في كل القلوب متسع للأمل و الحياة ، و في كل الارواح جذوة من العطاء و الجد ، و في كل النفوس شهب من الرغبة و الإرادة و الطموح ، و ما ننتظره من أماني و أمنيات سوف يأتي و لو بعد حين بإذن ربه إن اجتمعت هذه الجذوة و تلك الشهب في ذلك المتسع ، فألهبت نورا معينه اليقين و مناره العلم و ألهمت لتلك العملية قوله تعالى ” و قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله و المومنون ” ، فصارت الاماني أحلاما و غدت الأحلام أعمالا ثم كانت الأعمال نجاحا و فلاحا .
في كل القلوب حافز الظن و اليقين بالله سبحانه و تعالى الذي لا ينسى تلك القلوب التي أحسنت الظن به ، و في كل الأرواح حنين للمعين الذي اتت منه ، و هي من روح الله تعالى الذي نفخها منه في من خلقه في أحسن تقويم و جعل نسله من سلالة من طين ، و كلفه بالخلافة و اوكله الإيمان و العمل الصالح تشريفا و تكليفا ، حتى يكون أحسن من استخلف و خير من أدى الأمانة بحسن الخلق و جليل الظن و اليقين الجميل ، و في كل النفوس طمع و رعونة تجذبها لطينيتها الأرضية التي تتوق إلى البقاء في ذلك الوحل، و ترغب في المكوث على حافة طريق الوجود الصادق ، و تتشبت بالدونية الدنية دون السمو و الرفعة ، حيث الرقي في مدارج الكمال و التدرج في معالم الاكتمال من الأمر بالسوء إلى العتاب و اللوم على التفريط في جنب الله و الإفراط في الغلو ، ثم بعد ذلك الاطمئنان بذكر من خلقها فسواها فألهمها فجورها و تقواها حيث قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها…..
في كل القلوب هناك فصول متقلبات تزخم داخلها و تتداخل فيما بينها حتى لا تدري كيف هو الشتاء البارد من الخريف الجاف ، و لا متى يكون ذلك الربيع المزهر للنفوس كي تتخلص من برودة الطقس و تتنتعش بجميل المطر ، كل هذه الأشياء البسيطة التي تتواجد في الارواح و تتداخل فيما بينها ، تخبرنا بأن الحياة ليست فقط إنسان يرتدي ملابس باهضة الثمن أو يركب أحسن الركاب ، فهناك اناس يجدون في الهدوء الوجودي و السكون الداخلي حياة ، و مع كوب القهوة في يوم ممطر حوارا داخليا وجدانيا نورانيا يحملهم في رحلة منفردة إلى عوالم اخرى لا تراها إلا قلوبهم التي تهوى الهيام في مسالك العوالم و السياحة في دروب الكون الفسيح
و في كل النفوس هناك إشارات الألم التي تخلفها أجواء الشتاء العاصف ، و تركتها تلك العواصف الداخلية ، و قد جعلتها كالأرض المبللة بالامطار التي لا تبقي و لا تدر ، غير أنها بعد تلك الخدوش و الآلام تحيى كما يحيي مطر الشتاء و الليالي الممطرة الارض الميتة بعد طول الركود و حدة الجفاف ، فينبعث فيها ذلك الأمل كالهواء البارد و النسيم العليل الذي يهب مع منظر قطرات المطر على نوافذ القلوب و على اوراق أزهار الارواح ، و قد ازدانت تلك النفوس بجميل الألوان النورانية و هي تتأمل منظر الطريق ليلا بالانارة الخافتة ، و منظر السماء المليء بانفراجات الغيوم التي كانت تحجب اشعة الشمس الدافئة للقلوب و الارواح ، فتنعش فيها ذلك الهدوء الوجودي الذي هو نعيم من الله تعالى ، و تزرع فيها ذلك الصمت المفضي للتأمل و إدراك مكنونات الحياة ، و ما بين هذين الإثنين تفاصيل لا يدركها إلا من ألهمه الله البصيرة و كشف له حجب الإجابة الروحية .
فما أجمل أن يعيش الإنسان في مكان و زمان يلهمانه الهدوء الروحي و الطمانينة القلبية و الراحة النفسية بعيدا عن صخب الحياة و ضجيج الأفكار المتزاحمة ، و ضوضاء الكبدية المقيتة ، فالهدوء و السَكينة و راحة البَال و السلام النَفسي أغلى و أعلى شعور يستشعره الانسان ، حيث يصل إلى مرحلة من مراحل تطور النفس التي يشعر فيها إنه لم يعد بحاجة لشيء سوى الهدوء الوجودي و الراحة الداخلية التي تجعله يسعد نفسه بنفسه ، و لأن العُمر لن يتكرر مرة أخرى ، فحري بالإنسان أن يقطع طريق الوجود الصادق بكل معالم الاكتمال و اليقين الجميل و بكل خيرية و محبة ، فمن جمال النفوس أن نرى جمال الناس في تقلباتهم ، و من صفاء القلوب أن نحب الناس و نحب لهم ما نحبه منهم ، و من نقاء الأرواح أن نحب الخير لكل الخلائق حتى تكون الصداقات الدائمة صادقة ، حيث روعة الاشياء لا تلمس باليد الطينية ، بل يكون مدخلها هو عين البصيرة ، و محركها الفكر المستنير بنور الواجد ، و مستقرها القلب المطنئن و المنفتح بالود ، فصفاء القلوب ترى جمال الحياة في كل همسة روح أو لمسة إحساس أو نسمة شعور داخلي.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية