نظرة على ماضٍ، من باب موارب،
من سُباعية يا ابن الرومي لا قواعد في العشق!
تقدم بي العمر وما زلت اتابع بشغف ممتع، اخبار الكثير من اصدقائي في محطات من علاقاتنا. أمس الاثنين، وخلال لقاء حزبي لي مع ثلة من الرفاق، إسْتأذَنَتْ لقضاء الجزء الأخير من الأمسية معا، علَّنا نستكمل نقاش ما كنا فيه في الاجتماع، بعيدا عن ملل الاجترار والتكرار، الذي قد تسرب الى ما كان يقال في قاعة الاجتماع خلف ابواب مغلقة. ردعا لذاك الملل، وتنفيسا لما كان يحتلني من غضب مكتوم وافقت وانتبذنا مكانا قصيا في مقهى على شاطئ بحر العقبة.
كنتُ أظن أن الجن الأزرق لا يكسرها، سمراء مثل تراب فلسطين، معتدلة الطول بالنسبة لي، طويلة عند الكثير من أصحابنا. شعر فضي متماوج، لامعة العينين، قوية النبرة، حاضرة الذهن كمحارب غزيٍّ لا يملك من السلاح إلا إيمانه بحقه. حفصة شابة في الخامسة والسبعين من عمرها. بالصوت والصورة، تجمعت في وجهها ملامح فلسطين كلها، مدنها وقراها، شموسها وأقمارها، وانفاس الاجداد وعنفوان الأحفاد.
ما ان استقر بنا المقام على كرسيين متقابلين في المقهى، تسنى لي أن أجري مسحا سريعا لعينيها، للتعرف بفضول على ما فيهما من مخاليط تجربتها الحافلة بالتحدي. و بمعنى أدق، على تعميق السطحي من قراءاتي السابقة، للمعقَّّدِ في تلك التجربة.
ما بدا لي من قلق في عينيها الفياضة بعشق الحياة، أخذني في رحلة موجعة، من دون أن يغادرني التهيُّب، والشعور بأنني مُضطر للسؤال عن هواجسها، التي بدا لي من على هذا القرب، أنها أسيرة ضجرٍ حائرٍ وغضبٍ عاجز، وحزنٍ لا ينفع مع ركامه أي صلاة استسقاء.
لم تصدمني هواجسها الصارمة، ولكنها حركت مجسات الفضول فتمنيتُ عليها ان تنطلق على سجيتها، فانا على الهواء مباشرة، أنصتُ بصبر جميل.
إعتدلت في جلستها قبل أن تقول: صحيح أنني لن أبخل عليك عامدة متعمدة بتفاصيل هواجسي، إلا ما أخشى أن يُحرجَني أو يساء تفسيره. فأنا أقل جسارة مما يجب، أو أن بعض خزائن الذاكرة، ما زال غضا لا يسمح لأحد بالاطلاع على خفاياه. وبالفعل لن تمتد إليه يدي بعد فراره، إلتزاما بأصول وأخلاقيات الشراكة. لا مفر يا شيخي من الوجع، فالجراح ما تزال مفتوحة. وأنا مدينةٌ له بالكثير. لذا لن أفصح لك الآن إلا عن القليل، ومن وراء أبوابٍ مواربه !
وتابَعَتْ بصوتٍ مُتصدِّعٍ: عِدْني أن لا تنهرني إذا تجاوزتُ في الكلام، وأن لا تُقاطعَني إنْ تماديتُ في طلب ما أريد، وأن لا تمنعني إذا عبَرْتُ حدودا بدون استئذان، ولن تشمت بي أو تغضب مني، وأن لا ألمح في عينيك شفقة لا أتمناها، ولا أحبها.
أود بداية، التأكيد على أنني لا أخلط بين علاقات الصداقة، وعلاقات الحب. فأنا ممن يعرفن تماما، الفرق بين الحب والصداقة. عرفت الفرق وأنا ابنة العشرين. وأحترمه الآن، وقد تجاوزت السبعين من عمري.
ومن ثم اقول: أن الراحل كان هو الأول في حياتي، وإن لم أكن الأولى التي أفلحت في اختراق قلاعه. كان الأول بامتياز. لا أذكر أن أصابعي قد ارتعشت وهي تتقلب بين اصابع يد، كما ارتعشت حين أمسك بكف يدي. لن أنسى ما حييت وميض عينيه، رغم مرور العقود العديدة، ما تزال ترتعش. بعدها، لم يهدأ لي بال حتى نزلت ضيفة على مضاربه. وهناك وظف مهارات كان هو الفائز فيها.
قاطعتها وهي تحاول تجفيف دموعها سائلا: عن الفرق بين رحيله وبقائه!!!
ردت بأغرب مما توقعت أن أسمع. قالت : أنا لست زعلانة لفراره مني. بل لأني بفراره صرت كالمصابة بالزهايمر، من غير اسم ولا أصل ولا هوية، تسحقني أربع رياح الحياة. دعك من اشتياقي له ، فأنا زعلانة وحزينة، لأنه رحل وفي عهدته كل تفاصيلي. كان قد تشربها في السنين الطوال التي جمعتنا معا. ولأن ما تبقى من عمر لم يعد كافيا، لأنتظر من يتشربها ثانية مثله. ويحفظها عن ظهر قلب، كما كان يفعل الراحل.
وأكمَلَتْ وقد ازدادت بكاءً: تِفْرِقْ بالتفاصيل التي يحفظها عن ظهر قلب. كنتُ لو رآني مُتضايقه أو غاضبةَ، أو حزينةً أو فرحةً، لستُ مضطرةً لأن أشرح التفاصيل ليعرف.
يكفي أن تعرف، أنه كان بالنسبة لي وطن، بشموسه ورجاله ورماحه. كنت أنتمي إليه وينتمي إليَّ. وهَبني عُمرا واسما وانتماء لحب مجيد، وهبني زمنا لنكمل ما كنا قد بدأناه، في تلك الظهيرة التموزية الخالدة من سنوات طوال. يعرف عني كل شيء. كان يفهم صمت لساني، وبسمة شفتي، وحيرة عقلي، وقلق روحي، ولهفة قلبي، حتى وميض عيني، وإيماءاتها كان يفهمه. خسرتُ من كان يحفظني.
في حياتنا من يوفر علينا كلاما وحججا كثيرة، وشرحا بالساعات، لمجرد أنهم حافظين تفاصيلك، تفكيرك، حياتك ومواقفك. فاهمينك لانهم مركزين في كل حاجة تخصك. والتركيز كما تعلم يا سيدي اصله اهتمام. والإهتمام أصله فرح الزمان الآتي، بقوة ثمانية درجات على مقياس ريختر، وهي قوة يعجزعن مَسخها السحرة والحواة والسماسرة، وأيتام الغلِّ والحسد المتدحرج فوق الجراح. اهتمام يمسح عن النفس الصدأ ويعيد للروح توهجها.
كنت أخشى تعميق أزمة حفصة، بدلا من حلها، طلبت من النادل المزيد من القهوة المرّةِ، قبل أن أنصحها قائلا: البداية فيك سيدتي وعندك، فأمامك للنجاة أكثر من فرصة ممتازة.
على الطريق لمواجهة النفس في العادة، لا بد أن ننظر بعيون سليمة، تخرج الكثير مما نبالغ به من تاريخنا، بدل أن نُخفيه مُفترِضين أننا لا نراه ولا نسمعه، بعد أن استوطننا، إعتبرناه البداية والنهاية.
يا سيدتي وقد عانيت من آلام التمزق، لا تلتفتي مطولا إلى ما قد يسقط من ذاكرتك، ولا تحاولي ثانية لملمته او ترميمه، بل سارعي في خطوك هربا منه، ومما تزال تختزنه، مما لا يليق بك تحمله. وإن تطايرت بعض صفحات ما كنت تعتبرينه تاريخك، لا تهتمي أين قد يقع، وكم عددها وماذا كتب فيها، إن كان مُجافيا أو مُنافيا لواقعك السائد.
لا تعتذري لمن ألغاك، ولا لمن ألغيتيه. تنازلي عن حقك في الماضي، وكأنه لم يكن يوما هنا أو هناك. لا تقتسمي معه شيئا من المستقبل، ولو في هامش منه، حتى لو استعصى النسيان على الذاكرة.لا تشيحي بوجهك هربا مما قد يرفض عقلك تخيله. وبالمقابل استنبتي نفسك من جديد. فالدنيا كلها غيرالدنيا، لا الشرقُ شرقٌ يا سيدتي، ولم يعد الاحمرُ لون الرايات.
ان تحبي، يعني أن يتسع قلبك لكل احتمالات المنافسة والمكايدة، وان تنسى ترف الطمأنينة. واحرصي ان تبقي نصب عينيك، أن الحب أفق مفتوح، إن أغلقته صار سجنا. الحب روح، دعي روحك وتنعش كل أبناء الحياة، لا مرضاها ولا حتى من قرر ان يكون من موتاها.
ليتفجر التساؤل مشرعا في دواخلك، هل حقا أنتِ أنتِ؟! لا تخافي سيتبقى منك الكثير، حتى لو كانت نُتَفاً. أُنْظُري في العيون، تفرسي في الملامح، واحفظي العلامات الفارقة في الوجوه. كفاك هربا من كل أحدٍ ومن أيِّ أحدٍ، إرجئي حزنك إلى غدٍ، دققي في معنى ما يجري. كفاك تلطياً، وراء ما كان مما مضى وانقضى. سيطول غيابه ولن يعود تلقائياً، بل بك ومعك، لا بقرارات الآخرين. كوني أنت. حاولي أن تفهمي مرة اخرى، فالأحداث اختلفت والنتائج.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية