(حين تعانق القصيدة النبطية أصالة الجزيرة العربية ووجدان الأردن ).
في أمسية ثقافية احتفت بالكلمة الأصيلة، وجماليات الشعر النبطي، وما تختزنه القصيدة من ذاكرة المكان ووجدان الإنسان، أقيم في نادي الفنانين بإربد، شارع الجامعة، حفل إشهار ديوان «خطّار» للشاعر السعودي محمد فارس الربع، بتنظيم مشترك من منتدى الجياد للثقافة والتنمية، وجمعية أضواء الشرق السياحية، وجمعية نهر اليرموك للتنمية والثقافة، وجمعية بيادر الخير للمحافظة على التراث، وبمشاركة الأديب سامر المعاني، والشاعر خالد القيسي، والكاتبة أريج الخصاونة، والشاعرة خديجة أبو ريدة، فيما تولى إدارة الحفل الكاتب حسن أبو هنية.
وجاءت الأمسية احتفاءً بتجربة شعرية تنتمي إلى فضاء الشعر النبطي، بما يحمله هذا اللون الإبداعي من خصوصية لغوية وجمالية، وارتباط عميق بالموروث الشعبي والبيئة العربية، حيث تتجاور المفردة الأصيلة مع التجربة الإنسانية، وتتحول القصيدة إلى مساحة تستعيد فيها الذاكرة تفاصيل الحياة، وتستحضر القيم التي شكّلت وجدان الإنسان العربي عبر الأجيال.
ويحمل عنوان الديوان «خطّار» دلالة تستدعي معاني القدوم والزيارة والحضور، وما يرتبط بها في الثقافة العربية من كرم الضيافة، والترحيب بالضيف، والاحتفاء بمن يحمل معه أثر المكان وطيب السيرة. ومن هذه العتبة يمكن الاقتراب من الديوان بوصفه فضاءً شعريًا يفتح أبوابه للتأويل، ويمنح القارئ فرصة التفاعل مع لغة تنبع من بيئتها، وتستمد جماليتها من قدرتها على التعبير عن المشاعر والقيم بلغة قريبة من الوجدان.
وتبرز أهمية الشعر النبطي في حفاظه على الذاكرة الشفوية العربية، فهو ليس مجرد شكل شعري متوارث، بل سجل وجداني يحفظ ملامح الحياة الاجتماعية، ويعبر عن الحب والحنين والكرم والوفاء والاعتزاز بالهوية. وتكمن خصوصيته في قدرته على الجمع بين بساطة المفردة وعمق الدلالة، وبين إيقاع الحياة اليومية وما تحمله التجربة الإنسانية من مشاعر ومواقف.
وفي مداخلات المشاركين، اتجه الحوار إلى الاحتفاء بالتجربة الشعرية للشاعر محمد فارس الربع، وقراءة ما يمكن أن تتيحه من آفاق جمالية ودلالية، إلى جانب التأكيد على أهمية الشعر النبطي في المشهد الثقافي العربي، ودوره في صون الموروث الشعبي وتجديد حضوره لدى الأجيال الجديدة. كما شكّلت القراءات النقدية والانطباعات الأدبية مساحة للتفاعل بين الذائقة الشعرية والرؤية الثقافية، بما يعزز قيمة اللقاءات التي تجمع المبدعين وتفتح المجال أمام تبادل الخبرات والتجارب.
ومثّلت مشاركة الأديب سامر المعاني، والشاعر خالد القيسي، والكاتبة أريج الخصاونة، والشاعرة خديجة أبو ريدة، تنوعًا في زوايا النظر إلى التجربة الشعرية، إذ تتكامل القراءة الأدبية مع الحس الشعري والتأمل الثقافي في إبراز خصوصية النص، والوقوف عند ما يتيحه من صور وإيحاءات وصلات بالموروث والواقع. وقد أضفت إدارة الكاتب حسن أبو هنية على الأمسية إطارًا حواريًا يجمع بين تقديم التجربة وإتاحة المجال للمداخلات، في سياق يكرّس الحوار الهادئ والهادف بوصفه ركيزة للعمل الثقافي.
ولم يكن إشهار الديوان مناسبة أدبية منفصلة عن محيطها العربي، بل حمل دلالة تتجاوز حدود الكتاب إلى عمق العلاقة الأردنية السعودية، التي تستند إلى روابط تاريخية واجتماعية وثقافية متينة، وتتعزز بالتواصل بين الأدباء والشعراء والمؤسسات الثقافية في البلدين. فالأردن والسعودية تجمعهما وشائج اللغة والهوية العربية والموروث المشترك، وتتيح الفعاليات الثقافية مساحة رحبة لترجمة هذه الروابط إلى لقاءات إبداعية تفتح أبواب المعرفة المتبادلة، وتعرّف الجمهور إلى تجارب أدبية تنتمي إلى بيئات عربية متنوعة.
وتكتسب مثل هذه المبادرات أهميتها من كونها تجعل الثقافة جسرًا للتواصل الإنساني، وتمنح الشعر فرصة للعبور من حدود الجغرافيا إلى فضاء المشترك العربي. فحين يحضر شاعر سعودي في مدينة إربد ليحتفي الجمهور بتجربته، فإن القصيدة تصبح لغة لقاء، ويغدو الكتاب مناسبة لتأكيد أن الإبداع العربي، على اختلاف مدارسه ولهجاته، يستمد قوته من جذوره المتنوعة ومن قدرته على جمع الناس حول الكلمة والجمال.
وفي ختام الأمسية، تجددت أهمية الدور الذي تؤديه المؤسسات الثقافية في احتضان التجارب الأدبية، وتشجيع الحوار بين المبدعين، وإحياء الموروث العربي ضمن رؤية منفتحة على الحاضر. وقد مثّل إشهار ديوان «خطّار» للشاعر محمد فارس الربع احتفاءً بالشعر النبطي، وفرصة لتعزيز التواصل الثقافي بين الأردن والسعودية، والتأكيد على أن القصيدة الأصيلة تظل قادرة على صون الذاكرة، وتجديد الانتماء، وفتح نوافذ المحبة بين أبناء الثقافة العربية الواحدة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية

