هدوء ما قبل التحوّل/بقلم:علي جاسم ياسين

تحتَ سماءٍ الأسئلة،
تتمددُ الغيومُ كذاكرةٍ بطيئةِ التذكّر،
كأنّها لا تمطرُ، بل تفكّر،
ويصمتُ الأفقُ كأنّه ينتظرُ اعترافًا
لن يأتي، أو جاء منذ زمنٍ ولم يُفهم.
الضوءُ هنا ليس واضحًا،
إنه متردّد،
يمشي على أطراف الأشياء
كما لو أنه يخشى إيقاظها.
شجرةٌ عاريةٌ من زمنها،
تمدُّ أصابعها اليابسة نحو لا شيء،
لكن اللاشيء يبدو كثيفًا هنا،
كأنه ممتلئ بما لم يحدث بعد.
كأنها تتلمّسُ ريحًا قديمة،
أو تبحثُ عن اسمٍ نسيته الأرض،
أو عن لحظةٍ انكسرت فيها البداية
وبقي الأثر.
امرأةٌ عند حافةِ الضوء،
ليست واقفة تمامًا ولا غائبة،
كأنها احتمالُ جسدٍ أكثر منها جسدًا،
ينحني جسدُها في هدوءٍ طبيعي،
كتفٌ يستريحُ على الهواء،
وساقانِ مطويتانِ كسرٍّ صغير،
خطوطها بلا تكلّف،
كأنها لم تُرسم، بل حدثت،
كأنها جزءٌ من الحقل،
أو امتدادٌ لصمتِ المكان،
أو فكرةٌ قرّرت أن تصبح إنسانًا للحظة.
البيتُ هناك،
يقفُ كشيءٍ مؤجّل منذ البداية،
ليس مهجورًا تمامًا،
بل متروكًا في حالة انتظارٍ دائمة.
جدرانهُ تحتفظُ بظلّ العابرين
كأنهم لم يغادروا،بل تبددوا،
وشرفاتهُ تراقبُ الفراغ
بصبرٍ يشبه النسيان،
كمن ينتظرُ عودةَ أحدٍ لن يعود،
لكن الانتظار صار هو المعنى الوحيد للعودة.
وفي الداخل،
الأشياء لا تتوقف، لكنها تتعب:
كرسيٌّ لم يُكمل جلسته،
كأنه نهض في منتصف الفكرة،
ساعةٌ نسيت كيف تُشير،
وتحوّلت إلى قلبٍ بلا اتجاه،
وصوتٌ قديمٌ ما زال عالقًا
بين الجدار والهواء،
لا هو ذكرى ولا حاضر،
بل ارتجاجٌ خافت لما كان يمكن أن يُقال.
الطريقُ الممتدّ خارج المشهد
لا ينتهي، ولا يبدأ،
إنه فقط يكرّر نفسه،
كأنه يتذكّر خطواتٍ لم تحدث بعد،
أو يجرّ ظلّ من عبروا
ثم محوا أنفسهم من الضوء،
كما لو أن المرور نفسه
كان خطأً في الحساب.
الحقولُ لا تُرى الآن،
لكن أثرها ما زال في الهواء،
كعطرٍ فقد جسده،
أو وعدٍ انسحب بهدوء
قبل أن يُقال،
أو موسيقى انتهت،
لكن صداها لم يوافق على المغادرة.
الزمن هنا
لا يمشي ولا يتوقّف،
إنه فقط يتردّد،
مثل فكرةٍ لم تحسم قرارها،
أو بابٍ يعرف أنه مفتوح،
لكنه لا يجرؤ على الإغلاق.
كلُّ شيءٍ هنا
يبدو وكأنه في منتصفِ تحوّله:
لا الحياةُ بدأت،
ولا الخرابُ اكتمل.
حتى الصمتُ نفسه
يبدو كأنه يتعلّم كيف يكون صمتًا.
وفي هذا التوازنِ المرتجف،
تنصتُ اللوحةُ لنفسها،
وتسألُ بهدوء:
هل نحنُ ذكرى…
أم احتمال؟

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!