لحظة من التأمل – عزفٌ على جراحٍ مؤقتة
كلما تعلّقت بشيء…
أفقده.
كأنني صرتُ مرآةً للخذلان،
وجهٌ تنطبع عليه الأشياء قبل أن تغيب،
وأنا؟
كعادتي،
أتمسّك بالخيط الأخير حتى يُقطع…
ثم أجلسُ لأرثي أطياف الراحلين.
**
تذكرت ذلك الصباح
الذي شممت فيه رائحة احتراقٍ مألوفة،
رفعت رأسي
فإذا بالدخان ينهض من رأس النخلة،
نعم… أمي النخلة.
كانت تنزف دخانًا من جوفها،
وكأن النار لم تحرقها فقط… بل أحرقتني معها.
**
ركضتُ،
رأيت النساء ملتفّات حولها،
وإحداهن تهمس:
“البرق ضربها فجرًا…”
لكنني لم أصدق.
كنت أعرف أن النخل لا يُهزم إلا إن خانه البشر،
وفي طرف المزرعة،
حشرتُ نفسي خلف شجرة التوت،
قلبي ينكمش كورقة ذابلة.
جاءني صوت أم إيمان،
تهمس لجدتي:
“رجال الشيخ أحرقوها…
قال لهم عرّاف الماء إن سرّ البئر تحت النخلة.”
وكنت أعرف…
أنهم لن يرحلوا حتى يغرسوا فؤوسهم في قلبها.
**
مرت أيام،
وفي صباحٍ آخر،
رأيتهم بأم عيني…
الفؤوس تهوي،
والجذع ينكسر،
وأنا؟
أحاول أن أبلع دمعتي دون أن أختنق.
**
لكنها لم تكن المرة الأولى.
تلك اللعنة،
أن أفقد كل شيء أحبه…
عرفتها منذ الطفولة.
أتذكر ذلك العش،
فوق شجرة السدر،
كان مأوى العصفورة الأم وصغارها.
كل صباح، أجلس أسفل الغصن،
أشاهدها تطير وتعود،
وفي منقارها غذاء الحياة.
كنت أنظر إليها كما ينظر التائه إلى وجه أمه في الحلم.
**
وفي صباح اليوم الثالث…
كانت العصفورة لا تتحرك،
متسمّرة على الغصن…
صامتة كتمثال صغير.
ثم،
ببطءٍ رهيب،
رأيت الأفعى…
تصعد،
تتموّج بهدوء قاتل،
حتى وصلت إليها…
والتهمتها أمامي.
**
صُعقت،
لم أصرخ،
لم أهرب،
بقيتُ هناك،
أراقب الأفعى وهي تلتف حول جذع الشجرة،
كأنها تلتف حول روحي.
**
ما زلت أجهل،
هل كانت العصفورة تعرف؟
هل توقّعت النهاية؟
هل كان موتها اختيارًا؟
هل اختارت أن تموت دون أن تفزع صغارها؟
**
هكذا كانت بداياتي مع الفقد،
ومذاق الأشياء التي تُنتزع مني قبل أن أنضج على وداعها.
وكأن الوجود يريد أن يدرّبني على الرحيل
دون أن أملك أجنحة.
**
كل شيء أحببته…
كان مؤقتًا.
وكل لحظة سعيدة…
كانت وعدًا مكسورًا.
**
أجلس الآن في أطلال الذاكرة،
كمن فقد عضوه الحيّ ولم ينزف،
بل نبت له جرح داخلي لا يُرى…
يسمّونه “الحزن الناضج”.
وأسأل:
“لماذا كل ما نحبّه… لا يبقى؟
ولماذا كل ما يشبهنا… يُحرق أو يُؤكل أو يُقتلع؟
هل نحن من نغوي القدر بالفقد؟
أم أن الحبّ نفسه لعنة؟”
**
ربما،
ربما لا يجب أن نتعلّق.
أو ربما…
نحتاج أن نتعلّق… لنتعلم كيف نفقد،
لنعرف كيف نحزن…
ثم ننهض من الرماد دون أن نموت.
الحيُّ يناديك – طريق التجلّي
كالحلم تمامًا،
أتذكر أسفاري كما يُستعاد وجه الأم في النوم،
غامضًا، ناعمًا، لا يُمسك، ولا يُنسى.
خرجت من مزرعة جدتي كالنقطة الأخيرة في سطر العمر،
وكنت طائرًا،
نعم، طائرًا فقد جناحيه،
لكنه ظلّ يحلّق بعينين لا تكفّان عن التحديق.
في كل ليلة،
كنت أستظلّ بظلّ الصخور،
وفي النهار، كنت أجلس في حضن الشجر،
وكل ما حولي
كان يخبرني، دون أن يتكلم، أن ثمة حيّ يناديني،
أن كل هذه الأرض ليست إلا مدخلًا إلى “الحيّ الذي ينادي أعماقي”
**
مررتُ بالوديان،
وكل وادٍ كان يسألني:
“أتبحث عن بيت؟
أم قبر؟
أم صوتٍ يشبهك؟”
وفي الجبال،
تحدّث إليّ الهواء،
قال لي بصوتٍ أقرب للهمس:
“كل من فقد وجهه الحقيقي… يمر من هنا.”
**
وفي صحوٍ سابق فاجأني كالسياط،
استيقظت في أعلى جبل،
بيوت مهجورة، سقف متهالك،
وأنين الريح يجلس في الزوايا.
خفت.
كنت أتحرك حبواً،
لا أعرف من أنا،
ولا كيف وصلت،
تناولت أوراقًا غريبة لا أعرف طعمها،
وشربت من سدٍّ متسخ،
وظللت أربعين ليلة مقيّداً بوجع الصحو.
نعم، الصحو كان ثقيلا على جسدي وروحي ايضا
لذلك صرت أحنّ للجنون كحنين الفراشة إلى النار.
**
لا أحصي الليالي.
لكنني نمت تحت نجمٍ مختلف كل مرة،
في بساتين لحج،
وسمعت نداءً غريبًا في الوادي العظيم،
لم أعد أفرّق بين الزمن والنبض،
أو بين خطوتي وظلّي.
وكلما فتحت عيني،
رأيت الأرض تمشي معي.
**
مررت بجبال قدس،
وهناك،
تكلّمت الأحجار!
قالت لي:
“نحن كنّا بيوتًا لليهود،
ثم صرنا قبورًا،
ثم صرنا رمادًا…
والآن نحن أرواحٌ تسكنكم أنتم يا العابرين.”
تأملت وجوه الأحجار،
بعضها يحمل شقوقًا كجروح بشرية،
وبعضها تبتسم بسخرية،
وكأنها تعرف النهاية.
**
كبر داخلي جرح البحث،
وأدمنتُ الظمأ،
رغم أنني شربت من كل وادٍ وسد،
لكني لم أتذوق طعم الوصول.
**
ووسط التيه،
كان كل شيء يحدثني:
الطير… يهمس لي بأسماء لا أعرفها، لكنها تخصّني.
الشجر… يهزّني كأبٍ قديمٍ فقد أبناءه.
الحجر… يربّت على كتفي كأمٍ نسيت كيف تتكلم.
**
وفي إحدى الليالي،
جلست على صخرة مرتفعة،
فرأيت مسرح الوجود يتفتّح أمامي:
عصفورة وأفعى،
تشربان من نفس النبع.
ولا عداء بينهما،
بل توازن مخيف.
سألتني نفسي:
“هل نحن الذين نكسر العالم؟
أم أن العالم كُسر قبل أن نُولد،
ونحن نحاول فقط أن نفهم الكسور؟”
**
وسمعت نداءً،
جاء من الريح،
ثم من أوراق الأشجار،
ثم من القمر الذي صار بدراً:
“الحيُّ يناديك.”
لم أفهم في البداية.
ظننتها هلاوس تعب.
لكن النداء عاد مجددًا،
وكلما خطوت خطوة، ترددت الكلمة:
“الحيُّ يناديك…
الحيّ الذي يشبهك…
الحيّ الذي هو داخلك…
**
هل اقتربت؟
لا أعلم.
لكن قدماي تسيران وحدهما،
وكلما جلست لأرتاح،
جاءني صوت فاطمة أو همس جدتي،
أو ضوء القطة البيضاء وهي تلوّح من بعيد.
**
هكذا كنت،
في منتصف الطريق بين الهواء والنداء،
وفي كل لحظةٍ،
تتساقط عني أشياء كثيرة،
كأنني أتعرّى من الزمن…
لأدخل الحيّ خفيفًا، بلا ماضٍ، ولا اسم.
مدخل الحيّ – تجلّي الفقد الكلي
كنتُ قد مشيتُ طويلًا،
مررتُ بالماء والطين والذكريات.
وها أنا الآن…
أقف على حافة الحيّ.
حيّ كلابة.
أو ربما – كما بدأتُ أفهم –
أقف على حافة نفسي.
الريح تنحت وجهي،
والأشجار اليابسة تستقبلني كمن يعرفني منذ ألف زمن.
في ركنٍ صغير عند أطراف الطريق،
شاهدت ظلالًا من ماضيّ،
كأنها الأشباح التي خرجت لاستقبالي.
**
الطين الذي أسفل قدميّ
ليس طينًا…
إنه خليطٌ من دماء
وأقدام راحلة
ودموع جدتي.
شعرت للحظة أن الحيّ نفسه يتنفس،
وأن زفيره يقول لي:
“أخيرًا… عدت.”
**
نظرتُ إلى الحجارة،
إلى الجدران التي انكشفت بطونها،
وإلى النوافذ التي لا تطلّ على شيء.
كل شيء هنا يشبه روحي…
خرائب داخلية،
وبيوت لا تسكنها إلا الظنون.
**
وفي خضمّ الذهول…
سمعت صوتًا.
كان خفيفًا،
دافئًا،
وعميقًا.
لم يأتِ من الخارج.
بل من داخل الحيّ نفسه.
وكأن جدرانه تتكلم،
وكأن كل نافذة تنطق.
“لقد جئت،
والحيّ لا يمنح بقاءه لأي أحد.
لكنه منحك الدخول…
بشرطٍ واحد:
أن تحكي له حكاية واحدة فقط،
لكنها…
الحكاية التي لم تخبر بها أحدًا قط.”
**
ارتجفت.
أي حكاية؟
كل ما فيّ حكايات!
لكنني عرفت ما يقصده الحيّ.
يريد حكايتي العظمى…
حكاية فقدي الأول.
تلك التي شطبت اسمي من الدفتر،
وجعلتني أتحوّل إلى ظلٍّ يتقن البكاء في الداخل.
**
وقبل أن أنطق…
جاءني الصوت من جديد، لكن هذه المرة، من الداخل.
من أعمق نقطة في نفسي.
كان صوتي الآخر،
صوتي حين كنت صبيًّا،
وصوتي حين كنت تائهًا،
وصوتي الآن…
لكنّ نبرته متغيّرة،
كمن عاد من مجاز الموت.
“احكِ للحيّ عن فاطمة…
عن النخلة…
عن الذرة التي ماتت باكرًا،
عن العصفورة التي أكلتها الأفعى،
عن جدتك…
عن نفسك التي كنت،
والتي لم تعد.”
**
ثم…
ثم كان هناك صوت بكاءٍ خافت،
يأتي من زقاقٍ قريب.
طفلٌ مجهول،
كأن صوته نُحت في هواء الحيّ.
اقتربت،
ولم أجد أحدًا.
لكن الصوت بقي.
كان يدور حولي كريحٍ خفيفة.
ويقول:
“أنا لم أُدفن.
صرختُ… ولم يسمعني أحد.
فصرتُ صدى،
وأنا الآن…
ذاكرة هذا الحيّ.”
**
شعرت أن الطفولة المذبوحة قد نبت لها لسان،
وأن حيّ كلابة قرر أن يعيش بي، ومن خلالي.
هذا لم يعد حيًّا فقط…
إنه كتابٌ من الطين،
مكتوبٌ بالدم،
وعليَّ أنا
أن أقرأه
وأسكن بين صفحاته.
**
سأنام هنا الليلة…
وسأحكي.
ليس لهم فقط،
بل لي…
لنفسي التي احترقت ألف مرة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية