ليست كل معركة تُخاض شجاعة، ولا كل صدمة وعيًا، وأحيانًا تكون أكثر الخطابات “تحررًا” هي الأسرع في عزل نفسها عن الواقع الذي تدّعي تغييره.
في بلادنا، لا تُواجَه النسوية فقط لأنها تهدد البنية الأبوية الراسخة، بل لأنها كثيرًا ما تُقدَّم بمنطق مقلوب، يرفع النتائج قبل بناء الشروط، ويطالب بالحرية قبل امتلاك القدرة عليها. هكذا تتحول النسوية، لا بفعل خصومها وحدهم، بل أحيانًا بفعل خطابها، إلى فكرة مغلقة على ذاتها، تُخاطب من يشبهها، وتفشل في اختراق المجتمع الذي يفترض أنها جاءت من أجله.
الخلط بين الحرية والتحرر هو أول هذا المأزق. الحرية ليست إعلانًا ولا وضعية أخلاقية ولا شجاعة فردية معزولة، بل نتيجة لمسار طويل من الاستقلال الاقتصادي، والحماية القانونية، والاعتراف الاجتماعي. لا معنى لحرية تُطالب بها امرأة لا تملك أمانها المعيشي، ولا ضمانها القانوني، ولا حقها الفعلي في اتخاذ القرار دون خوف من العنف أو النبذ أو العقاب المضاعف. حين نطالبها بالحرية قبل أن نكسر شروط تبعيتها، فإننا لا نحررها، بل نضعها في مواجهة غير متكافئة مع مجتمع لم يُهيَّأ بعد لقبول هذا الادعاء.
وتزداد الإشكالية حين يُدفَع بالجسد إلى واجهة الخطاب، لا بوصفه نتيجة لمسار تحرري، بل كأول اختبار للصدام. الجسد، الذي هو في جوهره قضية حقوق، يتحول خارج السياق إلى أداة استفزاز، وإلى صورة مختزلة تُحمَّل فوق طاقتها، فيُختصر مطلب العدالة كله في شكل أو سلوك أو اختيار فردي معزول. في مجتمعات لم تُنجز بعد أبسط مفاهيم المواطنة والمساواة، يصبح هذا الطرح غريبًا، لا لأنه غير عادل، بل لأنه سابق لأوانه، فيُقابَل بالرفض التام، ويُستخدم لتشويه النسوية برمتها.
والمفارقة أن هذا المسار لم يكن حتى مسار التجارب التي يُستدعى اسمها بوصفها نموذجًا. فالنسوية في الغرب لم تبدأ بتحرير الجسد، بل بدأت بتحرير الموقع الاجتماعي للمرأة: حقها في التعليم، والعمل، والملكية، والاستقلال القانوني عن الأب والزوج. الجسد جاء لاحقًا، عندما أصبحت المرأة قادرة على تحمّل تبعات حريتها، لا مجرد الإعلان عنها، وعندما أصبح المجتمع — ولو نسبيًا — أقل وحشية في رد فعله. استيراد النتيجة دون المقدمات لا يصنع وعيًا متقدمًا، بل ينتج خطابًا معلقًا في الهواء، سهل الهدم، وسريع التحول إلى أداة في يد أكثر القوى رجعية.
الوعي لا يُقاس بدرجة الصدمة، ولا بعدد الخطوط الحمراء التي كُسرت على السوشيال ميديا أو أمام الكاميرات أو على الشاشات. أحيانًا يكون الخطاب الأكثر ضجيجًا هو الأبعد عن التغيير، لأنه يخاطب ذاته، ويكتب لكسب متابعين أو لنخبة صغيرة، ويستمد شعوره بالقوة من الغضب الذي يثيره، لا من التحولات التي يصنعها. هكذا تُغلِق النسوية بابها بنفسها، لا حين تكون جذرية، بل حين تكون معزولة، منفصلة عن واقع النساء الفعلي، وعن معاركهن اليومية غير المرئية.
النسوية التي نحتاجها اليوم ليست أقل شجاعة، بل أكثر ذكاءً. نسوية تفهم المجتمع دون أن تبرره، وتختار معاركها دون أن تفرّغها من مضمونها، وتدرك أن تحرير الجسد لا ينفصل عن تحرير القرار، وأن الحرية لا تُنتزع بالشعارات وحدها، بل ببناء القدرة عليها. نسوية تعرف أن العدالة ليست استعراضًا، وأن ترتيب المعارك ليس خيانة، بل شرط الانتصار.
النسوية ليست فكرة مقدسة، بل مشروع عدالة. ومن لا يحسن إدارة هذا المشروع، حتى وهو ينطق باسمه، قد يجد نفسه — دون أن يدري — واقفًا أمام باب أغلقه هو بنفسه
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية