سليم النجار
(حكايات مفقودة في زمن ضائع)
إن وصف الحكاية في كتاب مهدي زلزلي، الباحث في الزمن الضائع، لا يؤدي دورًا تجميليًا أو تمهيديًا للحدث السردي، لكنه قائم على المعنى الذي يعبّر عنه السرد؛ ولذلك فهو شديد الالتصاق به. كما أن الشكل الذي يتخذه يختلف كليًا عن الوصف العادي؛ إذ هو وصف منظور إليه بعين خاصة راصدة، تجعل ما تراه مفككًا ومختلطًا.
إن هذا التلاعب، الذي قد يتسلل إلى وعي المتلقي، يخلق انطباعًا بأن وصف الشخصيات قد استُثمر في تصويرها على أنها مضطربة إلى أقصى الحدود. فإسقاط الحالة الفكرية أو النفسية للشخصيات على المكان الذي تتواجد فيه يجعل الوصف يكتسب دلالة تتجاوز دوره المألوف بوصفه ديكورًا أو وسيطًا يؤطّر الأحداث. إنه يتحول، في هذه الحالة، إلى محاور حقيقي يقتحم عالم السرد، محررًا نفسه من أغلال الوصف: «ولكن الجديد هذه المرّة هو المكان الذي وضعتني المصادفة بين الضحية والسارق» (ص ١٨).
إن الوصف، بالإضافة إلى اختلافه من حيث طابعه ونوعية الكلام السردي الذي يتواجد فيه، يخضع لتشكيلات ترتبط بمقاييس الاتساع والضيق، والانفتاح والانغلاق. وقد يمتد من ملامح المكان إلى الصورة التي ترسمها الشخصيات بعضها لبعض: «لم أتوقع أنّ أول ما سأسمعه من هيام هو وصفها لي بـ”الكاتب المغرور!”» (ص ٢٦).
ويعتمد كتاب «حكايات رَهيف تمْسَاح»، الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان، ٢٠٢٦، على ثنائية التقارب والتباعد، بوصفهما عنصرين أساسيين في بنائه. فهو رواية تجريبية تتشكّل في متوالية قصصية، تتجاور فيها الحكايات وتترابط، مع احتفاظ كل حكاية بقدر من استقلالها. ويبدو أن هذا التشكيل السردي، بما يقوم عليه من هندسة للوصف، يسهم في تقريب الشخصيات من القارئ: «مصطفى عبده شخصٌ محبٌّ للثقافة والأدب، وداعمٌ للكتّاب، وهو كذلك “إعلامي” متخصص في الشأن الثقافي» (ص ٣٩).
إن زمن وصف الشخصيات يتداخل مع تتابع الأحداث، بينما لا يتقيد زمن السرد دائمًا بهذا التتابع المنطقي. وفي هذا البناء التجريبي، يتوقف الحكي أحيانًا ليتأمل أدواته، فتغدو الكتابة نفسها موضوعًا للسرد: «ركّزت في ما كتبته على اللغة الإنشائية العصيّة على التبدّل والتي تأتي على حساب سلاسة السرد وانسيابيته» (ص ٥٨).
ويمكن تلمّس هذا التداخل بين زمن الحكاية وزمن التأمل في الكتابة، حين تصبح علاقة الكاتب بنصّه جزءًا من الحكاية: «الكتابة التي نعطيها ذواتنا ولا نطلب منها شيئًا» (ص ٦٩).
وهكذا تتولد مفارقات السرد من اختلاف الأزمنة وتبدّل زوايا النظر، كما تتولد من تعدد الصور التي تُقدَّم بها الشخصية: «مرّة بوصفها روائية بارعة، ومرّةً بوصفها ناقدة لا يشقّ لها غبار» (ص ٩٥).
وهناك إمكانية أيضًا لاستباق الأحداث، بحيث يتعرف القارئ إلى ما تأمله الشخصية قبل تحققه. فالبحث عن ناشر لما يُنتَج أمر معروف ومفهوم، لكن اللعبة السردية هنا تجعل انتظار النشر حاضرًا في مشروع الكتابة نفسه؛ إذ تنوي الشخصية كتابة رواية، بينما يسبق الأمل بالعثور على ناشر اكتمالَ العمل المزمع إبداعه: «عاكفًا على كتابة روايته الثانية التي يأمل أن يجد ناشرًا» (ص ١١٧).
أما استرجاع الماضي، فتتجلى مفارقته حين يُنظر إليه بوصفه ثابتًا لا يتغير، وكأن الشخصية لا تزال أسيرة صورتها الأولى في عيون الآخرين: «وتتمتم بكلمات التقطتُ من بينها عبارة “لن تتغيّر أبدًا يا رهيف!”» (ص ١٣٥).
إن اللحظة السردية في «حكايات رَهيف تمْسَاح» تتسع لحكايات تستعيد أحوال الكاتبات والكتّاب وصعوبات الكتابة والنشر. ومن خلال تتابع هذه الحكايات، يتشكّل العمل بوصفه متوالية قصصية تحمل مشروع رواية تجريبية؛ تتعدد وحداتها، وتتقاطع أصواتها، ويجمعها سؤال الكتابة في زمن يبدو ضائعًا. غير أن الإبداع، ما دام قادرًا على استعادة الحكايات ومنحها حياة أخرى، لا يضيع؛ إنما يضيع حين يفقد قدرته على الحكي.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية