حين جاء سيدنا موسى عليه السلام إلى فرعون، وأراه من آيات الله ما يثبت صدقه، لم تكن مشكلة فرعون أنه لم يعرف الحق، بل أنه عرفه ورفضه، لأن كبرياءه أوهمه أن الاعتراف بالحقيقة يعني نهاية مجده، وأن الخضوع للحق هزيمة لسلطانه.
وهكذا يفعل الطغاة، لا يحاربون الحق دائما لأنهم يجهلونه، بل لأنهم يدركون أنه يهدد مصالحهم، فيختارون العناد على النجاة، والغرور على الحكمة، والظلم على العدل، حتى تقودهم أفعالهم إلى النهاية التي كانوا يظنون أنهم أبعد الناس عنها.
إن الظالم حين يرى سلطانه مستمرا، يظن أن الزمن يقف في صفه، وحين تمر السنوات دون حساب، يتوهم أن الحساب لن يأتي. يزداد بطشا لأن أحدا لم يردعه، ويزداد غرورا لأن الناس يخافونه، وينسى أن تأخر العقوبة لا يعني سقوطها، وأن عجز المظلوم عن مواجهته لا يعني ضياع حقه.
وهذا ليس حديثا عن حاكم دون غيره، ولا عن صاحب سلطة دون سواه، بل هو تحذير لكل إنسان آتاه الله مالا، أو علما، أو جاها، أو منصبا، فاستبد بما أوتي، وتكبر على الناس، واستعمل نعم الله لإذلال عباده، وظن أن ما بين يديه ملك أبدي، وأن مكانته تبيح له ما لا يحق لغيره.
فكم من صاحب مال ظن أن ثروته تمنحه الحق في شراء كرامات الناس، وكم من صاحب علم اتخذ معرفته وسيلة للتكبر وتضليل الآخرين، وكم من صاحب جاه اغتر بمكانته، فظلم الضعيف، وأهان المحتاج، وتوهم أن الناس لا قيمة لهم إلا بمقدار ما يملكون من قوة ونفوذ.
لكن المال يزول، والعلم لا يبرر الظلم، والجاه لا يصنع خلودا، وكل نعمة تتحول إلى أداة للكبر قد تصبح حجة على صاحبها بدل أن تكون سببا لرفعته.
قال الله سبحانه وتعالى: «أحصاه الله ونسوه»، فما نسيه الناس لم يغب عن الله، وما عجزوا عن استرداده من حقوقهم لم يسقط من الحساب.
مش طويلة، وإن ثقلت.
قد تمر عليك سنوات وأنت تظن أنك انتصرت، وأن من ظلمتهم قد انكسروا، وأن صمتهم دليل على عجزهم، وأن بقاءك في مكانك دليل على أنك فوق الحساب. لكنك لا تدرك أن المهلة ليست براءة، وأن الصمت ليس رضا، وأن تأخر السقوط لا يعني أنك لن تسقط.
وتأمل قصة فرعون، فقد امتدت دعوة موسى عليه السلام ومواجهته لفرعون سنوات طويلة، وتذكر بعض الروايات مدة أربعين عاما بين بدء الدعوة ونهاية فرعون، مع أن هذه المدة ليست ثابتة بنص قرآني أو حديث صحيح فيما أعلم. ومهما يكن من أمر تحديدها، فإن العبرة باقية: أن فرعون الذي ظن أن ملكه راسخ، انتهى سلطانه في لحظة، وبقيت قصته تحذيرا لكل من يغتر بقوته.
والصدمة الكبرى ليست أن تفقد منصبك، أو ينهار سلطانك، أو يتخلى عنك من كانوا يصفقون لك، بل أن تكتشف متأخرا أنك أضعت إنسانيتك لتحافظ على أشياء زائلة، وأن الذين أخافهم نفوذك لم يكونوا دليلا على عظمتك، بل شهودا عليك .
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية