أحاسيس مرهفة/ بقلم: الدكتور محمد طاوسي

 

في كل القلوب متسع للأمل و الحياة ، و في كل الارواح جذوة من العطاء و الجد ، و في كل النفوس شهب من الرغبة و الإرادة و الطموح ، و ما ننتظره من أماني و أمنيات سوف يأتي و لو بعد حين بإذن ربه إن اجتمعت هذه الجذوة و تلك الشهب في ذلك المتسع ، فألهبت نورا معينه اليقين و مناره العلم و ألهمت لتلك العملية قوله تعالى ” و قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله و المومنون ” ، فصارت الاماني أحلاما و غدت الأحلام أعمالا ثم كانت الأعمال نجاحا و فلاحا .
في كل القلوب حافز الظن و اليقين بالله سبحانه و تعالى الذي لا ينسى تلك القلوب التي أحسنت الظن به ، و في كل الأرواح حنين للمعين الذي اتت منه ، و هي من روح الله تعالى الذي نفخها منه في من خلقه في أحسن تقويم و جعل نسله من سلالة من طين ، و كلفه بالخلافة و اوكله الإيمان و العمل الصالح تشريفا و تكليفا ، حتى يكون أحسن من استخلف و خير من أدى الأمانة بحسن الخلق و جليل الظن و اليقين الجميل ، و في كل النفوس طمع و رعونة تجذبها لطينيتها الأرضية التي تتوق إلى البقاء في ذلك الوحل، و ترغب في المكوث على حافة طريق الوجود الصادق ، و تتشبت بالدونية الدنية دون السمو و الرفعة ، حيث الرقي في مدارج الكمال و التدرج في معالم الاكتمال من الأمر بالسوء إلى العتاب و اللوم على التفريط في جنب الله و الإفراط في الغلو ، ثم بعد ذلك الاطمئنان بذكر من خلقها فسواها فألهمها فجورها و تقواها حيث قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها…..
في كل القلوب هناك فصول متقلبات تزخم داخلها و تتداخل فيما بينها حتى لا تدري كيف هو الشتاء البارد من الخريف الجاف ، و لا متى يكون ذلك الربيع المزهر للنفوس كي تتخلص من برودة الطقس و تتنتعش بجميل المطر ، كل هذه الأشياء البسيطة التي تتواجد في الارواح و تتداخل فيما بينها ، تخبرنا بأن الحياة ليست فقط إنسان يرتدي ملابس باهضة الثمن أو يركب أحسن الركاب ، فهناك اناس يجدون في الهدوء الوجودي و السكون الداخلي حياة ، و مع كوب القهوة في يوم ممطر حوارا داخليا وجدانيا نورانيا يحملهم في رحلة منفردة إلى عوالم اخرى لا تراها إلا قلوبهم التي تهوى الهيام في مسالك العوالم و السياحة في دروب الكون الفسيح
و في كل النفوس هناك إشارات الألم التي تخلفها أجواء الشتاء العاصف ، و تركتها تلك العواصف الداخلية ، و قد جعلتها كالأرض المبللة بالامطار التي لا تبقي و لا تدر ، غير أنها بعد تلك الخدوش و الآلام تحيى كما يحيي مطر الشتاء و الليالي الممطرة الارض الميتة بعد طول الركود و حدة الجفاف ، فينبعث فيها ذلك الأمل كالهواء البارد و النسيم العليل الذي يهب مع منظر قطرات المطر على نوافذ القلوب و على اوراق أزهار الارواح ، و قد ازدانت تلك النفوس بجميل الألوان النورانية و هي تتأمل منظر الطريق ليلا بالانارة الخافتة ، و منظر السماء المليء بانفراجات الغيوم التي كانت تحجب اشعة الشمس الدافئة للقلوب و الارواح ، فتنعش فيها ذلك الهدوء الوجودي الذي هو نعيم من الله تعالى ، و تزرع فيها ذلك الصمت المفضي للتأمل و إدراك مكنونات الحياة ، و ما بين هذين الإثنين تفاصيل لا يدركها إلا من ألهمه الله البصيرة و كشف له حجب الإجابة الروحية .
فما أجمل أن يعيش الإنسان في مكان و زمان يلهمانه الهدوء الروحي و الطمانينة القلبية و الراحة النفسية بعيدا عن صخب الحياة و ضجيج الأفكار المتزاحمة ، و ضوضاء الكبدية المقيتة ، فالهدوء و السَكينة و راحة البَال و السلام النَفسي أغلى و أعلى شعور يستشعره الانسان ، حيث يصل إلى مرحلة من مراحل تطور النفس التي يشعر فيها إنه لم يعد بحاجة لشيء سوى الهدوء الوجودي و الراحة الداخلية التي تجعله يسعد نفسه بنفسه ، و لأن العُمر لن يتكرر مرة أخرى ، فحري بالإنسان أن يقطع طريق الوجود الصادق بكل معالم الاكتمال و اليقين الجميل و بكل خيرية و محبة ‏، فمن جمال النفوس أن نرى جمال الناس في تقلباتهم ، و من صفاء القلوب أن نحب الناس و نحب لهم ما نحبه منهم ، و من نقاء الأرواح أن نحب الخير لكل الخلائق حتى تكون الصداقات الدائمة صادقة ، حيث روعة الاشياء لا تلمس باليد الطينية ، بل يكون مدخلها هو عين البصيرة ، و محركها الفكر المستنير بنور الواجد ، و مستقرها القلب المطنئن و المنفتح بالود ، فصفاء القلوب ترى جمال الحياة في كل همسة روح أو لمسة إحساس أو نسمة شعور داخلي.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis güncel girişmarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis giriş