كتب: الشاعر أمين المَيْسَرِي
كتب كثيرٌ من أدباء اليمن ونقادها،وأدباء العرب ونقادها عن الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان(1928م – 1971م). وقد أطّلعت على بعضها،وقرأت بعض ماكتب عنه في رسائل الماجستير والدكتوراه. وأجمعت كل ماكتب عنه أنه أحد أبرز شعراء عدن خاصة واليمن عامة كونه يصدر ديوانه الأول(بقايا نغم) في أواخر الأربعينيات وتحديدا عام(1948م)وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
يقول الشاعر اليمني الدكتور محمد عبده غانم عن ديوان(بقايا نغم) :(إن أول مايلفت النظر في هذا الشعر نزعته الصوفية أو اتجاهه الروحي، فالشاعر على حد قوله ليس من ماء وطين بل هو روح ليس يفنيها الزمن. وإن غاية مايصبو إليه الصوفي أن يتخلّص من قيود الجسم ليستحيل روحاً خالدة باقية بقاء الأبد باتحادها مع القوة الأزلية الّتي لاتزول)(1).
حمل الشاعر لطفي أمانة الكلمة طيلة حياته التي لم تتجاوز الثالثة والأربعين من العمر، رحل وهو في قمّة عطائه الشعري. وحمل وطنه الذي ناضل من أجله ،وظل يحمله إلى مدارج الشموس. فَمَنْ منّا ينسى قصيدته(في موكب الثورة) بل هي ملحمة كبرى التي قالها في الذكرى الثانية لاستقلال اليمن الجنوبي من الاستعمار البريطاني في الثلاثين من نوفمبر1967م. ومّن أرد أن يقرأ قصة الاحتلال البريطاني لعدن فعليه قراءة هذه القصيدة التي جاءت على تفعيلة الرجز(مستفعلن) وقد طوّعه لطفي أمان بطريقة فنية جميلة.
نص(في موكب الثورة)
يا مزهري الحزين
مَنْ يُرْعِشُ الحنين
إلى ملاعب الصِّبا.. وحبّنا الدفين
هناك.. حيث رفرفت
على جناح لهونا
أعذبُ ساعاتِ السنين
يا مزهري الخزين
الذكريات.. الذكريات
تعيدني في مركب الأحلام للحياة
لِنَشْوةِ الضياءِ في مواسم الزهورْ
يستلّ من شفاهها الرحيق والعطورْ
وبعد هذا كله
في صحوة الحقيقه
ينتفض الواقع في دقيقه
يهزّني
يشدّ أوتادي إلى آبارِيَ العميقه
يشدّها.. مجذب منها ثورتي العريقه
ويُغْرقُ الأوهام من مشاعري الرقيقه
ويخلق الإنسان منّي وثبة وقدره
عواصفاً .. وثوره
هنا.. هنا
إذْ زمجرت رياحنا الحمراء
تقتلع القصور من منابث الثراء
وتزرع الضياء
وتُغْدِقُ الغذاء.. والكساء.. والدواء
على الذين أمنوا بأنهم أحياء
وخيرة الأحياء
في الحقل.. في المصنع.. في كل بناء
يا مزهري الحزين
يا مزهري الضعيف
ما عاد شعبي ينسج الأوهام في لحن سخيف
عن” قيس وليلى” ” روميو وجوليت”
أسماء كثيره
دبّت.. دبيب النمل في أسفارنا المثيره
دبّت بنا بحمولة الأفيون في سفن الخطيره
كي نوهم الدنيا بأنا أمّة الوهم الحقيره
لكننا.. يا مزهري المحزون
يا ضعيف
نبني.. نحيلك أن من وتر حريري رهيف
مستضعف باك
إلى وثب.. إلى ضرب ضعيف
كي يشهد المستعمرون بأننا حقّاً نخيف
لا أن خاف
أو أن نموت مع الضعاف
اسْمَعْ إذا منّي
ووقّعْ لحن قِصَّتيَ الجديد
وأبعث به في مركب الشمس العتيدة للخلود
إسمع
أنا من قبل قرن أو يزيد
قرنٍ وربع القرن بل أكثر من عمري المديد
كانت بلادي هذه ملكي أنا
ملكي أنا
خيراتها منى.. ومن خيراتها أحيا أنا
كانت.. ومازالت
وهذه قِصّتي.. فانصتْ لنا
في ليلة مسعورة موتورة الظلماء
أوفَتْ على شواطئي مراكب الأعداءْ
يقودها القبطان ( هنس) انجليزيّ حقير
يقرصن البحر شُهَيً
وجيفة من الضمير
هذا الحقير.. ارسى هنا
ومدّ عينيه إلينا في اشتهاء
وَنَسَجَ المزاعم النكراء في دهاء
مدّعياً أنّ جدودي هاجموا سفائنه
ونهبوا خزائنه
وأننا بكلمةٍ غريبةٍ. قراصنه
تصوّروا.. نحن إذا قراصنة
وهكذا انداح له الغزو إلى اقصى الحدود
ودنّس البلاد بالجنود والنقود
وبذر القلاقل
وفرّق القبائل
ولملم الدجى على أطرافه.. يصول
يمدّ من أطماعه مخالب المغول
لكننا على المدى
منذ احتلالِ أرضنا كنّا يدا
يدا تصافح الرفيق في الكفاح لا العدأ
وقطعةُ الرغيف
والمبدأ الشريف
زادان.. كان كافيين للبقاء
فتحن شعبٌ لا ينال الضيم منا ما يشاء
هاماتنا فيها من الشمس بريق الكبرياء
لا نعرف الدموع إلا أن نحيلها دماء
تعلو على ضفافها بواسق الإباء
وكلّما مرّت بنا أعوامنا الطويله
نغرس من ثورتنا بذورنا الأصيله
في كل جيل صاعدٍ يؤمن بالضياء
بالأرض.. بالمعول.. بالسلاح .. بالبناء
ومن هنا تصلبت عقيدة السلاح
ونحن منذ خلقنا نعرف ما معنى السلاح
نعرفه.. ونرضع الأطفال منه للكفاح
ونصنع الرصاص من مرارة الآلم
وننتشي.. نرتقب الفجر الجديد في شمم
حتى بيوتنا التي طلاؤها الغبار حيث عَمْ
نرمي على سيمائنا ظلالها.. وتبتسم.
وانتفض الزمان..
دقّ الساعة الأخيره
فأ ندفعت جموعنا غفيرةً غفيره
تهزّ معجزاتها في روعة المسيره
وجلجلت ثورتنا تهيب بالأبطال
الزحف يا رجال.. الزحف والنضال
فكلّنا حرية تحنّ للقتال
وهكذا تفجّر البركان في ” ردفان”
وردّدت هديره الجبال في ” شمسان”
وأنطلقت ثورتنا ماردة النيران
تضيء من شرارها حرية الأوطان
وتقصف العروش في معاقل الطغيان
وتدفع الجياع في مسيرة الإنسان
يشدهم للشمس نصرٌ يبهر الزمان
وهكذا تبدّدا
عهدٌ من الطغيان لن يجددا
وحلفت على المدى
ثورتنا.. تهتف فينا أبدا
ياعيدنا المخلّدا
غَرِّدْ
فإنّ الكون من حولي طليقاً غَردا
غَرّدْ على الأفنان في ملاعب الجنان
الشعب لن يستعبدا
قد نال حرّيته بالدم والنيران
وقتل القرصان
وإنْ أنسَ فلا أنسَ الفنان الكبير أحمد بن أحمد قاسم في تلحين وغناء هذا النص،وألبسه بردة لاتقدّر بثمن تليق بمقام هذا النص.
استهوت لطفي أمان القصيدة العمودية في بداية حياته،وكان عموديا لايشق له غبار.وقرأ كثيرا من الشعر العربي القديم والحديث،ووقف كثيراً عند علي محمود طه والتيجاني يوسف بشير وأبي القاسم الشابي.
نص(المثل العليا تنتحر) وقد جاء على بحر المتقارب(فعولن فعولن فعولن فعو):
جَثَتْ تَسترِقُّ قلوبَ التِّلالِ وتسفحُ أدمعَها في الترابْ
وتعوي وتُدمي تسفُّ الهجيرَ وتَنزع مجنونةً للسراب
وتصرخ في فجّة البائسينَ لقد طال يا ربُّ هذا العذاب!
فأصغت لها كُلُّ سوسنةٍ قضت مثلها في ربيع الشباب
جراحُ العبير على كأسها مُضرَّجةٌ وحشةً واكتئاب
وأحلامُ عالمها في الثرى تراتيلُ تُزجي الصدى في خَراب
وصاحت بها يا ابنةَ الخالدينَ منالُ الخلود برهْنِ الصِّعاب
بنا مثلُ ما بِكِ من ضجَّةٍ وفينا كما فيكِ هذا المصاب
عبَرنا الحياةَ وقلنا لها لنا المثُلُ الطاهراتُ الثياب
فلما زهونا بها عِفَّةً تردَّتْ بنا في سَحيق التَّباب
فقامت تلمّ بقايا القُوى على هيكلٍ مُضمحِلّ الإهاب
وتسحب آمالَها النازفاتِ وتقلع خطوَتَها باغتصاب
إلى أن محاها شَفيفُ الفَضاءِ وأغوَت هُداها الفَيافي الرِّحاب
تَساقطُ ثورتُها في الرمادِ وتعشو بصيرتُها في الضباب
وقدْ نضبَ الكونُ في نبْضِها وغاض الجمالُ بقفْرٍ يَباب
تُسائِل عن ذاتِها في القبورِ فتهتف ديدانُها بالجَواب
ومن حولها كُلُّ ما حولها ضياعٌ ضَياعٌ وصمتُ غِياب!
في معجم البابطين للشعراء العرب يترجم للشاعر لطفي جعفر أمان سيرته باختصار:
لطفي جعفر أمان.
ولد في مدينة عدن، وعاش زمنًا في الخرطوم، وتوفي في القاهرة.
قضى حياته في اليمن ومصر والسودان.
برزت مواهبه في الرسم والخط، وتلقى العلم إبان تعليمه الابتدائي والمتوسط في عدن، ثم انتقل إلى السودان لمواصلة دراسته، فعاش في غربة كانت دواوين: علي محمود طه، والتيجاني يوسف بشير، وأبي القاسم الشابي، وإلياس أبوشبكة – أنيسه ورفيق صباه.
اجتاز المرحلة الثانوية، فالتحق بكلية غردون بالخرطوم (فترة الأربعينيات) وحصل على دبلوم في الآداب، ثم تاقت نفسه لمواصلة العلم، فسافر إلى لندن ليحصل على دبلوم معهد التربية العالي (1955).
شغل وظائف عدة: محاضرًا في مركز تدريب المعلمين – مفتش مدارس – ضابط معارف – مسؤولاً عن المطبوعات والنشر – مديرًا في التربية والتعليم، ثم وكيلاً لوزارة التربية والتعليم.
أسهم في تحرير «مجلة المعلم» وقد نشر فيها العديد من القصائد والمقالات الأدبية والتربوية، وفي أوقات إضافية عمل مذيعًا في «محطة عدن للإذاعة» منذ تأسيسها، قدَّم من خلالها أحاديث وبرامج أدبية وتربوية.
كان واحدًا من المجددين في الأغنية العدنية، تغنى بأشعاره عدد من الفنانين، كما مارس الرسم.
طبع الشاعر لطفي أمان دواوينه الشعرية متفرقة في حياته،ولم يطبعها في أعمال كاملة.ولكن في عام 2004م طبعت أعماله الكاملة في مهرجان صنعاء عاصمة الثقافة العربية في جزئين ضمهما مجلد واحد في (424 صفحة) دون ديوانيه الغنائيين:
(1)ليالي
(2)أعيش لك
في أعماله الكاملة ضمّ الدواوين التالية:
ديوان بقايا نغم
ديوان الدرب الأخضر
ديوان كانت لنا أيام
ديوان ديوان ليل إلى متى
ديوان إليكم يا أخوتي
أمين المَيْسَري
18رمضان1447ه
7مارس2026م
هوامش
(1)كتاب شعراء اليمن المعاصرون تأليف هلال ناجي الطبعة الأولى1966م مؤسسة المعارف بيروت.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية