فساد الذمم وتأخير المشروع الحضاري/بقلم : د.سميرة بيطام 

تأملات وأمنيات

على مر سنوات والوطن العربي منتبه لقضايا الفساد في معالجة الجانب السيء منها وهو اهدار المال العام والاضرار بحقوق الناس أو المواطنين كأقرب مصطلح نحو بساطة الطالب والمطلوب، لسنوات  عديدة سطرت حكومات الوطن العربي وغيرها من الدول الأجنبية أجندات عمل متكونة من مشاريع قوانين وكذا توصيات وتشكيل لجان لمراقبة حركة المال العام وكذا تصرفات المسؤولين إزاء المسؤوليات التي مُنحت لهم ، لأنهم بصدد رعاية الأمانة ،أمانة البلد والشعب ، كل يتفاعل من موقعه.

ولعل ما يشد الانتباه أن في الدول المتقدمة قوانينها سارية على قدم وساق ، فلا ينجو أحد من مطرقة العدالة حتى لو كان رئيسا للجمهورية والأمثلة عديدة ، اذ تفتح ملفات قضايا لرؤساء لمحاسبتهم مثل ما حدث مع الرئيس الفرنسي ساركوزي وبعض من وزراء فرنسا، ولا يستثني قانونهم أحدا ثبتت في حقه تجاوزات، وهذه الدول لا تتبنى الإسلام دينا كمنهج حياة أو دستور تنظيم حقوق وترتيب التزامات، ما يعني أن بعض الدول تؤمن ايمانا قاطعا بصدقية القانون ، وهي منهجية عمل تثير لدينا نحن العرب تساؤلات عما اذا كانت القوانين العربية كافية لأن تنصف الحقوق وتحفظ الأمانات، ويبدو أن الأمر يتجاوز حدود التحليل والقراءات الى التفتيش عن نتائج تبني مشاريع مكافحة الفساد في الوطن العربي..

والجزائر من الدول التي خطت خطوات جبارة في هذا المجال ، وهي على قدم وساق لتحقيق طموحات شعب يقف جنبا الى جنب دولته في أن يكون معول بناء لا معول هدم ، والانطلاقة كانت بعد الحراك المبارك الذي تعالت فيه أصوات لتحقيق مطالب الشعب في دولة قوية جديدة منتصرة ، يرتفع مدى صوتها على بعد أميال لبناء حضارة تليق بميراث الشهداء، وهو ما نثمنه ويطيب لنا أن نشجع دولتنا على هذا المسار الرائد الذي لا شك يميزها عن باقي الدول.

فعلى الرغم من فساد الذمم ، الا أن مسار الدولة كان إيجابيا ومستمرا، ليس فقط منذ سن القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته ، بل على مدار مرحلية قرارات وتغييرات في المناصب، تكون الجزائر من خلالها قد أوضحت الصورة أمام المشككين في مشروع الانبعاث الحضاري ، الذي هو على قدم وساق من الغربلة والتطهير ،وأي تأخير يلاحظ على المدى القصير ،انما هو إعادة ترتيب  جيدة لأدوات البناء واختيار الأنسب، فالأنسب، فالعمل كان حثيثا، وأبرزه اقحام مشاريع المنصات الرقمية لمتابعة العمل وتدوينات الاستحقاقات بشكل يومي ،دون اغفال لمتابعة جزئيات الإخفاق ، بإعادة النظر ومراجعة بعض النقائص، وهو ما يحرص عليه الوزراء كل في قطاعه.

وما يمكن الإشارة اليه أن فساد الذمم لم يكن وليد الساعة ، بل منذ القدم بتهالك بين قوى الخير والشر في سنة تدافعية مستمرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال☹ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ، قال  ولا أنا الا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) رواه مسلم  والمقاربة هي القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير والسداد: الاستقامة والاصابة، ويتغمدني :  يلبسني  ويسترني، قال العلماء: معنى الاستقامة : لزوم طاعة الله تعالى، قالوا: وهي من جوامع الكلم ،هي نظام  الأمور.

ما يعني أن المشروع الحضاري النهضوي يلزمه استقامة أخلاقية واستعداد فكري ومعنوي لحمل الأمانة، أيا كان نوعها ، سواء مسؤوليات تخص أشخاص أو أمانة الحفاظ على الوطن كمشروع حضاري واسع التمام، منُح لكل جزائري فيه بحقه الدستوري في أن يتمتع بحقوقه ويؤدي واجباته كما هو منصوص عليه قانونا.

ان المشروع الحضاري اليوم وسط مزاحمات الرهانات الدولية، لا تترك مجالا للشك أن الجزائر قد تتأخر في مواصلة المشوار الذي بدأته رغم التحديات والرهانات المحيطة بها، فالجزائر ككل مرحلة تثبت للعالم برمتة أنها قادرة، وقدرتها مستمدة من تلاحم شعبها فيما بينهم ، وكذا الصبر على ضريبة الإنجاز التي لا شك تعثرت دول أخرى في أن تحدثها على رقعتها الجغرافية ، والفشل كان واضحا في دول عربية كثيرة ، ما يوضح أن خوض الخطوب ليس بالأمر السهل، والنجاح يحتاج للتعاون وبذل الكثير من الجهود حتى لا يتأخر الانبعاث الحضاري لأمة رفعت راية التحدي  ولا شك هي ستصل لهدفها مهما كان الطريق شاقا.

ان كفاءة قوانين محاربة الفساد مدرجة ضمن برنامج حثيث ومتعب نوعا ما ،لكنه بناء،  وقد تستفيد الجزائر من المعطيات العالمية الحالية  التي أفرزتها الحرب الحالية الأمريكية الإيرانية ، بالإضافة الى بعض النزاعات الدولية الأخرى، بسلميتها وحرصها على المحافظة على توازنات القوى في القارة الافريقية بامتداد جسور  التعاون فيما بينها وبين الدول الافريقية، وببراعة هندسية بإمكان الجزائر أن تتربع على حدود البحر الأبيض المتوسط برزنامة عمل منضبطة مع احترام الآخر وعدم الخوض في شؤونه..

ان مشروع الانبعاث الحضاري هو مشروع متاح للجميع والسبق لمن يملك إمكانيات أكثر ولديه عزيمة وإرادة جادة في احداث التغيير الإيجابي الذي تتطلع له الشعوب .

قد يتساءل المواطن العادي ، أين التغيير في بعض القطاعات الحساسة والمهمة؟، وهو تساؤل منطقي وجوهري ، قد يستلزم مشاركة من المتساءل ذاته في أن يشارك هو الآخر في عملية البناء بطرح أفكاره وحلوله التي لا شك ستأخذ بها الدولة الجزائرية لتبلورها في مشروع قانون أو استراتيجية عمل تشق بها ما تراه غير متاح حاليا، أو ربما سيكون محققا على المدى البعيد، فلا داعي للاستعجال ، لأن المطلوب الآن هو المشاركة الفاعلة من مختلف  أقطاب المجتمع وتقديم البدائل سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو بالتقدم الى مقر الوزارات لطرح المشاريع العملية بصيغة مقترحات، لأن الدولة الجزائرية تشجع كل من يطرق أبواب مؤسساتها وهو يحمل في قلبه هم وطن مفدى لا يليق أن نتأخر في تقديم ما يصلح لأن يعتمد كبرنامج عمل مسطر ومعتمد وبصيغة رسمية.

ربما يكون فيه تأخر في مشروع الانبعاث الحضاري ، لكن ما نراه نحن كمواطنين عاديين ، ليس كما تراه أجهزة وشخصيات مسؤولة على كراسي المسؤولية، وبالتالي  ماهو مطلوب هو طرح الانشغال ومشاركة الدولة الجزائرية الجديدة بتسمية الجزائر المنتصرة برامج التحيين والتحديث لمواقع الخلل، واني شخصيا لأراها مبادرات تستحق الانتباه لها واستثمارها بشكل إيجابي ومدروس.

فبين التأمل والتمني تظهر مشاركة المواطن في إضافة رصيده الخبراتي والمعرفي الى رصيد دولته لبناء أسس قوية ووطن محصن ومعزز لا يحتاج مستقبلا لمساعدة دول  أخرى، لأن الاكتفاء الذاتي سيتحقق في الأمن الغذاء والصحي وغيره من  التأمينات في مختلف القطاعات، خاصة أن البلد بها ثروات غنية اذا ما تم استغلالها الاستغلال الأمثل…

المشروع الحضاري قد بدأ من مدة والمشجعون له كثر ويعتبر قلمي واحدا منهم.

وفق الله رجال بلدي وحرائرها في صناعة الفارق الجوهري للانبعاث الحضاري بتكلفة تحقيق معادلة تعاون مشترك  طرفاها هما : المواطن والدولة الجزائرية.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!