حين ينفتح النص الشعري على إشكالية الذات والآخر. فإنه لا ينتج مجرد لغة واصفة للمشاعر، بل يمارس عملية “تأسيس كينونة” تتجاوز في رقتها حدود البوح الغزلي التقليدي لتلامس آفاق الفينومينولوجيا (الظاهراتية) في أعمق تجلياتها. إن الأبيات التي بين أيدينا للشاعر فيصل النائب الهاشمي لا تقدم المحبوبة بوصفها “موضوعا مرصودا” في العالم الخارجي، بل بوصفها امتداد شرطيا لوجود الذات الشاعرة. وهو ما يحيلنا مباشرة إلى مفهوم “الوعي المتبادل” عند الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار؛ فالشاعر يستهل نصه بتقريرية قدرية حاسمة تكسر المسافة الأنطولوجية بين الأنا والآخر في قوله (خلقتُ لها وقد خلقتْ لأجلي)،إذا يغدو الوجود هنا صيرورة مشتركة لا تكتمل إلا عبر الالتحام.

وإذا ما أردنا تفكيك الشفرة التي يشيد بها الهاشمي هذا الوعي الاتحادي، فإننا نجد أنفسنا أمام شبكة سيميائية بالغة الإحكام، تتحرك عبر ما تسميه السيميائية البنيوية “بالمحاور الضدية الكبرى”.

إذ يتأرجح النص بين قطبين دلاليين حاكمين؛ قطب (السلب والعتمة) المتمثل في علامات لغوية مشحونة بالألم والضياع (كالجروح. القنوح، القروح، وضاقت شروح)، وقطب (الإيجاب والامتلاء) الذي تنهض به علامات التدفق والإشراق(كأفيض، يغمرني، ربيع البوح فجرا، فتوح. ووضوح).

غير أن براعة الشاعر تكمن في قدرته على جعل هذه العلامات السيميائية خادمة لحركة الوعي الظاهري؛ فالألم والضيق هنا لا يحيلان إلى عاطفة مشتتة. بل هما انعكاس “لحالة العدم” التي تسقط فيها الذات في غياب المحبوبة، بينما تمثل مفردات الامتلاء لحظة “الوجود الحق” التي تتجلى فيها الذات مكتملة. وتصل هذه المقاربة التفاعلية بين الوعي والعلامة إلى ذروتها في صياغة الثنائية (الهمس والجموح)، إذ تتصادم الدلالتان سيميائيا لإنتاج مفارقة مدهشة؛ فالهمس الموحي بالخفاء والهدوء يتلبس “بالجموح” المندفعة، ليعكس لنا بصدق وعيَ العاشق الذي يحترق بفيض عاطفي جبار، لكنه يمارس في حضرة محبوبه خشوعا مقدسا يبقي طاقة الاندفاع في حدود الهمس.

إن النص في جوهره، وبحسب طروحات النقد التفكيكي ونظريات التلقي يرفض أن يمنح القارئ دلالة ساكنة، بل يجبره على التورط في ملء الفجوات التأويلية، خصوصا في البيت الأخير الذي تلتقي فيه سيميائية التقسيم مع ظاهراتية الكشف واليقين؛ فالغياب يولّد الاستغاثة الكونية للقلب، بينما الاطلالة والحضور يمنحان الوعي درجة “الوضوح” المكتمل، لتتحول المحبوبة في هذا الفضاء النصي الباذخ من مجرد ملهمة إلى ” العلامة الكبرى” التي يترتب على حضورها انبثاق المعنى في الوجود. وعلى غيابها انطفاؤه وارتداده إلى التيه الصامت.

النص
جموح الهمس

للشاعر فيصل النائب الهاشمي
خلقت لها وقد خلقت لأجلي
وبين ضلوعها همس جموح

أسامرُ ودَّها فأفيضُ عشقاً
ويغمرني الرضا وبه أبوحُ

كأنّي من دلالِ الحبِّ عطر
تبارك بالهوى حتى يفوح

وتمطرني إذا نظرت سلاما
فتفنى داخلي فيها الجروح

اراها في سكون الليل نجوى
تلوذ بها الأماني ما تروح

فإن همستْ تفتّح في فؤادي
ربيعُ البوحِ وانقشعَ القُنوحُ

وأمضي في هواها لا أُبالي
بها أحيا وتنساني القُروحُ

هي الروح التي تُهدي سُكوني
وتغزل من دمي حلمًا يلوحُ

فهل بعد الذي في القلب يبقى
سوى حبٍ سما فينا طموح؟

وأبصرها على الآمال فجراً
يبلّل صمت قلبي إذ يبوحُ

تلوّن عالمي ويطيب وجدي
إذا ما خيمت في القلب روحُ

أراها في دعائي كل حينٍ
وفي نبضي إذا ضاقتْ شروحُ

أنا والله ما باليت عشقا
ولكنّ الهوى فيها فتوح

فإن غابت فقلبي مستغيثٌ
وإن طلتْ ففي قلبي وضوح

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!