«في مجتمعاتنا، لا يحتاج انتهاك الطفولة إلى وحش، بل إلى صمتٍ جماعي مُهذّب أو فاجر.»
لا تُنتهك الطفولة في مجتمعاتنا خِفية، ولا في الزوايا المعتمة، بل على مرأى ومسمع من الجميع، وتحت لافتات براقة: الدين، الأخلاق، التقاليد، وحتى “التنوير” و“النسوية”.
الجريمة هنا لا تكمن فقط في الفعل، بل في المنظومة التي تحيط به، وفي التواطؤ الجماعي الذي يحوّل الطفل من كائن يجب حمايته إلى عبءٍ أخلاقي، أو مادة استعمال، أو ورقة في صراع سيكون الصغير ضحيتها.
العنف ضد الأطفال، والتحرش، واغتصاب الصغيرات، وحتى البيدوفيليا، لا تُواجَه في واقعنا بوصفها جرائم مكتملة الأركان، بل بوصفها “إحراجًا” يجب احتواؤه، أو “فضيحة” ينبغي دفنها، أو “قضية حساسة” لا يجوز الاقتراب منها إلا بشروط.
وأهم هذه الشروط دائمًا: من هو الفاعل؟
إن كان “منّا”، ساد الصمت.
وإن كان “منهم”، ارتفعت الأصوات.
في أغلب الأحيان، لا تكون المؤسسات الدينية حائط صدّ، بل مظلة تبرير.
يُخفَّف الجرم باسم الستر،
وتُختزل الجريمة باسم “عدم تشويه صورة الدين”،
ويُطلب من الطفل أن يصمت كي لا “تُفتن الجماعة”.
هكذا يُنقَذ الخطاب، وتُدان الضحية.
يُحمى الاسم، ويُكسر الجسد.
لكن الكارثة لا تتوقف عند هذا الحد.
فهناك خيانة النخب، فغالبية من يدّعون التنوير، ومن يرفعون شعارات النسوية وحقوق الإنسان، لا يتعاملون مع الطفولة بوصفها قضية أخلاقية مستقلة، بل بوصفها وسيلة.
يُستدعى الطفل فقط حين يخدم معركة أيديولوجية:
لمهاجمة الدين،
أو لتصفية حسابات سياسية،
أو للقفز على قضية مثارة إعلاميًا بحثًا عن نجومية سريعة أو حضور افتراضي صاخب.
وحين يكون المعتدي “صوتًا تقدميًا”، أو “رمزًا من رموز التيار”، أو “رفيق قضية”، أو حتى شخص أجوف لا قيمة فكرية له لكنه بشكل أو بأخر ينتمي لنا، فجأة تتبدل اللغة:
يمكن علاج الأمر
ننتظر التحقيق،
لا نعرف التفاصيل،
لا نريد استباق الأحكام.
الأدلة واضحة لكنها قليلة.
يمكننا معالجة الأمر.
والطفل وحده ينتظر اللاشيء.
نطلب منه فقط أن يختفي، لتصبح البجاحة فجأة وجهة نظر، ويتحول السقوط والإجرام إلى قضية يتم الدفاع عنها.
في واقعنا، لا توجد معركة حقيقية ضد انتهاك الطفولة، بل معارك انتقائية.
كل فريق يفضح جرائم الآخرين، ويغطي جرائمه الداخلية.
كل جماعة تمتلك مقصّها الأخلاقي: تقصّ به ما يخدم سرديتها، وتترك ما يهدد صورتها.
النتيجة أننا لا نواجه الجريمة، بل نُديرها بخبرة وبراعة
لا نحمي الطفل، بل نسحقه لنُعيد توزيع الصمت.
هكذا نتحول تدريجيًا إلى ما يشبه شبكة دعارة أخلاقية:
الجميع يدّعي الشرف ليل نهار،
الجميع يعرف ما يحدث في الغرف المغلقة، والجميع يشارك— بصمته، أو تبريره، أو انتهازيته — في استمرار الجريمة.
الطفولة لا تحتاج إلى شعارات،
ولا إلى مؤتمرات، ولا إلى بيانات إدانة موسمية.
تحتاج إلى موقف واحد فقط:
لا حصانة لأحد.
لا دين،
ولا أيديولوجيا،
ولا صداقة،
ولا حتى “قضية كبرى” تبرر اغتيال الطفولة بدم بارد وبضمير ميت
وأي خطاب—دينيًا كان، أو تنويريًا، أو نسويًا—لا يضع الطفل فوق كل اعتبار، هو خطاب رخيص ساقط كاذب، مهما تزيّن بالمفردات.
للأسف في مجتمعاتنا الطفولة لا تُنتهك لأن المجرمين كُثُر،
بل لأن المتواطئين أكثر.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية