من رياضِ العطاءِ إلى صحراءِ الهوان/بقلم:امةاللّه الاحمدي

 

أمسكتُ القلمَ مُرتجفةً، فـالعنوانُ كبيرٌ، والغوصُ يحتاجُ لِسباحٍ ماهر. ففي سجلِ التاريخِ الحافلِ بِـالحضاراتِ التي تعاقبتْ كَأمواجٍ على شاطئِ الزمنِ، سطعتِ الحضارةُ العربيةُ كَـالقمرِ يتلاعبُ بِـالمدِ والجزرِ. لم تكنْ هذهِ الحضارةُ جزيرةً مُنعزلةً، بل مرجٌ زاخرٌ بِـالكنوزِ الثمينةِ والدُررِ النادرةِ. سأكونُ مُنصفةً وأُجبرُ قلميَ أن يخطَّ الحقيقةَ دونَ تنميقٍ لِلانتماءِ، لأنَّ الحضارةَ العربيةَ لا تُنصفُ إلا إذا تكلمنا عنها كيفَ كانتْ وأينَ غدتْ. كانتْ نقطةَ التقاءٍ لِبحورِ المعرفةِ التي شكلتْ تضاريسَ التقدمِ الإنسانيِّ.

في عصرِها الذهبيِّ الذي امتدَّ قروناً (من القرنِ الثامنِ إلى القرنِ الرابعِ عشرَ) كَفترةٍ حقيقيةٍ لِلزهوِ والعطاءِ، من مكتباتِ بغدادَ التي كانتْ تُشبهُ الجنةَ على الأرضِ، إلى ساحاتِ قرطبةَ التي أضاءتْ أوروبا في عصورِ الظلامِ، من تجارةِ اليمنِ التي ربطتْ العالمَ، إلى ازدهارِ القاهرةِ منبعِ العلومِ. انطلقَ وهجُ العلمِ يُبددُ ظلمةَ الجهلِ. كانتْ أرضُ العربِ قلبَ العالمِ النابضِ حيويةً وفكرَهُ المُستنير. حفظوا تراثَ من قبلهم من الإغريقِ والفرسِ، وأضافوا عليهِ اللبناتِ الأساسيةَ التي بنى عليها العالمُ صروحَ العلومِ الحديثة. في الرياضياتِ، لم يُقدموا الأرقامَ بل أهدوا العالمَ مفهومَ الصفرِ الذي فتحَ آفاقاً للحٍسابِ والجبرِ، وجاءَ الخوارزميُّ بِثورةٍ حددتْ آفاقَ المستقبلِ وشكلتْ جسراً عبرَ العالمِ منهُ نحو التكنولوجيا. في الطبِ برزَ القانونُ كَمرجعٍ لا يزالُ في صدورِ مكتباتِ أرقى الجامعاتِ حتى اللحظةِ، ونبغَ ابنُ سينا كَمهندسٍ معماريٍّ قامتْ على مخططاتِهِ كلُّ مستشفياتِ العالمِ، وطوروا الجراحةَ بِأدواتٍ وتقنياتٍ ما زالتْ تُدهشُنا حتى اليومِ. رسموا معالمَ الأرضِ وأبدعوا في الخرائطِ السماويةِ وكثيراً من النجومِ حملتْ أسماءَهم. كانَ هناكَ مناراتٌ كثيرةٌ لاتكفي المجلداتُ لِذكرِهم، ولا يمكنُ لِمنصفٍ أن يُنكرَهم. كلُّ لغاتِ العالمِ المتشعبةِ لا تزالُ تحملُ نفحةً من نسيمِ العربيةِ الحنونِ التي تغنّى بها الأدباءُ والشعراءُ وشهدَ لِجزالتِها المستشرقونَ كارل بروكلمان: “إنها أغنى لغاتِ العالمِ”.

لكنَّ الزمنَ لا يقفُ في نقطةِ العظمةِ، فقد تأتي تياراتٌ عاتيةٌ تُغيرُ المسارَ. بدأتْ شمسُ الحضارةِ تغيبُ شيئاً فشيئاً، تراجعتِ العلومُ وتفرقتِ الصفوفُ وتضافرتِ العواملُ الخارجيةُ والداخليةُ. وغُرستْ سكيناً في هذا القلبِ النابضِ (مهدِ الرسالاتِ) لِتصبحَ مسرحاً لِلظلمِ والاحتلالِ، وقَدَماً مشلولةً أفقدتِ العالمَ العربيَّ اتزانَهُ. فاستسلمَ لِلسقوطِ وتركَ الجسدَ يتداعى في بحورِ الذلِ والهوانِ والمصالحِ الفرديةِ واللهثِ وراءَ حضاراتِ الغربِ، حتى اقتربَ من الأرضِ، غيرَ مُدركٍ أنَّ صوتَ الارتطامِ سيكونُ مُدوياً. بدلاً من اللجوءِ لِعكازِ الوحدةِ والتمسكِ بِإرثٍ اكتسحَ الأرضَ قاطبةً ومداواةِ الوجعِ حتى يُستطبَّ ويُشفى، لكنهم تاهوا في صحراءِ الحاضرِ تُلاحقُهم أشباحُ الماضي وتُثقلُهم قيودُ الواقعِ.

كيفَ لِمن درّسَ الكرامةَ والصمودَ أن يُصبحَ طالباً لِلضعفِ والتبعيةِ؟ وبدلاً من كتبٍ تُنيرُ العقولَ، صارتْ تُقدمُ المعازفَ والغناءَ التي تُغرقُ الوعيَ وتُبهتُ الروحَ. باعتِ الجوهرَ الثمينَ بِقشورٍ لامعةٍ لا تُسمنُ ولا تُغني من جوعٍ.

إنَّ التاريخَ يُعلمُنا أنَّ الحضاراتِ لا تموتُ أبداً وإن تغيرتْ. ويبقى الأملُ شمعةً لا تنطفئُ، وأصواتُ الحقِ تصدحُ بِأنَّ الروحَ العربيةَ ستستعيدُ شيئاً من وهجِ الماضي، ونُعيدَ بناءَ ما تهدمَ، ونُقدمَ لِلعالمِ مرةً أخرى صورةً لِأمةٍ قويةٍ قادرةٍ على حمايةِ أرضِها وكرامتِها وتنشرَ عبقَ العلمِ لِكلِ أصقاعِ الأرضِ.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!