كتب. أ. د. نبيل حداد. غالب هلسا في القاهرة هل كان مغتربا؟

آفاق حرة

غالب هلسا في القاهرة
هل كان مغتربا؟

أ. د. نبيل حداد. جامعة اليرموك. ورئيس كرسي عرار.

(1)
ليس من قبيل المجاز غير المبرر أن نزعم أن أجمل الروايات التي تقترن بغالب هلسا (1932- 1989) هي الرواية التي لم يكتبها قلمه، بل كتبتها حياته. ما بين قريته ماعين (في جنوب الأردن) وعمان، وبيروت، وبغداد ثم القاهرة، فبغداد، فبيروت، فدمشق، ثم أخيرا في محطته النهائية بل الأبدية في عمان. وكل محطة في هذا التطواف، رواية كبيرة. مؤثرة. رومانسية أو واقعية. فانتازيا سحرية أو حقيقية صادمة. مأساة أو ملهاة. لكنها في كل الأحوال مجبولة بدم الحياة.
لم يحل غالب في هذه الأماكن زائراً، بل سعى لأن يتخذ من كل منها وطناً. لم يذهب مهاجراً، بل ذهب على الأغلب مجبرا أو ملاحقا. على أن بقاءه في القاهرة مثلاً الذي امتد لما يزيد على عشرين عاماً، كان في معظمه اختيارياً، كان بإمكانه مثلا أن يعود إلى وطنه الأم مع اللاجئين السياسيين الأردنيين إلى مصر بعد أن سُويت حالاتهم مع الدولة منذ عام 1964، ولكنه – وهذا محض افتراض- آثر البقاء لأسباب فكرية وعاطفية ومهنية واجتماعية / ثقافية حتى سنة 1976 حين تم إبعاده بقرار مباشر من سلطة سيادية في الدولة بعد اجتماع شهير للمثقفين المصريين احتجاجا على إبرام اتفاقية سيناء الثانية. غادر القاهرة برحلة تطواف مريرة بين أكثر من عاصمة عربية في الجو استغرقت عشرات الساعات حتى حط في بغداد.
لا أظن أحدا من بين من عرفوا غالب يعتقد أنه عاش في مصر مغترباً، بل الأرجح أن غربته التي لازمته حتي وطنه بحكم ظروف ونشأته، بالمستوى الفكري والحضاري والاجتماعي، وبعيدا عن عن المحى الجغرافي؛ يمكن القول إن الرجل قد خلع عن روحه “الحالة الاغترابية” مع وصوله إلى القاهرة في تلك الأيام المجيدة من منتصف الخمسينيات. فقد كانت القاهرة مقصداً لكل أحرار العالم من آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا تحديداً. كان اللجوء السياسي آنذاك يعني الحصول على وطن جديد من أجمل الأوطان، وعلى حياة محترمة بأيسر التكاليف. كان اللاجئ السياسي، أو حتى الطالب الوافد في الجامعات والمعاهد والمدارس المصرية، يُصرف له راتب شهري، ويؤمن بسكن مناسب، ناهيك عن العلاقات الإنسانية اليسيرة مع الجنسين في مجتمع مفتوح وودود وبلد قطع مرحلة تحول كاسحة بخطى متسارعة نحو الحياة العصرية، ونحو شكل ما من أشكال الدولة الحديثة والمجتمع المديني بأجلى صوره.
(2)
وصل غالب على القاهرة، وسرعان ما وجد فيها ضالته الوجدانية والإنسانية والاجتماعية، والثقافية، والإديولوجية، وهو الماركسي، بعد أن اختارت مصر، إثر انتصارها السياسي المتوهج في معركة السويس، طريق ما أطلق عليه “الاشتراكية العربية”، وعاش غالب – لعشرة أعوام على الأقل- الحلم القومي الاشتراكي الجميل مع الملايين من الأجيال الصاعدة في المشرق العربي ومغربه.
أضف إلى ماسبق أن مجتمع القاهرة، بمناطقه الحديثة، كان ومازال متنوع الأعراق والثقافات، هذه التجربة التي جعلت منها أول مدينة “حقيقية” في المشرق العربي في العصر الحديث. وحين حل غالب في القاهرة في منتصف الخمسينيات، بعد أن ضُربت هيمنة المجتمع الأرستقراطي التي امتدت لقرن ويزيد؛ كانت التجربة الكوزموبوليتية بدأت تلملم خيوط المشهد الأخير، ولا سيما مع اشتداد عود الثقافة الوطنية البازغة للطبقة الوسطى، وسرعان ما احتلت الثقافة الوطنية الجديدة موقع الصدارة في جوانب الحياة كافة: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية بطبيعة الحال، ولكن جنبا إلى جنب مع ما تركته التجربة الكوزموبوليتية من بقايا معالم حضارية وأنساق اجتماعية مدينية ظلت شاخصة للعيان بأبهى تجلياتها حتى يومنا هذا.
قرأت لنقولا زيادة حديثا ورد في أحد الأعداد القديمة لمجلة “الهلال”، جاء فيه مامعناه أنه بينما كان ذات يوم في منتصف الثلاثينيات ومعه المازني وخير الدين الزركلي وشخص رابع لم أعد أذكراسمه، يتنزهون في شوارع القاهرة الحديثة متنقلين بين الزمالك ومنطقة قصر النيل (وسط البلد) وجاردن سيتي تحديداً، حتى وجد نفسه يهتف لمن حوله من الأعماق: هذه هي المدينة، وما بيروت ودمشق وحلب وبغداد وعمان إلا قرى على شكل مدن.
(3)
كان هذا النموذج الحضاري المتنوع أول ما جذب غالب هلسا بل جعله يذوب فيه، وعلى الرغم من نزوع غالب الطاغي لأنماط الحياة الشعبية المصرية والطبقات المهمشة في أحيائها القديمة فإنه بكل تأكيد لم يستطع أن يعيش إلا في المدينة، ومدينة بمواصفات القاهرة تحديدا. ورغم تعلقه العاطفي والوجداني بالمدينة، فإن الينبوع الأول، أوالقرية الأردنية ظلت- للمفارقة- قابعة دوماً في أعماقه ولم تغادرها أبدا، بل لطالما استمد من من وحيها إلهاما ومن منابعها أخيلة وعوالم حضرت بقوة في أعماله الإبداعية. لكن الحال مختلف في مستوى الوعي النفسي والعاطفي؛ إن غالب – لم يجد في القرية – كما تؤكد أعماله المستوحاة من هذه التجربة – إلا المرارة والخيبة والحرمان. بل مدينة بمواصفات القاهرة بالنسبة لغالب ظلت مكان العيش المنشود والفضاء المتمنى. الرومانسية العربية كانت في أوجها، والطبقة الوسطى قد أخذت وضعها بوصفها القوة الاجتماعية المهيمنة على جوانب الحياة كافة في المجتمع المصري الجديد، لا سيما بعد أن تطور الجهاز الإداري البيروقراطي، وطبقت قوانين الإصلاح الزراعي، والأهم من ذلك أن القاهرة كما شأنها في كل العصور مدينة مفتوحة على الثقافات العالمية كافة شرقاً وغرباً.
(4)
انخرط غالب إذن في مجتمع المربع الذهبي في تلك الفترة: الرومانسية، والمدينة المتقدمة، والطبقة الوسطى بانفتاحها وبتقاليد نشأتها العصامية، ثم الحياة الفنية المزدهرة التي جعلت من القاهرة هوليوود الشرق كما يقولون، في بلد دأب على يكون الأسبق في الشرق العربي على الإفادة من إنجازات العصر والاكتساب المبكر لثمار الحداثة، وهذا مكان تحلم للعيش فيه شخصية مثل غالب، بنزوعه الرومانسي على الرغم من عقيدته المادية الجدلية، دون أن تأخذنا نشوة الغلو فنزعم أنه كان رومانسيا بالمطلق، ولكن دون أن نغفل حقيقة التناقض في البنية النفسية للشخصية الرومانسية.
نفهم من ذلك أن غالب لم يكن في القاهرة منفياً ولا حتى مغتربا. ولكن الأمر بالنسبة لغير مصر مختلف، وأرجو ألا يجانبنا الصواب إذا قلنا إن “غالب” كان منفيا حقا في كل مكان حل فيه قبل قدومه إلى القاهرة، ولاعجب لأديب فنان أن يعيش مغتربا حتى في موطنه الأم؛ وهذا ماتشهد علية تجربة غالب؛ في القرية حيث ولد ونشأ، وفي العاصمة حيث أنهى دراسته الثانوية ثم في بغداد وبيروت اللتين غادرهما مضطرا لأسباب سياسية. لقد وجد وطنه الوجداني في القاهرة في فترة شبابه… القاهرة كانت ملاذه العاطفي وفضاءه الروحي، وتحديدا في الخمسينيات بانتصاراتها، وروحها النضالية المتوثبة. بنقائها ومثالتيها، وببذلها وعطائها، بانفتاحها الأممي على حركات التحرر في العالم أجمع. كان غالب جزءاً حيويا من هذا العالم لا يعيش فيه على الهامش، بل قل كان مكونا فاعلا وبارزا في نسيج الحياة الفكرية والثقافية.
اندمج غالب في العالم الثقافي الزاخر الذي كانت تشهده القاهرة في تلك الحقبة، نشاطا محفليا وإبداعا سرديا ونقديا إضافه لامتهانه الترجمة عملا حقق له مستوى مرضيا من الدخل مكنه من حياة مستقرة ماديا ولكنها كانت عاصفة عاطفيا وثقافيا وسياسيا.. على أن حقل اهتمامه الأثير كان الرواية، حيث كانت أساليب سرد المحاكاة التي هيمنت على الرواية العربية الحديثة طيلة مايزيد على نصف قرن، تلملم خيوط مجدها بعد أن بات واضحاً أن الجيل الذي ارتبط بالمؤسسة الثقافية المهيمنة، ربما باستثناء قلة أبرزها نجيب محفوظ، قد حصر نفسه بأكثر مما ينبغي في إطار الواقع السياسي والاجتماعي الذي أفرزته ثورة يوليو، وهو واقع منظم ومتماسك ومحدد، وواضح كل الوضوح سواء في لغته التي لا تجنح إلى أكثر من بُعد إلا في القليل النادر، أو في رسالته التبشيرية التي بات من الواضح أنها صورت مع ما صودر من أملاك عن حق أو عن غير حق، ومن الحريات عن غير حق في معظم الأحوال.
وهكذا فإن نذر التباعد بدأت تلوح في الأفق مع نهاية الخمسينيات بين السلطة الثورية وجيل بازغ يتسم بالوعي الفكري الحاد وفنيا ما باتن يعرف “بالحساسية الجديدة” …. جيل يرى بالعيان أضخم الإنجازات ولكنه- للمفارقة- يكتوي بضآلة الحريات، وكان لغالب صوت سياسي انتهى بسجنه في منتصف الستينيات ليخوض التجربة التي خاضها من قبل رموز اليسار من جيل الستينيات وبعض من الجيل الذي سبقهم، وليس لدينا ما يمكن يُضاف للحكايات المريرة حول ما كان يجري للسجناء السياسيين في سجن الواحات أو التوقف عند مأساة كبرى عنوانها شهدي عطية الشافعي.
كانت الفرصة سانحة لهذا الجيل الجديد ليبحث عن ذاته بمعزل عن هيمنة السلطة الثقافية القائمة وفي أن يقدم نفسه. نعم؛ جيل الستينيات بإبداعه الجديد. قدم فرسان ذلك الجيل ماعرف بالرواية الجديدة، وكان غالب والجماعة الثقافية التي ينتمي إليها بل شارك في تأسيسها (جاليري 68) من أبرز رموز هذا الجيل ولا سيما في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.
(5)
إن إدراج غالب في الاتجاهات الفنية التي صدر عنها جيل الستينيات لا يغني عن القول إنه صاحب تجربة متفردة شأنه في هذا شأن مبدعي هذا الجيل الآخرين، تجربة ذات أثر على الحركة الروائية العربية في المشرق والمغرب، ولكن أي أثر وتأثر؟
يمكن القول إن القسم الأكبر من جهود غالب الروائية والقصصية ينتمى إلى مدرسة القصة السيكلوجية (فرجينيا وولف 1882- 1949 ووليم فوكنر 1997- 1962) أو ما يطلق عليها في أغلب الأحيان تيار الوعي. وهذه المدرسة تختلف بطبيعة الحال عن المدرسة الطبيعية الواقعية التي رادها عالميا إميل زولا وتأثر بها عدد من كبار الروائيين في بعض أعمالهم من مثل نجيب محفوظ في “السراب” و يوسف إدريس في عدد كبير من قصصه القصيرة. ولا مجال هنا لمجاوزة حقيقة تأثر غالب هلسا بوليم فوكز، سواء في أسلوبه المتدفق الانسيابي أو الانهماك في الوقوف طويلا عند مرحلتي الطفولة والصبا في القرية. ولطالما ردد غالب مقولة فوكنر الشهيرة : إنني أستطيع أن أكتب عن قريتي دون توقف.
كما ظل غالب يردد مقولة كارل يونغ (1875-1961): إن الإنسان لا يختزن في داخله تاريخ الجنس البشري فحسب، بل تاريخ المملكة الحيوانية، وعلينا أن نكتشف هذه القارة المجهولة. وهكذا فإن مقاربة غالب هلسا للجنس تتم بقدر ما تسمح به أسس اللعبة الروائية في مواجهة مواضعات البيئه، والجنس عنده كما كتب في أثر من موضع، ليس بهجة ولا فرحة، بل ليس تحققاً إلا على سبيل الاستثناء من القاعدة.
وتتجلى ملامح تيار الوعي في بعض روايات غالب من مثل عمله المبكر “الضحك”، وإلى حد ما في “الخماسين”، وبمدى أوسع في “سلطانة”، وفي بعض قصصه القصيرة من مثل “البشعة” أو تلك الطويلة من مثل “وديع والقديسة ميلادة وآخرون”. تجلى هذا الأسلوب من خلال الغوص بالعالم الداخلي للشخوص، وحضور الأساطير، والأحلام، وتعدد الأصوات، وانسياب العبارات المفككة لاجتراح تراكيب لغوية جديدة ممزوجة بتجارب الماضي السحيق، والعناية بالأحاسيس وليس بالحواس فحسب، وتصويرها بحيث ينُحى الراوي التقليدي جانباً وتمثل الشخصية أمام المتلقي وجها لوجه.
واتسم أسلوب غالب بالتذويت شأنه في هذا شأن روائيي جيل الستينيات من أمثال صنع الله إبراهيم، وبخاصة في “نجمة أغسطس” وإدوارد الخراط في “ترابها زعفران”، وعبد الحكيم قاسم في “أيام الإنسان السبعة” وغيرهم كثيرون بطبيعة الحال. وغالبا ما كانت تحضر عند هؤلاء جميعا في سروودهم تقنية الميتاقص أو الميتاسرد، بمعنى اقتحام المؤلف للسياق السردي، باستئذان أودون استئذان، والتحدث بصوته المباشر. تكررت هذه التقنية في أكثر من موقف في “سلطانة” تحديدا.
بقي أن نضيف؛ بإننا قد لا نجازف إن ذهبنا إلى القول إن تعلق غالب بالقاهرة بشخصيتها العمرانية ومكوناتها الاجتماعية الإنسانية. بل بفضاءاتها الحضارية المتنوعة والمتعددة: الخديوية والأوربية والمملوكية والشعبية والحديثة، والعشوائية كذلك؛ كان سببا رئيسيا كامنا في وعيه أولاوعيه، وراء هذا الاحتفاء المفرط بالمكان سواء في إبداعه السردي أو في جهوده النقدية، النظرية والتطبيقية، وله كتيب رائد في المكتبة العربية في موضوعة المكان، وكذلك في ترجماته حيث قدم للمكتبة العربية واحدا من أهم الكتب العالمية في هذا الحقل، أعني “جماليات المكان” لجاستون باشلار.
وأخيرا يظل غالب هلسا، إذ ينتمي إلى جيل الستينات في مصر تحديدا، وإذا يقدم في كل عمل روائي أو قصصي مغامرة لغوية وفكرية متمايزة، لا تنحكم إلى قوانين المحاكاة؛ يعد مع مبدعي جيل الستينيات في مصر، في طليعة كتاب مابات يعرف الآن، عربيا وعالميا، “بالرواية الجديدة” في مقابل رواية المحاكاة “الرواية الحديثة”، وهذه حكاية كبرى، في حاجة إلى وقفات أخرى.

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. فاز بجائزة (محمد إقبال حرب) للرواية العربية لعام 2021م. الروايات المطبوعة هي تشكيل لرباعية الثورة السورية. -(دوامة الأوغاد/الطريق إلى الزعتري/فوق الأرض/خلف الباب). ورواية (خيمة في قصر بعبدا)، المخطوطات: رواية (بين بوابتين) ورواية (تراجانا) ورواية (دع الأزهار تتفتح). رواية (بنسيون الشارع الخلفي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!