كتب: الشاعر أمين الميسري(الطبعة الأولى)
هذا كتابٌ لاغبار عليه في قراءة بعض أعمال الكاتب الكبير علي أحمد باكثير لمؤلّفه الدكتور عبدالحكيم الزبيدي،كونه أحد المتخصّصين في أدب باكثير شعراً ورواية ومسرحاً.
لقد أحسن المؤلّف صنعاً حين قسّم كتابه إلى أربعة فصول،وسأقف عند فصلين فقط هما:
الفصل الأول،والفصل الرابع. أمّا بقية الفصلين فقد شفى غليلي – بأسلوبه الأخّاذ الجميل – وأضاف لي أفكاراً ومعلومات كانت غائبة عنّي.
أما الفصل الأول الّذي عنونه ب(باكثير شاعراً).
الحقيقة إنّني اطّلعت كثيراً على شعر علي أحمد باكثير،ووجدتُ أكثر شعره نظما تقليدياً،وقد أعزو ذلك إلى أنّ باكثير لم يهتم كثيراً في كتابة الشعر،بل تفرّد في كتابة الرواية والمسرحية الشعرية والنثرية.
أنا أزعم أنّ باكثير كاتب مسرحي كبير يأتي في طليعة كُتّاب المسرح في مصر أمثال: توفيق الحكيم ونعمان عاشور ومحمود دياب وميخائيل رومان…وغيرهم.
أمّا عن ريادة باكثير في ريادته الشعرية كأوّل مَنْ كتب الشعر الحديث(التفعيلة) فهذه مغالطة كبيرة.
يقول المؤلف:(تبياناً للحقيقة أن الشاعر علي أحمد باكثير- رحمه الله- هو المبدع الحقيقي والرائد الأول في هذا المجال. فقد كتب أولى محاولاته عندما ترجم(روميو وجولييت) لشكسبير بالشعر المرسل،وذلك عام 1936م أي قبل عشر سنوات من كتابة السياب ونازك الملائكة لقصائدهما الحديثة. ثم كتب مسرحية(إخناتون ونفرتيتي) بالشعر المرسل بعد أن استفاد من تجربته السابقة في (روميو وجولييت) بأن اختار أصلح البحور الشعرية لهذا النمط من الشعر وهو(بحر المتدارك) وذلك عام1938م ونشرها عام 1940م ثم أعاد طبعها 1967م)(1)
هناك فرق كبير بين أن تكتب شعراً إبداعياً،وبين أن تترجم عملا مسرحيّا. وأتفق مع ماذهب إليه المحقّق الكبير الدكتور غازي طليمات الّذي أنتقده المؤلّف في مقالة كتبها الدكتور طليمات عن باكثير.
يقول طليمات:(أما في مضمار الاستباق في إبداع ما سمّي(شعر التفعيلة) فقد تنازع شرف السبق فيه أربعة من مهار الشعراء المهرة،ظهرت محاولاتهم قبل أن ينصرم النصف الأوّل من القرن العشرين. وبعد الاحتكام إلى الحكام أمكن ترتيبهم على نحو منصف،يراعي المبنى والمعنى والزمن، فكان بدر شاكر السياب المجلّي،ونازك الملائكة المصلّية،وعلي أحمد باكثير المسلّي،ولويس عوض التالي)(2).
ثم يرد الدكتور عبدالحكيم الزبيدي على نقد الدكتور طليمات قائلاً:
(ثم يفصّل الدكتور طليمات ما أجمله هنا بعبارة(المبنى والمعنى والزمن) فبرّر اعتبار لويس عوض في ذيل القائمة؛لأنه استخدم العامية. ثم ذكر(أنّ ترجمة باكثير لمسرحيات شكسبير جعلت مضمون المحاولة أجنبياً ولفظاً عربياً) ولهذا – في رأي الدكتور طليمات – أتى باكثير في المرتبة الثالثة، أما تقديم السياب على نازك فسببه السبق الزمني، يقول الدكتور طليمات:(وإذا جاز لنا أن نحتكم إلى الزمن وحده رجّحنا السياب على أقرانه كلّهم لا على نازك وحدها،لأنه ضمّن مجموعته الأولى(أزهار ذابلة) قصيدة عنوانها(هل كان حبّاً) وذيّلها بتاريخ النظم وهو29/11/1946م،وهذه الأرقام تعني أنه سبق لويس وباكثير والملائكة جميعاً بعام)(3)
لهذا أقول،وما قاله الدكتور غازي طليمات:إنّ باكثير لم يبدع عملاً أدبياً خاصّاً به ، وإنما ترجم مسرحية شكسبير(4)
بالإضافة إلى أنّ باكثير لم يستمر في كتابة نصوص شعرية تغعيلية، ويدافع عن التجديد الشعري كما ذهبت نازك الملائكة والسياب وشعراء آخرون في كتابة الشعر الحر. وقد أشارت نازك إلى ذلك في كتابها(قضايا الشعر المعاصر) الذي كان بمنزلة دستور الشعر الحر.
أما في الفصل الرابع من الكتاب الذي عنونه ب(باكثير ناقداً) فيؤسف عليه أن المؤلف لم يعطه حقّه من البحث والتمحيص والتدقيق والإنتبهاه؛كونه موضوعاً جديداً عن باكثير.
يعرض المؤلف في هذا الفصل لكتاب مجهول لباكثير بعنوان(المختار من الشعر الحديث) يقول:
(الكتاب هو الإصدار(والتقويم) الشعري الثاني الذي أصدره المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في مصر(أو الإقليم الجنوبي) كما كان يعرف آنذاك(1959م) إبّان الوحدة بين مصر وسوريا،وقد تولّى مراجعته وضبطه وتفسيره الأديب علي أحمد باكثير العضو بلجنة الشعر – كما وقع تحت اسمه. وقد قدّم باكثير للكتاب بمقدمة مختصرة – في صفحة وربع(5)
ثم يمضي المؤلف – الزبيدي – فيقول:(ومن خلال هذه المقدمة نعلم أن هذه القصائد هي مختارات اختارتها لجنة الشعر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية من مجموعة من القصائد الّتي تقدّم بها ناظموها تلبية لدعوة المجلس، وأنها تمثّل البلاد العربية الّتي شارك شعراؤها في تلبية الدّعوة،ولذلك فلا عجب أن لانجد شعراء من بلاد المغرب العربي ودول الخليج والعراق. إذ نجد أن الشعراء المشاركين هم من مصر(12شاعراً) وبلاد الشام(سوريا والأردن وفلسطين 5شعراء) واليمن(أربعة شعراء). وهناك عشرة شعراء لم يترجم لهم ولكنّهم لم يعدوا هذه البلدان المذكورة في غالب الظن،ولم تقتصر المشاركة على الشعراء المقيمين في البلاد العربية بل لقد شارك شعراء المهجر ايضاً حيث نجد قصيدة للشاعر عفيفي محمود بعنوان(الغريب) بعث بها من ميونخ، حيث كان مسافراً للتخصّص، كما ورد في ترجمته(6)
والمؤلِّف يستنتج من خلال هذا المؤلَّف(بتشديد اللام وفتحها)أنّ باكثير قدّم نقده من خلال ثلاثة مستويات وهي:
التصويبات اللغوية(ص230)
التصويبات النقدية(ص235)
التصويبات العروضية(ص238)
والحقيقة أنّني أُصبتُ بخيبة الأمل أن جعل المؤلِّف باكثير ناقداً من خلال هذه النقدات العابرة. ويؤسف عليه أن المؤلف أستاذٌ جامعيٌّ يعي النقد وماهيته.ولكنّه يقع في وهم.
وقبل أن أفنّد هذه التصويبات الّتي ادّعى المؤلّف أنّ باكثير يعدّه ناقداً فيها. أقول إنّ ما قام به باكثير في هذا الكتاب عبارة عن تعليقات أو ملاحظات عابرة ولاتمت إلى النقد بصلة.
في التصويبات اللغوية وهو الخطأ الشائع المعروف عند علماء اللغة.
والتصويب اللغوي فيه خلاف – أيضا – عند علماء اللغة بعضهم يجيزه وبعضهم يرفضه.
في بيت الشاعر عبدالمنعم عوّاد:
(إننا كنّا غرسناه معا في ذات مرةْ)
فقد ذكر باكثير في الهامش أن عبارة (معاً في) كانت في الأصل: سويا،وعلّق ذلك بقوله:(وهو خطأ شائع)(7)
نعم هو خطأ شائع،ولكنه أجيز – فيما بعد – هذا التركيب عند بعض مجامع اللغة العربية في الوطن العربي،وعند بعض علماء اللغة المحدثين.
وياليت لو أنّ باكثير ذكر في البيت كسراً عروضياً في كلمة(سويا) وصوّبها بكلمة(معا) حتّى تستقيم على بحر الرمل،ولم يشر – أيضا – مؤلف الكتاب عبدالحكيم الزبيدي.
وتتكر كلمة (سويا) عند شاعر آخر هو عبدالجليل ناصر في قصيدة(ليلة مايو)، (وهي صياغة شعرية لقصيدة للشاعر الفرنسي دي موسيه فصوّبها باكثير لتصبح:
هيا لنرحل من هنا نسعى ونمضي وحدنا
فقد ذكر باكثير في الهامش أن عبارة(نسعى ونمضي) كانت في الأصل: نسعى سوياً،ولم يذكر السبب حيث سبق أن أورده من قبل(8)
لم يشر باكثير أنّ(سويا) يستقيم فيها الوزن،وحذفها لخطأ شائع.
واضح أنّ كل ماتقدّم أنّ باكثير لايفهم في الضرورة الشعرية الّتي أجازها اللغويون والنحويّون، ولم يطّلع على كتاب سيبويه من حيث الضرورة الشعرية. هناك عشرات الرسائل الماجستير والدكتوراه حول الضرورة الشعرية أستطيع أن أذكر منها عينات كثيرة،ولكن الحيّز لا يتسع لذلك.
كما صحّح باكثير خطأً آخر في القصيدة نفسها ليصبح البيت هكذا:
لما لمستُك بالجناح تساقطت منك الدّموعْ!
وشحبت فاحتضنتك أحشائي وصُنتك في الضلوعْ
فقد ذكر باكثير في الهامش أن(فاحتنضنتك أحشائي)كانت في الأصل(فاستلقتك أحضاني)ولم يذكر باكثير مكمن الخطأ(9)
وهنا تحامل واضح على صياغة الشاعر.
الشاعر أرادها(فاستلقتك أحضاني) والكاتب الزبيدي يقف مع باكثير في تغيير الكلمتين ويقول:(ولكن الوزن يختل لوردت الكلمة صحّتها،فغيّر باكثير في صياغة البيت ليستقيم الوزن والمعنى)(10)
والحقيقة أن الوزن يستقيم بكلمة(فاستلقتك أحضاني) وليس كما زعم الكاتب باختلال الوزن. فقد جاء البيتان على بحر الكامل.
أمّا ما قاله عن قصيدة الشاعر عبدالعليمالقباني(القمر الجديد)
إذ يغيّر باكثير كلمة(ألهية) إلى تلهية ليصبح البيت:
رأى الصواريخ قبل اليوم تلهية للشعب تضحك في لألائها الخٌذعُ
فقد ذكر باكثير في الهامش: أن كلمة(تلهية) كانت في الأصل(ألهيّة) بتشديد الياء، ولم يذكر سبب تغييرها، وكأنه يرى أن ذلك خطأ واضح لايحتاج إلى بيان – كما يقول الدكتور الزبيدي(11)
الحقيقة يستقيم الوزن في كلمة(الهية) ألف مهموزة مضمومة،ودون تشديد الياء،والشاعر لايردها(تلهية) كما أرادها باكثير والبيت على بحر البسيط.
أمّ ما قالهعن حروف الجر عند الشاعر نزار قباني،فحروف الجر(من ،عن، إلى ،على، في) ففيها خلاف عند كثير علماء اللغة. فالشاعر نزار قباني يشتغل عليها كثيراً.
أما ما قاله عن قصيدة(ليلة مايو) للشاعر عبدالجليل ناصر:
حان الوداع فهل ستذرف عند ترحالي الدموع؟
فقد غيّر باكثير في البيت – كما أشار في الهامش – ليصبح:
حان الوداع تُرى أتذرف عند ترحالي الدموع؟
ولم يبيّن لنا باكثير سبب التغيير(12)
وهنا خلاف نحوي حول دخول السين بعد(هل).
والشاعر استخدم هنا(ستذرف) للتسويف.
وكذلك صحّح باكثير قول الشاعر محمود عفيفي في قصيدة الغريب ليصبح هكذا:
عاشت أجيال العهد البائد منسيّهْ
ياليت أعود.. وأملأ منها عينيهْ
فقد ذكر باكثير في الهامش أن(ياليت أعود) كانت في الأصل:(فمتى سأعود) ومرة أخرى لايذكر مكمن الخطأ.
وواضح ركاكة(ياليت) الّتي أقترحها باكثير. فالشاعر أراد الأستفهام ب(متى).
وفي البيت التالي يخطىْ باكثير بيت الشاعر نفسه:
فمتى أشهد نهر الكوثر؟ وأمتّع بالحج الأكبر(14)
فالشاعر أرادهما(سأرى) وباكثير أرادها(أشهد)
والفرق كبير. فالشاعر أحسن استخدامها ب(سأرى)
والشاعر لايريد في بيته زحافاً على بحر المتدارك،وباكثير غيّر الكلمة إلى زحاف.
وكذلك لا أتفق معه في تغيير بيت الشاعر محمد التهامي:
أينما قلّبت عيناً تنبهرْ بالجمال الفذّ والحسن المجسّمْ
ذكر باكثير في الهامش أن كلمة(تنبهر) كانت في الأصل(تلتقي) ولم يبيّن سبب التغيير(15)
وكذلك لا أتفق معه في بيت الشاعر إبراهيم عبدالحميد عيسى(زواج شاعر) ليصبح هكذا:
فقالت وقد قطّبت وانبرت فألقت بشعري في ناحية
فقد ذكر باكثير في الهامش أن البيت كان في الأصل:
فقالت وقد قطّبت وجهها وألقت بشعري في ناحية
وفي بيت الشاعرة المصرية(جليلة رضا)(ضعف المرأة)،يغيّر باكثير البيت التالي:
أنت لي مهما تناسيت ليالينا الغوالي
رغم هذا الزهو والخَيْلة رغم التعالي
فقد ذكر باكثير في الهامش أن كلمة(الخَيْلة) كانت في الأصل الخُيَلاء واللفظان بمعنى واحد(16)
لأوّل مرة يشير باكثير إلى الخطأ العروضي،والبيت جاء على بحر الرمل.
وقد غيّر باكثير فاستخدم(الخَيْلة) بدلا عن الخُيَلاء.
صحيح أن كلمة(الخُيَلاء) تنطق بضم الخاء وفتح الياء،وباكثير استخدم الخَيْلة فتح الخاء وتسكين الياء حتّى يستقيم الوزن. أقول ربّما الشاعرة كانت قد وضعت فتحة على الخاء وسكّنت الياء وهنا أيضا يستقيم الوزن(الخَيْلاء) وهنا ضرورة شعرية.
في ختام هذه الملاحظات أشار الكاتب عبدالحكيم الزبيدي إلى أن باكثير حقق ديوان الشاعر صالح الشرنوبي وشرحه. وكم كنتُ أتمنى لو الكاتب تحدّث عن هذا الكتاب الّذي سنعرف من خلاله.. هل باكثير ناقدٌ حقّا؟؟
أمين المَيْسَري
12إبريل2026م
مدينة عدن
هوامش
*كتاب الرافد(عن مجلة الرافد) إصدار دائرة الثقافة والإعلام/حكومةالشارقة عد(6) يونيو2010م
(1)الكتاب ص(26)
(2)نفسه ص(46)
(3)نفسه ص(46و47)
(4)نفسه ص(48)
(5) نفسه ص(222 -223)
(6)نفسه ص(223-224)
(7)نفسه ص(230)
)8)نفسه ص230 – 231)
(9)نفسه ص231
(10)نفسه ص231
(11)نفسه ص(231- 232)
(12)نفسه ص(234)
(13)نفسه ص235)
(14)نفسه ص(236)
(15)نفسه ص(238 – 239)
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية