العزلة الثقافية تنتج سلالتها المشوهة/بقلم:الشاعرة المصرية فابيولا بدوي

العزلة الثقافية ليست انسحابًا من العالم، بل انسحابًا من السؤال.
هي اللحظة التي يتوقف فيها المجتمع عن مساءلة نفسه، ويبدأ في حماية سردياته لا اختبارها. وحين تتحول الثقافة من مجالٍ للقلق الخلّاق إلى منظومة دفاعية، لا تعود العزلة حالة طارئة، بل تصبح شرطًا لإنتاج وعي مشوَّه.

في هذا الشرط، لا يُنتَج الجهل وحده، بل يُنتَج يقين زائف؛ يقين لا يستمد قوته من الفهم، بل من التكرار، ولا يحتمي بالحجة، بل بالهوية. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى:
كلما ازداد المجتمع عزلةً، ازداد خطابه صخبًا، وكلما قل انفتاحه، تضخّم ادعاء امتلاك الحقيقة.

العزلة لا تُقصي الآخر فقط، بل تُقصي الممكن.
تُغلق التاريخ على قراءة واحدة، والمستقبل على مسار واحد، والذات على تعريف جامد. وفي هذا الانغلاق، يتكوّن وعي هجين:
وعيٌ يتكلم بلغة العصر، لكنه يفكّر بعقل ما قبل السؤال.
يتبنى مفردات التقدم، بينما يحتفظ في بنيته العميقة بكل أدوات الوصاية والسيطرة.

هذا الوعي ليس تناقضًا عارضًا، بل نتيجة منطقية.
فحين يُمنَع الفكر من التطور الطبيعي، يلجأ إلى التنكّر.
وحين تُصادَر المراجعة، تصبح الحداثة قناعًا، لا تحوّلًا.
وحين يُحرَّم الشك، يتحوّل الإيمان—أيًا كان موضوعه—إلى سلطة.

وهكذا تُنتَج سلالة ثقافية مشوّهة:
لا تنتمي حقًا إلى الماضي لأنها لم تفهمه،
ولا تنتمي إلى الحاضر لأنها لم تعشه،
ولا تستطيع تخيّل المستقبل لأنها تخافه.

الأخطر أن هذه السلالة لا ترى نفسها كنتاج لعزلة، بل كحارسٍ على المعنى.
تتعامل مع الوطن لا كفضاء مشترك، بل كرمز مُحتكَر.
مع الحقيقة لا كمسار بحث، بل كملكية أخلاقية.
ومع الاختلاف لا كضرورة معرفية، بل كتهديد وجودي.

ومن هنا يضيع الوطن.
لا لأنه غائب، بل لأنه مُعرَّف تعريفًا خاطئًا.

فالوطن، في هذا الوعي، ليس علاقة حيّة بين الناس، بل فكرة مجرّدة تُستخدم لتأديبهم.
ليس مجالًا للاختلاف، بل ذريعة لإلغائه.
ليس مشروعًا مفتوحًا، بل نصًّا مغلقًا يُمنَع تأويله.

وحين يُختزَل الوطن إلى شعار، يصبح السؤال عنه خيانة،
وحين يُختزَل إلى هوية، يصبح نقده خروجًا،
وحين يُختزَل إلى ماضٍ، يصبح مستقبله جريمة.

العزلة الثقافية، إذًا، لا تُنتج رجعية فقط، بل تُنتج تقدّمية زائفة؛
تقدّمية بلا تفكيك،
وبلا شجاعة القطيعة مع البُنى العميقة للسلطة،
وبلا استعداد لتحمّل ثمن الحرية.

التحرر الحقيقي لا يبدأ بتغيير اللغة،
بل بتغيير العلاقة مع الحقيقة.
لا يبدأ برفع الشعارات،
بل بكسر الامتيازات التي تحتمي بها.
ولا يبدأ بالخروج على الآخر،
بل بالخروج على المسلّمات التي لم نعد نعرف لماذا نؤمن بها.

الخروج من العزلة ليس انفتاحًا استهلاكيًا على العالم،
ولا استيرادًا أعمى لأفكاره،
بل استعادة للحق في السؤال.

فحين يعود السؤال،
تتراجع السلالة المشوّهة،
ويستعيد الوطن موقعه الحقيقي:
لا كأرض فقط،
ولا كذاكرة فقط،
بل كإمكانية معرفية لا تكتمل إلا بالوعي

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!