السرديات والخطاب الروائي المغاربي الجديد  -قراءة في جهود عبد الملك مرتاض في دراسة  آليات اشتغال   المحكي-

 الدكتور محمد سيف الإسلام بـــــــــــوفــــــلاقـــــــــة

كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر

 

 مهاد:

 جاء في لسان العرب: السرد في اللغة: تقدمة شيء إلى شيء،تأتي به متسقاً بعضه في إثر بعض،ويُقال سرد الحديث،ونحوه يسرده إذا تابعه، وهذا يسرد الحديث سرداً ،إذا كان جيد السياق، والسرد اسم جامع للدروع،وسائر الحلق ،فذلك الحلق المسرود ،إن السرد   في شقه اللغوي،يعني التلاحق،والتتابع في سلسلة معينة،و في نظام محدد،أو النسج، ولذلك يقال: «تسرًّد دمعه كما تسرًّد اللؤلؤ»،أي تتابع بترتيب، ونظام،كما يُقال:«نجوم سردٌ»،أي متتابعة بانتظام،ويُقال سرد الدرع:نسجه،وقدر في السرد:اجعلها تتناسب حلقاتها عند النسج حتى تترابط،وتتماسك.

            والمتأمل في المعنى اللغوي يجد أن في دلالات مصطلح(السرد) الحث على صورة الاتساق،والدقة في تقديم الشيء،بغض النظر عن نوعية هذا الشيء الذي قد يكون كلاماً،أو صناعة،فالسرد يعني الإتقان، والإبداع في الأداء،ومن هنا نكتشف أن دور الذات ينطلق منذ اللحظة الأولى في العمل السردي،والسرد في أغلب الأحيان يؤدي وظيفة واحدة هي التواصل، والإحكام بين أجزاء المسرود،وحلقاته،بغرض منحه القوة،والشكل الذي يرغب المبدع في الوصول إليه،ويصبح دور السرد-كما يرى بعض الدارسين-هو دور القوة للمسرود،ووسيلة يأخذ بها السارد،من أجل تقديم ما لديه من رؤى،وأفكار  (1)، كما أن السرد هو «المصطلح العام الذي يشتمل على قص حدثٍ أو أحداث،أو خبر ،أو أخبار،سواء أكان ذلك من صميم الحقيقة،أم من ابتكار الخيال»(2)، وهو كذلك«عرض الحديث بتتابع، وجودة، وفي الأدب هو بسط الحدث في أي عمل أدبي بسطاً عادياً من غير حوار، وهو أسلوب إن طال مله القارئ، وللسرد أشكال بحسب الجنس الأدبي الذي يكون فيه،فهو سرد روائي، وسرد قصصي، وسرد مسرحي، ويختلف معناه من منهج نقدي إلى آخر،فهو عند البنيويين مثلاً يأتي بمفهوم الخطابdiscourأي الحديث»(3). 

             لقد وضع الدارسون العديد من المعاني الاصطلاحية التي تتصل بالسرد،وقد أجمعت جل المعاني على ما هو أساسي،وجوهري في السرد،ومن أهم عناصره الزمن الذي يعد من أهم مكونات العملية السردية،بل إنه عماد القصّ ،وركيزته الأساسية،فهو مكون رئيس من مكوناته، و  أمر ضروري، وإلزامي في الرواية، والقصة،إذ أنه ينهض بتنظيم السرد تنظيماً محكماً ليُكسب الروائي القدرة على تشييد،وصناعة الشخصيات الواقعية،والمتخيلة، التي تتحرك في الفضاء، وفي حلقات زمنية ،تتسم بوجود قوانين، و تقنيات تؤثر في مجرى الأحداث،  ومن أبرز ما يثير الاهتمام في النصّ السردي،والخطاب الروائي، وعلم السرديات المعاصر الزمن،ومفهومه، وكيفية دراسته، فالزمن في مفهومه العام:  «هو المادة المعنوية المجردة التي تتشكل منها الحياة،فهو حيز كل فعل،ومجال كل تغير،وحركة،وبالنسبة إلى الإبداع الأدبي عامة، والروائي، والقصصي خاصة،و به يتم تحضير الجو النفسي، والاجتماعي،والتاريخي،والإيديولوجي، وغيرها، إضافة إلى إمكانية النظر من خلاله إلى مختلف زوايا اتجاهات الكتّاب،لمعرفة مدى تطور رؤيتهم، وأبعادها المعينة… »(4).   

              وللزمن أهمية كبرى يكتسيها في الحكي فهو يُعمق الإحساس بالحدث،وبالشخصيات لدى المتلقي،وعادة ما ينقسم الزمن في علم السرد إلى مستويين:   زمن القصة: وهو زمن وقوع الأحداث المروية في القصة،فلكل قصة بداية، ونهاية،ويخضع زمن القصة للتتابع المرتب،والمنطقي،في حين أن  زمن السرد هو الزمن الذي يُقدم من خلاله السارد القصة،و يكون بالضرورة مطابقاً لزمن القصة، وبعض الباحثين يستعملون زمن الخطاب بدل مفهوم زمن السرد (5).ومن أهم المعاني التي نلفيها مترابطة مع معاني السرد،وتُساهم في العملية السردية:الحكي،واللغة،والحدث،والخيال،والسارد،والمسرود، والمسرود له،ومن المفاهيم المتداولة بكثرة في تحديد ماهية السرد عرض الأحداث المتوالية سواء  كانت حقيقية،أم خيالية، بوساطة الإبداع في اللغة،وهو يؤشر كذلك (السرد) إلى قضية التواصل المستمر الذي يبدو من خلاله الحكي،كمرسلة من مرسل،ومرسل إليه،فالسرد له طبيعة لفظية لنقل الرسالة،في حين أن الأحداث هي الأشياء التي وقعت،أما التتابع فهو حكاية أكثر من حدث واحد عن طريق سلسلة مترابطة،والمتخيل تندرج فيه ما يحكيه الناس عن بعضهم البعض، وما يرويه شعب عن آخر،وتضاف إليه الإشاعات،والتعليقات التي تظهر في الصحافة،والإعلام،بيد أنها تظل أقل تخيلاً مما نُلفيه في الرواية،والقصة القصيرة، والشعر السردي،ولعل ما يشد الانتباه أن هناك توافقاً بين ما قدمه غير العرب لهذا المفهوم، وما أدلى به العرب من مفاهيم،وهذا الأمر يدل على أن الظاهرة السردية هي ظاهرة إنسانية يعيشها الإنسان في أي مكان، وزمان بروح إنسانية واحدة(70). وتظهر أوجه التعارض بين السرد الروائي، و السرد الكلاسيكي في أن الحجاج في النص الروائي يتحول إلى خادم، ومساعد للحبكة السردية، ومثال ذلك عندما تكون للسارد رغبة في توصيل رؤيته الفكرية، ووجهة نظره، وأحكامه التقييمية،إضافة إلى أن الروائي يرغب في إيصال حجاج الشخصيات عندما تترجى،وتهدد،وتندب،وتنهى، وتحرض،وتدافع، وتتهم،وتستحسن،وتستهجن،وتقدم الأمثلة، والبراهين، وتستشهد،وغير ذلك من مظاهر الحجاج التي لايخو منها النص السردي التخييلي،بيد أنها تظل أفعالاً بلاغية حجاجية تابعة للسرد،وخادمة له، وتُسهم في توضيح طبيعة الشخصيات الموظفة في النص،وتدفع  نمو الحبكة إلى الأمام من دون أن تجعل النص السردي حجاجياً في مجموعه،وفي هذه الحالة لا يقوم النص السردي على بنية حجاجية متكاملة،غير أن الحجاج يتخلل مواضع في هذا النص من قبيل الحوارات،والوقفات الوصفية،والتعليقات التأويلية،والمشاهد السردية(6).  

           ويتسم السرد  بأنه فعل لا حدود له،وهو يتسع ليحتوي شتى الخطابات،سواء أكانت أدبية،أم غير أدبية،وأنواع السرد في العالم-كما يرى بارث- لا حصر لها،إذ يتميز بتنوعه الكبير في الأجناس،فالسرد يُمكن أن تحتمله اللغة المنطوقة،شفوية كانت،أم مكتوبة،والصورة ثابتة كانت، أم متحركة…،   وقد وقف رولان بارث يسائل تنوع،واتساع ظاهرة السرد،إذ وجدناه يقدم الكثير من التصورات عن خصوصية عالمية السرد،وشموليته، ومن بين هذه التصورات،أن شمولية السرد،وعموميته تحول دون حصره،وتفكيكه،ومن ثمة الوصول إلى معرفة خصائصه،ولذلك لم يبق سوى إمكانية وصفه وصفاً مُبسطاً(7).    

       وقد اهتم(تودوروف)لدى رؤيته،وتحليله للقصة من حيث هي خطاب،وكلام يُرسله الراوي إلى القارئ،بثلاثة أصناف رئيسة،تتركز على قضايا ترتبط بالسرد،و لها أهمية استثنائية:

 «-زمن القصّ:ويعالج فيه الصلة بين زمنية الحكاية، وزمنية الخطاب.

-أنماط الرؤية: ويتساءل فيه تودوروف عن الطريقة التي يدرك بها الراوي الحكاية.

-أساليب القص:وهي تتعلق بنمط الخطاب الذي يتوخاه الراوي ليعلمنا بالحكاية.

      زمن القص:  إن زمنية الخطاب تختلف اختلافاً جذرياً عن زمنية الحكاية،فقد تقع جملة من الأحداث في آن واحد، إلا أن الراوي لا يستطيع أن يتحدث عنها معاً.

          إن زمنية الحكاية  متشعبة،وزمنية الخطاب خطية،ولربما حاد الراوي عمداً  عن زمنية الحكاية،لإحداث أثر جمالي مخصوص »(8)

          وبعد التطورات،والنضج الذي عرفته الدراسات السردية(9)،توصل بعض النقاد إلى أشكال جديدة للسرد من بينها:

«-إما أن يكون السرد عن تجميع بسيط لا قيمة فيه للأحداث،وفي مثل هذه الحالة لا يمكننا الحديث عن السرد إلا بالاحتكام إلى عبقرية المؤلف،أو الحاكي،ومثال ذلك الشكل الأسطوري القائم على مبدإ الصدفة.

-وإما أن يشترك السرد مع سرود أخرى في البنية القابلة للتحليل،لأنه لا أحد بوسعه أن ينتج سرداً دون الإحالة على نسق ضمني من الوحدات،والقواعد  »(10).  

        وقد  حاول الباحث محمد مشبال أن يُحدد مفهوماً جامعاً يتسم بالشمولية لوجهات النظر السردية التي تُعد من بين المصادر الأساسية للتوجيه الحجاجي، والتأثير الإقناعي غير المباشر،حيث تكشف بعض الإجراءات اللغوية،والأسلوبية في النص السردي عن أحكام القيمة للذات المدركة،والحجاج في النص السردي قد يقوم على حجج عقلية ، وذلك من قبيل القيم المتفق عليها،والأمثال السائرة،أو من خلال استعمال شخصياتها لفنيات حجاجية عقلية متنوعة،وقد يُبنى النص السردي على وسائل تحيل إلى الشخص: شخص المتكلم،حيث يُمكن أن يقوم الحجاج على بناء صورة إيجابية للذات،أو شخص المتلقي،إذ أن النص السردي لا يُمكن أن يكون خالياً من علامات لإثارة أهواء المتلقي بغرض التأثير فيه(11).  

    ويقترح الناقد سعيد يقطين ألا ننظر إلى السرديات كمجال ضيق،أو منغلق،بل يجب اعتبارها علماً كلياً،حيث يفرض عليها هذا الوضع:

1-أن تنفتح على السرد حيثما وجد(لفظياً كان أو غير لفظي).

2-أن تنفتح على الاختصاصات التي سبقتها من خلال الاهتمام بالمادة الأساسية الحكائية،والمقصود بها بالضبط(السيميوطيقا السردية).

3-أن توسع مدار اختصاصها،حتى تتجاوز البحث في الخطاب،إلى  النص من خلال مختلف أنماطه،وتفاعلاته النصية المتعددة،وفي هذا المضمار يقتضي أن تنفتح على مختلف عطاءات العلوم الإنسانية، والاجتماعية،وتنقسم السرديات وفقاً لرؤيته إلى :

سرديات القصة التي تهتم بالمادة الحكائية من زاوية تركيزها على ما يُحدد حكائيتها، ويبين تميزها داخل الأعمال الحكائية،إذ أن المادة الحكائية تتصل بالجنس ،وعن طريقها تلتقي كل الأنواع القابلة لأن تندرج في إطار جنس(السرد)،أو(الخبر)،وتبعاً لذلك يتضح أن أي عمل حكائي يتجسد من خلال المقولات التالية:

1-الأفعال.

2-الفواعل.

3-الزمان.

4-المكان(الفضاء).

          ويتوجب على سرديات القصة أن تستفيد من مختلف الإنجازات السردية التي اهتمت بالقصة،وتعالجها ضمن تصورها الخاص،وفي أفق سرديات الخطاب،والنص،أي التركيز على البعد التخييلي،وانتظاماته الدلالية، وتجلياته الجمالية في علاقته بالمتلقي(12).

            ويذهب جيرار جنيت إلى التأكيد على أن وظيفة السرد لا تكمن في إصدار الأوامر،أو التعبير عن ما نتمناه، أو حساب مجموعة من الشروط المحددة،بل تتجلى بشكل واضح في حكاية قصة،أي المجيء بأفعال حقيقية،أو متخيلة تروى في زمن محدد(الماضي،الحاضر، المستقبل)،ومن هنا ينطلق جيرار جينيت للتفريق بين:

«أ-القصة:الملفوظ السردي،أو الخطاب السردي الذي يتحمل علاقة فعل،أو مجموعة أفعال،وهي العناصر اللغوية التي يستعملها السارد،مورداً حكايته في صلبها.

ب-الحكاية:أي جملة الأحداث التي تدور في زمن،ومكان محددين، وترتبط بشخصيات من نسج خيال السارد،فتنتج لديها ردود فعل،وتصرفات هي على نطاق الدراسة من مشمولات التحليل الوظائفي.

ج-السرد: وهي العملية التي يقوم بها السارد(أو الراوي) لينتج النص القصصي المشتمل على اللفظ(أي الخطاب) القصصي،والحكاية(أي الملفوظ القصصي) »)13(

           إن التمييز بين هذه الأبعاد الثلاثة يكتسي فائدة منهجية كبيرة،فمن جهة يتطلب تحليل الخطاب السردي دراسة العلاقات بين هذا الخطاب،وبين الأحداث التي تبرز،ومن جهة أخرى بين نفس هذا الخطاب،والفعل الذي ينتجه حقيقة(الكاتب)،أو تخييلاً(الشخصية الساردة)،ويُضاف إلى هذا أن الحكاية والسرد لا يتجليان إلا من خلال القصة،وفي الجهة المقابلة القصة(الخطاب السردي)،فهي لا تبدو كذلك إلا إذا سردت حكاية،وإلا لا تكون سرداً، كما يتوجب للقصة أن تُحكى من قبل سارد ما، وإلا لا تكون خطاباً.

   إن الخطاب السردي(الملفوظ السردي) كسرد  يعيش بعلاقته مع السرد الذي يتلفظه،وتكون القصة دائماً محكومة بمستويين زمنيين:

أ-زمن الفعل المسرود.

ب-زمن القصة.

          وإحدى وظائف القصة هي استبدال زمن بزمن آخر ،ثلاث سنوات من حياة شخصية ملخصة في جملتين من الرواية (زمن القراءة) . ولا يمكن استهلاك القصة،أي استحداثها إلا عبر زمن القراءة. ولا يمكن أن نقرأ نصاً بطريقة معكوسة، ولا حرفاً حرفاً، ولا كلمة كلمة دون أن يفقد النص طبيعته كنص)14(.ويمكن القول إن زمن القصة هو شبه زمن ،ومن هنا تظهر أهمية اقتراح جيرار جينيت دراسة المفارقات التاريخية،ويعني بالمفارقة من الوجهة السردية الاختلاف بين نظام ترتيب زمن الأحداث في الحكاية، وذلك بالتمييز بين السوابق، واللواحق،فالسوابق هي عمليات سردية تتمثل في إيراد حدث آت،أو الإشارة إليه مسبقاً،أما اللواحق فهي عمليات سردية تتمثل   في إيراد أحداث سابقة للنقطة الزمنية التي بلغها السرد،وتسمى هذه العملية أيضاً الاستذكار،          ومن المفيد الإشارة إلى أن عملية سبق الأحداث،أو الرجوع إلى الأحداث الماضية(السوابق و اللواحق) تنقسم إلى سوابق، ولواحق ذاتية،ولواحق ،وسوابق موضوعية )15 (.

              وإذا كانت سرديات القصة تهتم بالمادة الحكائية،فسرديات الخطاب تعنى بالسردية،التي بوساطتها تتميز حكاية عن أخرى،ويذكر سعيد يقطين في هذا المضمار: « أي أنّنا ندخل هنا إلى مجال النوع الذي نجده كامنا في طريقة تقديم المادّة الحكائيّة ، وعن طريق اختلاف طرائق التقديم، تختلف الأنواع السّردية. قد تكون المادّة الحكائية واحدة، لكن أشكال تقديمها تختلف باختلاف الخطابات، وأنواعها. وإذا كانت مقولات القصّة هيّ: فعل وفاعل في زمان ومكان معيّنين؛ فإنّ الخطاب يتحدّد بدوره من خلال المقولات نفسها، لكنها تختلف باختلاف وسائط، أو ترهينات تقديمها … ،إنّ فعل الشّخصيّة (الحدث) في القصّة، يقدّم إلينا في الخطاب من خلال فعل آخر (السّرد) الذي يضطلع به فاعل آخر هوّ الراوي. وباختلاف الفعلين وفاعليهما يختلف زمان القصّة وفضاؤها عن زمان الخطاب ،وفضائه»)16(.

         إن الناقد سعيد يقطين يحدد العلاقة بين القصة، والخطاب، من خلال مقولات متنوّعة،يوجزها في الزمان،والصيغة،والتبئير،فإذا انطلقنا في تحليلنا من أن الخطاب هو النص منظوراً إليه داخلياً من خلال علاقة بين الراوي،والمروي له،وتمثل عملية التخطيب طريقة التشكيل النهائي للحكاية الأولى،عبر تغيير زمن الحكاية الأولى الأصلي المتسلسل خطياً، ونتيجة للإمكانيات المفتوحة لتخطيب الحكاية الأولى   نجد أنه من الممكن الحصول على عدد لا نهائي من الخطابات (17).   ولمتابعة الترتيب الزمني، من الواجب القيام بجملة من الخطوات المنهجية  (18).              

          وتهتم السرديات النصية على وجه الإجمال بالنص السردي،من حيث إنه بنية مجردة،أو أنه يتحقق باعتبار انتمائه إلى جنس محدد،أو نوع معين، وهي تهتم من جهة نصيته التي تحدد وحدته،أو تماسكه،وانسجامه في علاقته بالمستقبل في الزمان، والمكان،ويسمح هذا الاهتمام بالنص السردي بوضعه في نطاق البنية النصية الكبرى التي تندرج في إطارها، فتنظر فيه من خلال شتى جوانبه،وعلاقاته بغيره من النصوص،واضعة إياه في إطار المقولات التي يتمفصل إليها العمل الحكائي،فتعاين الفعل النصي عن طريق الإنتاج، والتلقي،وتربط كلاً منهما بفاعل(الكاتب-المؤلف)،و(القارئ-السامع)،وتضعهما معاً في زمان، وفضاء معينين،وبذلك تتكامل سائر مكونات العمل الحكائي السردي النصي(19). وينطلق   مفهوم السرد من الكيفية التي يتم بها تقديم الحكايات،وفي هذا الشأن يميز الكثير من الباحثين(20).ومن بينهم الناقد رشيد يحياوي بين سرد تخييلي،وسرد غير تخييلي،وفقاً لجملة من العناصر الدقيقة.  

عرض أهم مضامين الكتاب:  

 في كتاب: « السَّرْدُ والسَّرْدانيّةُ -عرْضٌ لنظريّات السردانيّة العربيّة المعاصرة، وتحليلات لبعض نصوصها-»، والصادر عن منشورات دار القدس العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بوهران، نجد دراسات ثمينة في تحليل الخطاب السردي، كتبها العلاّمة الدكتور عبد الملك مرتاض ، خلال مراحل متنوعة، وقد قسّمه إلى:

  • سرديّات مغربيّة
  • سرديّات جزائريّة
  • سرديّات يمانِيَة
  • سرديات فِلَسْطِيَّة
  • سرديّات إماراتيّة
  • سرديّات سعوديّة
  • سرديّات عربيّة أخرى

وقد استهله بتقديم شهادة عن علاقته بالسرد ، وسمها بـــ: « الخِطاب السرديّ، وهُمْ، وأنا… »، ومن بين ما جاء فيها:…وإنّه ليبدو لنا أنّ الحكْيَ من طبيعة الإنسان من حيث هو كائنٌ فضوليّ يهوَى معرفة ما يجهل؛ فهو إمّا حاكٍ، وإمّا مَحكِيٌّ له، وإمّا محكيٌّ عنه. وقديماً قال النابغة: «ما وراءكَ يا عصام»؟ فسارتْ مقولتُه مثلاً، فقد كان سَالَ عصامَ بنَ شهْبَرة الجَرْميّ، حاجبَ النعمان بن المنذر، قائلاً من أبيات:

فإنّي لا ألومُك في وُصولٍ ولكنْ ما وراءكَ يا عِصامُ؟

فالشاعر النابغةُ اجتزأ من الوصول إلى مجلس الملك الذي كان يشهَده، وفي رواية أخرى: الدخول إليه، بأن يُخبره حاجبُه عمّا يمكن أن يكون قد حدث وراءه من عظيم الأخبار، وخطير الأحداث؟ وهل الملك عنه راضٍ أم عليه غضبانُ؟

ونجد في حكاية حمّال بغداد مع الفتيات الثلاثِ، في «ألف ليلة وليلة»، أنّ الذي يقع في ورطة من الشخصيّات الحكائيّة، إن استطاع أن يحكيَ حكايةً نجا بنفسه منَ الْمَقْلَتَةِ والْحَيْنِ. 

وأحسب أنّ رولان بارط كان ومَأ إلى هذه المسألة في حديثه عن التراث السرديّ العربيّ.

ولعلّ بعض هذا أنْ يقلب مقولةَ المستشرقة الألمانيّة سيـﭭريد هونكه التي ذهبت في بعض كتاباتها الحضاريّة إلى أنّ العرب هم شعب من الشعراء. فإنّ الحقَّ نقولُ، وركوحاً إلى ما ورد في «ألف ليلة وليلة» التي هي تراث أدبيّ عربيّ خالصٌ محْضٌ بحْتٌ قُحٌّ بيّنُ القَحاحة، (ودعْك ممّا كتب جمال الدين ابن الشيخ في الموسوعة العالميّة –تملّقاً للمستشرقين الفرنسيّين وتزلُّفاً- على أنّ هذا العمل الأدبيّ العظيم هو إرثٌ إنسانيّ مشترَك، فقوله: مجرّد سطْوٍ على حقّ انتزعه من الأمّة التي لحِقتْها من سوء فعْلها، ونَكَد جَدّها، كلّ هزائم الكون، ومهانة الوجود، ليُلحقه هو بالهنود والفُرس، وذلك ليجعلَ من مكانة العرب في هذا الإبداع الخالد مجرّد مُسْهِمين فيه بأقلّ المقادير) أنّ العرب ليسوا شعباً من الشعراء فقَدْ، ولكنهم شعبٌ من الحُكَاة! ويعني كلّ ذلك أنّ الحكْيَ عند العرب هو الحياةُ نفسُها. 

وكان المسافر حين يعود إلى قريته أو حيّه يجتمع الناس من حوله، وهم يحتفلون بعودته، ويحتفُون بأَوِبتِه، ليسمعوا منه نوادر الأخبار، وعجيب الأحداث، ممّا اتّفق له أثناء التَّظْعان.

ولعلّ عَدوى الحكْي عند العربيّ المعاصر أنّه أمسى لا يهوَى كتابة الشعر كما كان يأتي ذلك في بعضِ العصور الْمَواضِ، فاستعاض عنها بكتابة السرد؛ ذلك بأنّا ألفينا معظم الشعراء الجزائريّين المعاصرين، مثلاً، طلّقوا الشعر طلاقاً بائناً، بتعبير الفقهاء، وأقبلوا، في أرذل أعمارهم، وعَجُزِ أسنانهم، واضطراب أحوالهم، على كتابة الرواية يجرّبون فيها لعلّهم أن يلقَوْا بكتابتها شيئاً من الشهرة والخلود. ونحن نتفهّم الحوافز الذاتيّة التي أغرتْهم بذلك، فقد رأوا أنّ أحلام مستغانمي بعد أن نشرت ديوانين اثنين من الشعر هجرته هجراً غيرَ جميل، وأقبلت على كتابة الرواية تجرّب فيها، فنالت بها شهرة طائرة. غير أنّ الأحوالَ غيرُ الأحوال، والزمنَ غيرُ الزمان، وأيّ دار نشرٍ ممّا لدينا ليست بدار الآداب ببيروت، وخصوصاً في أمسِها الدّابر. وإذاً، فما هذه الحالُ بالتي يجوز أن يقيس عليها الشعراء أحوالَهم، لا أبَا لهم، فالقياس إذا قِيس على باطلٍ كان باطلاً. وإذاً، فليس كلُّ مَن كتب شيئاً من الشعر، أو ما يشبه الشعرَ، هوَ شاعِراً، ولا كلّ من حَكَى شيئاً أيضاً من السرْد هو رِوائيّاً. ولقد يعني هذا أنّ هؤلاء الكتَبَةَ سيموتون وهم يبحثون في أيّ جنس يكتبون؟! وفي أَيِّهِ ينبُغون؟ كما سيعني أنّهم لم يكونوا مقتنعين قَطُّ في قرارة أنفسهم بأنّهم كانوا، في يوم ما، شعراءَ حقّاً، لأنّ الذي يمتلك موهبة حقيقيّة، ويحمل رسالة إبداعيّة ثابتة من خِلالها، لا يستطيع أن يتنكّب عنها أبداً.

ولو كان الأمر متمحِّضاً لشباب في العشرين أو زُهائِها، لعذرْناهم على أساس أنّ المبدعين، في بدايات حيَوَاتِهِم الإبداعيّة، من حقّهم أن يبحثوا عن أيّ جنس أدبيّ يكون أليقَ بهم، ويكونون هم أليق به أيضاً؛ أمّا أن يستحيل شاعر في الخمسين أو جاوزها إلى كتابة الرواية ونبْذ الشعر الذي كان عُرف به بين الناس ونشر منه دواوينَ ودواوين، فلا أحسب أنّ ذلك يكون إلاّ من الحرمان!

ويبدو أنّ الكتابة الروائيّة تفتِن الشعراءَ، حتّى الكبارَ منهم، فقد ذكر لي الصديق المرحوم محمود درويش، في مدينة مكناس، في شهر مارس من سنة ثلاثٍ وثمانين وتسعمائة وألْفٍ، بعد أن هنّأتُه –وقد كنّا على مائدة عَشاء- بحضور جمهور غفيرٍ مغربيّ لأمسيّة شعريّة أقامها في إحدى القاعات الكبرى المكناسيّة، وأظنّ عدد الشهود بلغ فيها ثلاثةَ آلافٍ: قال لي ما معناه: لقد ودِدت لو كنت روائيّاً، لا شاعراً!…

 

<><><><><>

 

ذلك، وقد كتب إليّ الصديق العزيز، الباحث الشاعر، الأستاذ الدكتور يوسف وغليسي الذي أرجو أن يعيش على شعريّته حتّى يموت عليها فلا يحيدَ عنها، أَلُوكةً في شهر مايو من سنة (2013) وأنا بأبو ظبي، يطلب إليّ فيها أن أكتب شيئاً عن تجربتي الروائيّة، لإمكان نشره في مجلّة مختبر السرديّات بجامعة قسنطينة، بعد أن دلّلني هذا المختبر وغمرني بأفضاله بأن نشر مجموعةَ أعمالي السرديّة: روائيِّـَها، وقصصيّها، وسِرْذَيَّتِـَهَا، فسرّني ذلك سروراً عارماً… غير أنّ إنجاز كتابة عن مثل هذه التجربة الطويلة نسبيّاً كان يحتاج إلى أن يأوِيَ الكاتب إلى مخدَعه في مكتبته، ولا مخدعَ سُلَيمةَ الكذاب، فينزويَ فيها وينزاح عن العالم الخارجيّ لكيما يعودَ بذاكرته إلى الحافرة، بعد أن بلغ عددُ الأعمال الروائيّة مجزّأةً زُهاء عشرةٍ، يضاف إليها مجموعة قصصيّة وسيرة ذاتيّة (يضاف إليها الرواية الأخيرة: «وشيء آخر، دار القدس العربيّ، وهران، 2018، والرواية التي هي تحت الإنجاز -المعلّم والراعية)… ولولا أنّي كنت ملتزماً في تحليل بعض الأعمال القصصيّة التي ستظهر -بل ظهرت الآن- تحت عنوان: «شعريّة القص، وسيمَائيّة النصّ» لكنت شرعت في كتابة بعض ما طلب منّي يوسفُ وأنا بأبو ظبي حيث كنت مُخْلِداً إلى الهدوء والسكينة والانعزال…

وكنت وأنا أنفض اليد ممّا التزمت بكتابته قَبْلاً، أفكّر فيما عسى أن أكتب عمّا طُلب منّي؟ والحق أنّي إذا أردت أن أصدق القارئ الكريم، والناقد الخِرِّيتَ، معاً، لم أعُد أذكر على وجه اليقين متى شرعت في كتابة أوّل عمل سرديّ ما. ويبدو أنّ ذلك كان إمّا في سنة سبعٍ وخمسين وتسعمائة وألف، وإمّا في السنة التاليةِ لها، وقد كنت يومئذ مدرّساً بمدرسة ابتدائيّة في إحدى القرى المغربيّة الحدوديّة. فقد بدا لي، يومئذ، أنّي أكتب شيئاً اللهُ وحدَه يعلم ما ذا كان يمكن أن يكون في تصنيف الأجناس الأدبيّة؟ أي فيمَ كان ينبغي له أن يصنَّف، إن كان أهلاً للتصنيف أصلاً؟ وهل كان كتابة أدبيّة حقّاً؟! ولقد سعيت إلى البحث عن بعض آثار تيك الكتابات المبكّرة في مكتبتي فلم أعثر عليها، مع أنّي لا أبرح أدَّكِر أنّي قد كنت دبّجته في دفترٍ كبيرٍ، وبقلم حبرٍ أحمرَ شاحبٍ جافّ. ولعلّ تيك الكتاباتِ الأوّليّةَ كانت تدرُج في جنس السيرة الذاتيّة، أكثر ممّا كانت تدرج في أيٍّ من الأجناس الأدبيّة الأخرى.

وكنت أسعى جاهداً من أجل العثور على موضوع روائيّ جديد نبعُه الخيال أكتب فيه، فكان ذلك يعتاص عليّ اعْتياصاً، فأجنح للكتابة في سيرتي الذاتيّة بشيء من البدائيّة والتكلّف والتعثّر. وكلّ ذلك لم يطّلعْ عليه القرَأَةُ، ولو اطّلعوا عليه لولَّوْا فِراراً، ولَمُلِّئوا منه رُعْباً!

وانخرطت في جامعة الرباط طالباً، سنة ستينَ من القرن الماضي، وأثناء تحضيري لشهادة الأدب (السنة الثانية من النظام الجامعيّ الذي كان يقوم على تهيئة ثلاثِ شهاداتٍ قبلهنّ سنةٌ تحضيريّة) كان من بين الأساتذة النابهين الذين كانوا يدرّسون لنا: المرحوم الدكتورُ جعفرٌ الكتّانيُّ الذي شجّعني تشجيعاً سأظلّ مَديناً له به في كلّ ما بلغته من شأن في حياتي الأدبيّة، إن كان ما بلغته يُعَدّ شأناً، حقّاً! وكان الدكتور جعفر يدرّس لنا روايةً التي خصّصَ السنة الجامعيّةَ كلَّها لدراستها وهي «زقاق المدقّ» لنجيب محفوظ، ولكنه لم ينصَح لنا، فيما أذكر، لا بشراء نصّ الرواية وقراءته، ولا بتقديم بحث فيه؛ بل كان يأتي ويتحدّث عن أحداث الرواية وشخصيّاتها، وكأنّه كان يتحدّث عن عوالم من المريخ، فلم نُفِدْ، بكلّ حزن، من تلك المجالس شيئاً كثيراً. وقد يكون سَوائي من الطّلاّب أفاد من بعض ذلك ولكنّي أنا الذي كان في الفهم كليلاً كَهِيماً. وأسوأ من ذلك، أنّي لم أصادف قطّ في حياتي مَن وجّهني لقراءة الرواية العربيّة، ولكنّا كنّا ونحن طلاّبٌ، كان يسمع بعضنا من بعض عن رواية الكاتب فلان، فكنّا نشتريها ونقرؤها، أو يشتري أحدنا رواية فنتراوح على قراءتها، ولم يكن عدد القارئين من أصدقائي يومئذ يجاوز واحداً أو اِثنين! وأهمُّ ما اتّفق لي من قراءاتي الروائيّة الأولى: «رُدّ قلبي» ليوسف السباعي (بجزءَيْها الأوّلِ والآخر)، وبعضُ العناوين الأُخَرِ له ممّا لم أعُد أذكره بالتدقيق، وربما كان يمثُل في روايته «ابتسامة على شفتيه»؛ ثم «في بيتنا رجل» (وربما «شفتاه» أيضاً) لإحسان عبد القدروس؛ ثمّ «إبراهيم الكاتب» لإبراهيم عبد القادر المازني… وممّا قرأت في بداياتي الأدبيّة المحتشمة رواية «دعاء الكروان» لطه حسين، وكنت شديد الإعجاب بلغتها وحُسْن تصويرها لشخصيّة آمنة، وبُعَيْدها رواية «شجر البؤس» التي لم تؤثّر في نفسي إلاّ قليلاً.

كما كنّا نقرأ الروايات التاريخيّة لجرجي زيدان الذي كان يُقِيم مضمون كلّ رواية على علاقة غراميّةٍ مّا، فكان يحلو لنا قراءة ذلك ونحن في عهد المراهقة الأولى.

ولقد قرأت في السنينِ الأولى من عهد الاستقلال رواية «مع الأسرة» (En Famille) لهكتور مالو، بالفرنسيّة، فلاحظت أنّ شخصيّة آمنة الكَرَوانيّة هي نفسُها شخصيّة بياتريس، وكلّفتُ إحدى طالباتي في أوّل سنة لي مدرّساً بالجامعة بأن تقدّم بحثاً تقارن فيه بين هاتين الروايتين، وتقارن خصوصاً بين شخصيّتيِ الصبيّتـينِ: آمنةَ وبياتريسَ.

وكان ذلك كلّه قبل أن أشرع في قراءة الأعمال الروائيّة العربيّة والعالميّة الأخرى، وممّا قرأت وأنا لا أزال طالباً بجامعة الرباط، وكان ذلك، هذه المرّة بتوجيه الدكتور جعفر الكتّانيّ، ) رواية الكاتبة الفرنسيّة فرنسواز ساﭬـان (Françoise Sagan: «عِمْ صباحاً يا حزن» (Bonjour tristesse)، فاشتريتها، من إحدى مكتبات مدينة الرباط، وشرعت في قرأءتها بشيءٍ من الصعوبة، وكنت لا أزال ضعيفاً في اللغة الفرنسيّة، وتيك الرواية هي أوّل رواية قرأتها في لغتها الفرنسيّة، وقد أعدت قراءتها زُهاء ثلاثِ مرّات تتْرَى، وكان ذلك سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف…

وبعد تخرُّجي في الجامعة بدأت أقرأ فلوبير (مدام بوفاري)، وهيمنقواي (العجوز والبحر)، وكافكا (القصر، والتحوّل)، وطولسطوي (الحرب والسلم)، ومارسيل ﭘـانيول (مجْد أبي)، وسَواءَ هؤلاء، وذلك قبل أن أقرأ في الرواية الجديدة حيث قرأت أكثرَ نصوصها، وخصوصاً ما كتب ألان روب ﭬريّي الذي كان إعجابي به محدوداً، وناطالي صاروط التي كان إعجابي بها شديداً، وميشال بيطور في روايته الشهيرة «العدول» (La Modification) التي ترجمتها أستاذة عراقيّة تدرّس بسوربون أبو ظبي، وأهدتني نسخةً من ترجمتها منذ سنتين تقريباً…

ولا بدّ لي مِن أن أسجّل ملاحظة عن قراءاتي الأولى للرواية المصريّة التي كانت وحدَها هي ما يملأ سوق المكتبات، فكنت وأنا أقرأ «في بيتنا رجل» لإحسان عبد القدوس، مثلاً، أقرأ السرد الفصيح وأتابعه بنهم القارئِ الذي يرتبط بأحداث الرواية وشخصيّاتها وتصارعها وتعاطفها فلا يستطيع زِيَالَها… غير أنّ تِيك المتعةَ كانت تزول بمجرّد أن أبلغ من نصّ الرواية إلى حوارها الذي كان الروائيّون المصريّون يحلو لهم كتابتُه بالعامّيّة المحلّيّة الرّذلة، دون وعْي فنّيّ منهم فيما يبدو!… وقد كانوا يُكثرون منه إكثاراً. وسيُغضبهم هذا القول، ولكنّي متمسّك به ولا أحيد عنه أبداً، لأنّ العامّيّة المصريّة كانت تستهويهم، فكانوا يكتبون بها الأدب الروائيّ دون تحرّج ولا ارْعواءٍ! ولذلك كنت، يومئذ، لا أفهم كثيراً من الكلمات العاميّة المصريّة في محاوراتِ الشخصيّات، فكان ذلك يحول بيني وبين المتعة الفنّيّة التي كنت أجدها وأنا أقرأ السرد، فكنت أثِب على ذلك الحوار جملة واحدة في كلّ لقطة يوجَد فيها، ثم أستأنف من السرد مباشرة، فكانت تلك القراءةُ مبتورةً، ناقصة المتعة، ولم أكُ أنا في ذلك هو الْمُليم، بل الْمُليمُون في ذلك هم الذين كانوا يلْبِسون الفصحى بالعامّيّة فلا يدري المحلّل للغة الروائيّة لا ما ذا يأتُو، ولا ما ذا يذَرُ، تدبيراً؟ فهل يحلّل العامّيّ منها، أو الفصيح فيها؟ وقد ذكّرني بعض ذلك بكتاب كنت قرأته مخطوطاً يتحدّث عن المجتمع الجزائريّ في أوّل العهد بالاحتلال الفرنسيّ المقيت، كُتِب قبل منتصف القرن التاسع عشر، فأطلقَ عليه صاحبُه الذي ذهب عنّي اسمه: «الفُلك المشحون، في المعرّب والملحون»، فكان يكتب طوراً بالفصحى للمثقفين، ثمّ يبدو له فيكتب عن الموضوع نفسه بالعامّيّة للعوامّ، كذلك كان اجتهاده، فيجمع بين الفصحى والعامّيّة في كتاب واحدٍ. 

ويبدو أنّ ذلك الشأنَ كان إمّا لأنّ الكتّاب العرب لا يحبّون العربيّة الحبّ الذي هي أهلٌ له لدُنْهم، بلْهَ يعشَقونها، ولا أكاد أستثني منهم إلاّ قليلاً، ومشرقاً ومغرباً، ومغرباً ومشرقاً، فهم لا يزالون يُهينونها من حيث لا يشعرون؛ وإمّا لأنّهم كانوا يعملون بمقولة نقديّة عربيّة مغلوطة من أساسها، وإنّا لا ندري مَن أسّسها نظريّةً وهي لا ترقَى إلى أن تكون فكرةً، وهي أنّ شخصيّة الفلاّح مثلاً، لا يمكن أن نُجريَ على لسانها، في حوارها عبر الرواية، لغةً فصحى، لأنّ ذلك سيجعلها تخرج عن واقعها الاجتماعيّ الحقيقيّ، ونسُوا أنّ العمل الأدبيّ كلَّه، في الرواية، هو في أصْل أمره، وحافرة تدبيره، ليس حقيقة ولا واقعاً ولا تاريخاً، ولكنّه مجرّد خيالٍ وفنٍّ وإبداع لغويّ خالص، فالروائيّ يتخيّل ثم يَخَالُ، بلغة أبي العلاء، ثمّ يُنشئ عالَمه الروائيّ بشخصيّاته وأحداثه، ومكانه، وزمانه… وإذا كان من العسير تقبّلُ شخصيّة فلاّح تنطق بلغة رؤبة والعجّاج، وما أبعدَنا نحن جميعاً، في الحقيقة، اليومَ، عنهما، وعن أمثالهما، فلا أقلَّ مِن أن يتلطّفَ الروائيّ فيُجرِيَ على لسان مثل هذا الفلاّح، إن اختار تناولَه في روايته، لغةً مفصّحة مبسّطة، والحال أنّ العوامّ العرب ينطلقون في أحاديثهم من عربيّة صحيحة لا ينقصها إلاّ الإعراب. وكثيراً ما أخاطب الحلاّقين والعمَلة الذين يأتون إلى بيتي للنهوض ببعض الأشغال فيه، بالفصحى، على سبيل التندّر، فيجيبونني بفصحَى غيرِ معْربة، بل معربة ملحونة؛ فبفضل وسائل الاتّصال الحديثة وشيوع التعليم في معظم المجتمعات العربيّة، لم يعد أحدٌ منهم غريباً عن الفصحى، ولا الفصحى غريبة عنه، إلاّ أن يكون الروائيّون العرب الذين يستجهلون قَرَأَتَهم فيخاطبونهم بأرذل اللهجات المحلّيّة وأسقطها، لبعض التدبير الخبيث في أنفسهم، والحالُ أنّهم هم أنفسُهم، لا يكادون يعرفون من العربيّة الأدبيّة الرفيعة إلاّ قليلاً، فيستهويهم السقوط الذي يلائمهم قبل أن يلائم الشخصّياتِ البسيطةِ الثقافةِ أو المحدودتِها. 

ثمّ إنّ الذين يقرءون الرواية هم المتعلّمون وحدَهم، ولا يكادون يفعلون هم أيضاً إلاّ قليلاً، أمّا الفلاحون والعمّال فأنَّى لهم بالقراءة وهم لا يقرءون، أصلاً؟ إمّا لأنّهم فقراءُ لا يجدون بما يشترون به رواياتٍ يقرءونها؛ وإمّا لأنّهم لا يمتلكون من الوقت ما يجعلهم يأْتون ذلك، والحال أنّ عامّة العمّال والفلاّحين يكدحون مِن قَبْلِ طلوعِ الشمس إلى ما بعدَ غروبِها… إنّ الرواية كتابة فنّيّة تُنجَز على غير مثال سابق، وأدب حيٌّ اجتُعِل للتصوير والإمتاع معاً، والذين يقرءونها هم من الجامعيّين والمتعلّمين الذين يستهويهم الاستمتاع بالجمال الفنّيّ الآسر الذي لا يمثّل، في أصل التدبير، جغرافيا ولا تاريخاً ولا واقعاً حقيقيّاً…

ولعلّ ذلك أن يكونَ ممّا أغراني بأن أكتب أوّل كتابٍ ألّفتُه وأنا في حُدْثَى الشبابِ، عن هذه المسألة النقديّة المغلوطة التي أشاعها مَن لا يحبّون العربيّة، ويريدون أن يُسيئوا إليها بتذويبها في العامّيّات المحلّيّة الرّذْلة. وهذا الكتاب لا يزال مخطوطاً إلى يومنا هذا، وهو بعنوان: «الحوار في الأعمال السرديّة». 

وأُعْلن لقَرَأَتي ونَقَدَة أعمالي معاً، أنّ القراءات التي اتّفقت لي في الرواية العالميّة لم تحمِلْني على التأثّر بها، بحكم ابتعاد لغتها الأصليّة عن لغتي، وإذا كان من بعض التأثير فهو يكمن في استخدام بعض التقنيات السرديّة التي لا تمتلكها الرواية العربيّة، وإن كان بعضُ تِيكَ الرواياتِ مترجَماً إلى العربيّة… غير أنّ عامّة الترجمات العربيّة رديئة وركيكة، بل عَيِيَّةٌ، ولا تقدّم للقارئ العربيّ المبتلَى بقراءتها، الجمال الفنّيّ المندسَّ في أصل النّصّ المترجَمِ منه! ولذلك فإنّي حين كنت أكتب أوّل مرّة شيئاً كالسرد! لم أكن أتمثّل روائيّاً من الروائيّين، ولا قاصّاً من القاصِّين، وقد كنت قرأت بالعربيّة قليلاً منهم؛ ولكنّي كنت أعتدّ بلغتي وخيالي وتجربتي في الحياة، فكنت أسعى إلى تجسيد بعض ذلك بالكِتاب، ولكنْ دون وعْي فنّيّ كبير. وإنّ العرفان بذلك فضيلة. ويبدو أنّ الثورة الجزائريّة المباركة كان لها فضل عظيم عليّ في بدايات كتاباتي الروائيّة، فقد كتبت عنها أربعَ رواياتٍ هي التي أُعيدَ نشرُها، مجتمعةً، منذ حين بعنوان: «رباعيّة الدم والنار».  فكانت تجربتي الأولى تستمدّ من أحداث تِيكَ الثورة المجيدة وأيّامِها –على الحُمْرة- الغرّاء، فكان فيها واقعٌ ممزوجاً بعض المزج بخيالي الذي كان لا يبرح محدوداً.

وإنّ أوّل رواية كتبتها، وإن لم اكُ، من الوجهة الفنّيّة –وخصوصاً من الوجهة التِّقنيّة- فيها موفّقاً، هي رواية «دماء ودموع» التي استعنت في كتابتها ببعض أحداث من سيرتي الذاتيّة إذ قد يكون من العسير على شابّ أن يكتب روايةً كبيرة لأوّل مرّة من صنع الخيال الخالص، فإنّ مثل ذلك لا يستقيم للروائيّين، في الغالب، إلاّ بعد ممارساتٍ وتجاربَ… وكان ذلك في الحيّ الجامعيّ بأﭬدال بالرباط، وقلْ: إنّي لم أَزد في الحقيقة، في تيك الأثناء، على تبييض ما كنت سوّدته من قَبْلٍ في بضعِ سنوات بتقطّعٍ في الزمن، وأنا معلّم بإحدى المدارس الابتدائيّة بالمغرب الشقيق. وكان إنجاز أوّلِ عمل روائيّ كامل لي، ذاك، في العطلة الربيعيّة أثناء شهر أبريل سنة اثنتين وستّين وتسعمائة وألْفٍ.

وكتبْتُها تبييضاً بقلمِ حِبرٍ سائلٍ أزرقَ، في أوراق مصقولة طائرة مسطَّرة، لا في دفتر مَدْفُوفٍ. غير أنّي اضطُرِرت إلى إحراق تِيك المخطوطة الجميلة، كما فعل أبو حيّان ببعض كتبه، فيما زعم الزاعمون، بعد زهاء ربعِ قرنٍ من تاريخ كتابتها، وكنت لا أزال أحتفظ بها في مكتبتي، وذلك تحت وطأة ظروف شخصيّة، خاصّة ليس من حقّ القارئ عليّ أن أُفصح له عنها، إذْ لا تعنيه فَتيلاً. ولكنْ من حسن الحظ أنّي كنت رقنت الأصل المخطوط أصْلاً بخطّ اليد، بواسطة الآلة الكاتبة فبلغ حجم نصّها ستّاً وعشرين صفحةً وثلاثَمائةٍ، وهو لا يزال في مكتبتي مجلّداً إلى اليوم، وإن صدر مطبوعاً، ضمْن «رباعيّة الدم والنار».

ومن عجبٍ، ولا عجبَ، أنّ رواية «دماء ودموع» ظلّتْ مخطوطةً فلم تُنشَرْ، على ما بذلت من جهدٍ في نشرها بين الناس -ولم يكن في الجزائر، يومئذ، إلاّ دارُ نشر وحيدة، حكوميّة، لم تكن تكاد تنشر إلاّ لمن ترضَى علَيْهِم- إلاّ في شهر نوفمبر من سَنة ثمانٍ وسبعين وتسعِمائةٍ وألْفٍ، في جريدة الجمهوريّة بمدينة وهران، مسلْسَلَةً، فصدرت في زُهاءِ تسعين حلْقةً. 

وقد كنت طلبت من أستاذي الدكتور محمد نجيب البهبيتي، رحمه الله، سنة 1962 بعد تبييض نصّ «دماء ودموع»، أمام باب كليّة الآداب بجامعة الرباط ذات ضحىً، أن يكتب لي تقديماً عنها، كدأْب الْكَتَبَةِ المبتدئين، فقال لي، وهو يبتسم، كلاماً لم أفهمْه إلى اليوم، إذْ أجابني بما معناه:

-عبد الملك! تريدني كيْما أكتبَ لك مقدّمةً لرواية لا تزال مخطوطة!؟

وليت شعري، وما ليْتٌ بنافعةٍ، ما ذا كان يفيد التقديم بعد أن يُنشر العملُ بين الناس فيُصبحَ سيّاراً؟

ولست أدري ما كان منعني مِن أنْ أقصد أستاذي الآخر، الذي كان متخصّصاً في بعض شؤون الرواية، وهو الدكتور جعفر الكتّاني، لأنّ الدكتور البهبيتي كان متخصّصاً في الكتابات النقديّة والحضاريّة القديمة، ولا أحسبه كان ملمّاً بالنصوص الروائيّة ولا من هُواةِ قراءتها أيضاً. ونستخلص ذلك من مَقْتِه للشعر الجديد، فقد كان بيدي يوماً أحدُ دواوينِ أستاذي محمدٍ عزيز الحَبابي، فساءلت شيخي، في خبث، عن رأيه في مثل هذا الشعر الجديد، فأجابني بالحرف في خبث بادٍ: «قرأت هذا الديوان، فضحِكتُ، ضحكت، حتى كاد الضحك يقتلني»!

ويبدو أنّ رواية «دماء ودوموع»، وهي أوّل ما كتبت في هذا الجنس الأدبيّ، لم تلقَ الجَدّ الذي كنت أنتظر لها، إذ ظلّتْ مخطوطةً فلم تنشر، في هيئة كتاب، إلاّ منذ بضع سنين في دار البصائر الجديدة بالجزائر، قبل أن يتكرّم مختبر السرديّات بجامعة قسنطينة فينشرَ مجموعة أعمالي السرديّة، غير الكاملة، وهو مشكور مبرور.

وبالمناسبة، فإنّه لا بدّ لي مِن أن أذكرَ شيئاً للقارئ الكريم عن الجهد العظيم الذي نهض به مختبر السرديات، ممثَّلاً في أعضائه من زملائي الأكارم الأعاظم القَسَنْطِيِّينَ، فقد كانت عامّة أعمالي السرديّة لا تبرح مخطوطةً (مرقونة على آلة كاتبة بدائيّة)، فقدّمْت النصوص المخطوطة للصديق الأستاذ الدكتور يوسف وغليسي الذي كلّف الرّواقِنَ بِرَقْنها، وهنّ، لعمري، حيث يكنّ، لا يرقُنَّ إلاّ خَطأً وحُوباً! أقول ذلك وأنا «جُذَيْلُها الْمُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها الْمُرَجَّب»، بلغة الحُباب، فقد رماني الحَدَثانُ بهنّ، فكابدت من جهلهنّ مكابدة يشيب لها شعور الوِلدان فيرتدُّ ما كان منها سوداً بِيضاً، ويرتدّ ما كان منها بِيضاً سُوداً، كشُعور نِسوة آلِ حرْب، بلغة عبد الله بن الزبير الأسَديّ، في أصحّ النّسْبة!… فلمّا وافاني بالنصوص لأنظر في شأنها، بعد العَيَثان فيها، أنكرتُها إنكاراً؛ فقد كانت عربيّتها غيرَ عربيّتي، وأسلوبها غيرَ أسلوبي، وما فيها ممّا لم أقُلْه أكثر ممّا قلته، فتبادلْنا الرأي عن الكيفيّة التي يتمّ بها إصلاح هذا الأمر، والإفلات من هذا المأزق، فانتهى بنا الاِتّفاق، أوّلَ مرّة، إلى أنّ ذلك سيتولاّه السادة أعضاء المختبر أنفسُهم، في إحدى العطل الصيفيّة (أظنّها عطلة صيف سنة 2009)، بحيث كلٌّ منهم يتكفّل بتصحيح نصٍّ من نصوص الروايات العشرِ.

لكنْ بدا لي، بعد حين، وأنا أقرأ شيئاً من نصوصها أنّي أتولّى التصحيح بنفسي، لأنّ أهلَ مكّة أدرَى بشِعابها، ولأنّه ما حكّ جِلدَك مثلُ ظُفْرك، والعمل الإبداعيّ بالذات إن استطاع أن يتولّى تصحيحَه صاحبُه بنفسه، فقد يكون ذلك أصلحَ لنسْجه، وأقوَمَ للغته… وكانت فرصة، إذن، لأُعيد قراءة نصّيْ «دماء ودموع»، و«نار ونور»، خِصِّيصَى، على الرغم من أنّ الأخيرة كانت نُشرت بالقاهرة سنة 1975، فأحذف وأنقص، وأُضيف وأَزيد، ممّا لم يكن في النصّ الأصليّ إلى حدّ أنّ الدكتور يوسف وغليسي، بعد الاطّلاع على النصوص الجديدة، وخصوصاً نصَّ «دماء ودموع»، كتب لي: إنّ الروائيّ «قد أعاد كتابتها بعد ما عاث فيها جمالاً! فجاءت نسخة [دار] البصائر الجديدة: المنقّحة والمعدّلة والمجمّلة، مختلفة كثيراً عن نسخة «الجمهوريّة» الأولى». (يوسف وغليسي، من تقديمه لرواية «دماء ودموع»، ضمن «الأعمال السرديّة الكاملة»، المجلّد الأوّل، ص. 57 (منشورات مختبر السرد العربي، جامعة منتوري-قسنطينة).

وممّا ينبغي ذِكرُه للقارئ الكريم عن رواية «دماء ودموع» الشقيّة، أنّي في سنة ثلاثٍ وستّين وتسعمائة وألف ذهبت بنصّها المخطوط الوحيد، من وهران إلى الجزائر، إلى أستاذي محمد الميلي رحمه الله، وكان يومئذٍ رئيساً لتحرير جريدة «الشعب»، اليوميّة الوحيدة على المستوى الوطنيّ، بساحة موريس أُودان، بعد أن قدّمتُ له نفسي بأنّي كنت درسْتُ عليه في معهد ابن باديس بقسنطينة، فسُرّ لذلك، وأخذ النّصّ منّي فتفاءلت خيراً كثيراً، غير أنّي انتظرت شهوراً طِوالاً عسى أن أرى الرواية تُنشر مسلسلةً على صفحات «الشعب» اليوميّة، فلم أرَ لذلك أثَراً. فلمّا كان ذلك، ودّعْت صِحابي، وامتطيت رِكابي، ويمّمت المحروسة المحميّة البيضاء، في قطار وئيدٍ كأنّه الشيخ الفاني حين يُمنَى بالإصعاد في عقَبة كأْداءَ، وصادفت الأستاذ الميلي في مكتبه بالعناية المقدَّرة، فاستقبلني استقبالاً حسناً، وفوجئت وهو يقول لي: إنّ نصّ الرواية لا يوجد بمكاتب الجريدة، ولكنّه يوجد في دكّان حليلتي بشارع العربي بلمهيدي، هيا فلنذهبْ معاً إلى الدكّان (وكان دكان حرمه يقَع تحت مقرّ اتحاد الكتّاب الجزائريّين)؛ فتجشّم الأستاذ المفضال، على ذلك، أن يصعد عقبة شارع ديدوش مراد معي راجلاً، فانطلقْنا معاً لاهثيْنِ إلى أن بلغْنا دكّان مَصونته، فناولتْني نصّ المخطوطة آمناً لم يمسَسْه سوء.

ولم يعلّق أحدُنا، لا أنا ولا هو، لِمَ لمْ تنشر الرواية مسلسلة والنصوصُ الأدبيّة مثلُها كانت يومئذ من الندرة بمكان، وكنّا نعيش السنة الثانية من عهد الاستقلال عن فرنسا. 

وعُدت من المحروسة المحميّة البيضاء، وأنا طافح بالسعادة الكبرى، وقد رضِيتُ من الغنيمة بالإياب، بتعبير الملك الضِّلِّيل، لأنّ نصّ تلك الرواية كان يمكن أن يضيع منّي إلى الأبد فأشقى شقاءً ليس مثلُه شقاء، إذْ لم أكن احتفظت لي منه بأيّ نسخة أخرى! وقد سلّمته النّصّ الأصليّ دون تصويره، لأحتفظَ بنسخة منه، وذلك لسذاجةٍ ربما تحدث لكلّ المبتدئين في حرفة الأدب. وقد يكون منعني من ذلك أنّ جيبي لم يكن في سَعَةٍ من أمره ليُنفق ثمن تصوير نصٍّ يشتمل على أكثرَ من ثلاثمائة صفحةٍ!

وانتهت مغامرة نشر الرواية الشقيّة لدى هذا المسعى باليأس القاتم، فاستسلمتْ للقبوع في مكتبة كاتبها خمسة عشرَ عاماً قبل أن تُنشَر في جريدة «الجمهوريّة» بوهران مسلسلة، كما سبق في الحديث عنها..

وإنّي لا أدري ما ذا كان يمنع مِن أن تنشر جريدة «الشعب» في ذلك الزمن المبكّر من عهد الاستقلال نصّاً روائيّاً يتحدّث عن الثورة الجزائريّة العظمى، وكان العهد بها لا يبرح حديثاً، لولا مجرّدُ سوء حظّ هذه الرواية التي صاحبَها الشؤم حتّى خُرِّقت تخريقاً… ولولا أنّ التاريخ أبى أن يسجّل ذلك فتحسم مسألة أوّليّة مَن كتب أوّلُ، في الجزائر، الروايةَ الأولى؟… 

وقد كان زعم لي أحد الزملاء بجامعة وهران أنّه لا يجوز للكاتب أن يراجع ما كتب أوّل مرّةٍ، وكأنّ ما كان كتبه أوّلُ، هو وحْياً مقدَّساً نزل عليه به ملَكٌ كريمٌ من لَدُنِ السماء؛ فليس يجوز أن يقع تغييره أو تبديله فتيلاً!… بل إنّ نرى أيّ كاتب هو حُرّ في أن ينقّح ما ينقّح من أعماله المكتوبة، ما دام حيّاً، وذلك عمَلاً بمقولة القاضي الفاضل عبد الرحيم بن القاضي الأشرف اللخميّ البيسانيّ، مجير الدين أبي عليّ العسقلانيّ المولد، المصريّ الدار، المشهور بالقاضي الفاضل من وزراء صلاح الدين، لعماد الدين الكاتب الأصبهاني الذي تنسب إليه المقولة التي سندرجها خطأً. فقد كان العسقلاني خاطب عماد الدين الأصبهاني بتلك الكلمة العجيبة التي بنَينا عليها نظريّة «حيز اللغة» (Espace du langage) في بعض كتُبنا التأسيسيّة، (وأحسبه نظريّة النصّ الأدبي)، وقد كان معاصراً له، وهي تتحدّث لأوّل مرّة، عن أسرار الكتابة وعجائبها، في تاريخ نظريّة الكتابة على وجه المطلق، لأنّا لا نعرف لا أهل يونان، ولا غيرَهم من الأمم الأدبيّة القديمة، قالوا مثل هذا، ونصّ الكلمة، كما هو معروف بين الناس: «وقد وقع لي شيءٌ ولا أدري أوَقعَ لك مثلُه أم لا؟ وذلك أنّي رأيت أن لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه، إلاّ قال في غدٍ لو كان غيرُ هذا لكان أحسن؛ ولو زِيدَ هذا لكان يُستحسَن؛ ولو قُدِّمَ هذا لكان أجملَ؛ ولو تُرك هذا لكان أفضلَ؛ وهذا من أعظم العِبَر، ودليلُ استِيلاءِ النقص على جملة البشر».

والبيساني إنّما كان يتحدّث، في نظريّته، عن أحقّية المؤلّف في مراجعة عمله الأدبيّ بعد ليلة واحدة إن شاء، فكيف وقد كان مضى على تاريخ كتابة النصّ الأوّل أكثرُ من ربع قرن، ولم يكن قد طُبع في هيئة كتاب أصلاً، وإنّما نُشر في جريدة «الجمهوريّة» الوهرانيّة مجزّأً منجّماً على زهاء تسعين حلقة؟(21)

في الفصل الأوّل من الكتاب، تحدث الدكتور عبد الملك مرتاض عن:الأجناس الأدبيّة بين الحدود، واللاّحدود، وقد خلص في ختام هذا الفصل إلى   أنّ كلّ أديب،   يصطنع اللّغة في توصيف المشاهد، ورسْم المناظر، بالاِلْتِحاد إلى خياله يستخدمه إلى أقصى الحدود الممكنة؛ فكيف يمكن وضْعُ الفواصل والحدود بين جنس أدبيّ، وجنس أدبيّ آخر…؟ أمّا بعض النّقّاد الجدُد في الغرب فقد بدءوا ينادُون بضرورة إلغاء هذه الحدود بين الأجناس الأدبيّة لتُتْرَكَ الحرّية الفنّيّة للأديب من حيث إنّ تلك الحرّيّة تظاهرُه على الارتقاء في كتابته إلى أعلى الْمَرَاقِي الممكنة في سلّم الإبداع. وأمّا ما ينبغي النهوضُ به إزاء هذه المسألة الْمَريجة فإنّه قد يكون من المنطق الاحتفاظُ بالأسس الكبرى لكلّ جنس أدبيّ؛ إذ كلّ النّاس لا يعرفُ الشّعْرَ إلاّ على أنّه مختلف عن النّثر. ولقد يعني ذلك أنّ أيّ شعر يجب أن يحتفظ بجملة من الخصائص اللّغويّة والجماليّة الذّاتيّة التي تكون فيه وحدَه ولا تكون في سَوائِهِ من الأجناس الأُخَرِ. في حين أنّ الكتابة النّثريّة على الرّغم من اشتراكها مع الشّعر في الْتماس الجمال الفنّيّ فيها، فإنّها تظلّ نثراً يتمتّع بمقدار كبير من حرّيّة النّسج. فالشّاعر يكثّف، والكاتب يفصّل، ولا حرج عليهما. والشّاعر يلتمس الإيقاع كلّه، أو شيئاً منه، والكاتب لا يعنيه من أمر الإيقاع شيءٌ إلاّ إذا أراد أن يضيّق على نفسه فيسعى إلى استعمال السّجع الثقيل، إن كان أهلاً لاستعماله أصلاً.

وإذن، فهل من الحقّ أن نجعل للكاتب حدوداً وحواجزَ لا يجاوزها، فإن جاوزها احترق؟ أو نترك له الحرّيّة المطلقة يكتب كيف يشاء فيلبِس بين الشّعر والسّرد والمقالة ولا إثمَ عليه، ولا حرجاً؟ أو يجب أن يقوم الكاتب من ذلك مقاماً وسَطاً بحيث يركَحُ في كتابته إلى أسس فنّيّة مركزيّة تميّز كتابتَه فتتصنّف في جنس أدبيّ معيّن، ولكن لا شيءَ من الحرج عليه، أثناء ذلك، إذا طعّم كتابته ببعض الخصائص الفنّيّة التي لا توجد في الجنس الذي يكتب فيه، فهو يستعيرها للتّمكين لكتابته مِن أن ترقَى إلى قمّة الجمال الفنّيّ؟… وهل الواحديّة ممكنة في الكتابة الفنّيّة بحيث نكتب نصّاً موحّد الشّكل، ونقرؤه كما أُلقي إلينا؟ وهل المطالبة بإلغاء التّقسيم القديم في تصنيف الكتابة يحُلّ المعضلة أو يزيدها تعقيداً؟ وهل حقّاً يسهل على الشّاعر أن يصبح روائيّاً، والروائيّ شاعراً، والمسرحيّ قاصّاً، والقاصّ مسرحيّاً، دون أن يقع خلل في نظام البنية النّسجيّة والتّقنيّة والجماليّة للنّصّ الأدبيّ من حيث فضاؤُه سطحاً وعمقاً؟…

أسئلة ندسّها للقارئ  ولا نحبّذ نحن الإجابة عنها، هنا، والآن(22).

وفي الفصل الثاني من الكتاب، تساءل الدكتور عبد الملك مرتاض:تحليل السرديّات: بأيّ منهجٍ؟، وقد افتتح هذا الفصل بما قاله، رولان بارط: «ما أكثرَ الأعمالَ السّرديّةَ في العالم. غير أنّ هذه الكثرةَ لا تزيدها، قبل كلّ شيء، إلاّ تنوُّعاً لأجناسها. ولَتَجِدَنَّ الأعمالَ السّرديّةَ هي نفسَها موزَّعةً بين الماهيّات المختلفات؛ حتّى لَكأنّ أيَّ مأَدّةٍ منها تغتدي ملائمةً للإنسان، لِكيما يُفْضيَ من خلالها بسُرُودِه».و يعتقد الدكتور عبد الملك مرتاض، من خلال هذا الفصل أن   الشّكلانيُّ الرّوسيّ، فلاديمير بروب (1895-1970)، قد أتعب النقَدَةَ ومنظّري الأدب بعامّة، والمنظّرين للأدب السّرديّ بخاصّة، ممّن جاءوا بعده في العالم؛ وذلك منذ أن حصر جملة من الثوابت والمتحوِّلات معاً في الحكاية الخرافيّة بحيث لا تعْدوها، فجعل وظائف التّحليل السّرديّة بالقياس إلى الحكاية الخرافيّة لا تتجاوز إحدى وثلاثين وظيفةً؛ فهو أوّل منظّرٍ في تاريخ النقد الأدبيّ في العالم، استطاع أن يقنّن التّحليل السّرديّ فيجعلَه قائماً على وظائفَ صارمةٍ ثابتة لا يَعْدوها، ويحصرها في مجالات لا تجاوزها. فهو الأصل في التّنظير والْمَنْهَجَة للحكاية الشّعبيّة التي أسّس لها ما يمكن أن نسمّيَه «نحْواً» يقنّن شكلَها: فجعل أصناف الشّخصيّات التي تتواجد في الحكاية الشّعبيّة لا تجاوز سبعة أصناف؛ على حين أنّ الوظائف السّرديّة لا تجاوز إحدى وثلاثين، وذلك في كتابه الشّهير الذي نشره عام 1928 بعنوان: «Morfologija skazki» أي «مُرْفولوجيا الحكاية»؛ ولكنّه لم يترجَم إلى أهمّ اللّغات الأوربيّة إلاّ في نهاية الأعوام الخمسين من القرن العشرين: فقد تُرجم إلى الإنجليزيّة سنة 1958، على حين أنّ الطّبعة الثانية صدرت منه في هذه اللّغة نفسِها سنة 1968؛ كما تُرجم إلى الفرنسيّة سنة 1965، وصدرت الطّبعة الثانية منه في عام 1970؛ في حين تُرجم إلى اللّغة الإيطالية عام 1966. ولم يترجم إلى اللّغة العربيّة (ولكن عن اللّغة الفرنسيّة مع الأسف، لا عن اللّغة الروسيّة، أي اللغة الأصليّة التي كُتب بها الكتاب) إلاّ في عام 1986؛ فقد ترجمه الصديق الأستاذ إبراهيم الخطيب من المغرب بعنوان: «مورفولوجيّة الخرافة». وقد أهدى إليّ نسخة من ترجمته مشكوراً، في إحدى زياراته الجزائرَ. ونحن نرى أنّ من الأفضل الاستغناءَ عن الواو في كتابة لفظة «مورفولوجية» وذلك لوقوعها بجوار ساكنٍ آخر ممّا لا يجوز استعمالُه في العربيّة الصحيحة؛ يضاف إلى ذلك أنّ هذه الياء ليست هنا لا للنّسبة ولا للمصدريّة؛ ولذلك وجب كتابةُ ما بعدها ألفاً لا هاءً؛ وذلك حتّى يمكن التّمييزُ بين الاِسم في حدّ ذاته، والنّسبة إليه، ونقيس ذلك على اختياراتنا في كتابة الإِدْيولوجيا والإديولوجيّة اللتيني تعنيان شيئاً مختلفاً فيهما(23)..  

وأمّا «الخرافة»، فيذهب الدكتور عبد الملك مرتاض إلى القول بشأنها : فلا أحسب أنّ فلاديمير بروب كان يقصد إليها وحدَها؛ لأنّ هناك مصطلحاتٍ متباينةً تختلف باختلاف النّوع السّرديّ الشّعبيّ؛ فهناك «الحكاية الشّعبيّة» وهي التي لها صلة بالتّاريخ، وهناك «الحكاية الخرافيّة» وهي التي لها صلة بالإنسان، ولكن لا صلة لها بالتّاريخ، وتوجد «الخرافة» (دون وصْف) التي لا تحكي إلاّ ما يجري على ألسنة الحيوانات كخرافات «كليلة ودمنة»،  وخرافات «Les Fables» للكاتب الفرنسيّ لافونتين حيث لا وجودَ فيها للشّخصيّات البشريّة؛ وإنّما الحيوانات هي التي تقوم مقامها. وأيّاً ما يكن الشّأن، فكلّ الشّكر والتّقدير للأستاذ إبراهيم الخطيب على مبادرته إلى ترجمة هذا الكتاب العالميِّ الأبعاد، والعظيم التّأثير في حركة التّحليل السّرديّ إلى اللغة العربيّة؛ بيْد أنّ ترجمته تحتاج إلى مراجعة جادّة على مستوى المصطلح خصوصاً كي يستقيم بها، أو لها الطّريق. والذي يعنينا، هنا والآن، هو طرْح مجموعة من المساءلات عن طرائق التّحليل للعمل السّرديّ من حيث هو على الرّغم من ضيق المساحة المخصّصة لمثل هذه المقالات … وإذن فما العمل السّرديّ؟ وما الهدف من وراء إبداعه؟ أمّا الجواب عن السّؤال الأوّل فهو في غاية الصّعوبة؛ لأنّ مجالات العمل السّرديّ كثيرة ولا تكاد تحصر؛ فكأنّ كلّ أدب خياليّ يقوم على الحكْي، وعلى استعمال الشّخصيّات، وعلى اختلاق الحدث، وعلى الحيز ووصْفه هو عمل سرديّ بغضّ الطّرْف عن لغته وهل هي فصيحة أو عامّيّة؟ ثمّ بغضّ الطّرْف عن شكله وأنّه هل يُقرأ في دفّة كتاب، أم يُتَلقَّى عن طريق الرّواة؟

وأمّا الإجابة عن المساءلة الثانية فقد حاول أن يجيب عنها جان ميشال آدم، وفرانسواز روفاز، صاحبا كتاب: «تحليل السّرديّات»، فتساءلا أوَّلُ عن ماهيّة عمل سرديّ ما، ثمّ أجابا بأنّه يمكن أن يكون «فعلاً يحدث؛ أو فعلاً عبارةً عن تسلسل أحداث؛ أو شخصيّة وفعلاً أساساً؛ أو وصْفاً لفِعل مستمرّ ينتهي إلى نهاية؛ أو علاقةَ أفعالٍ متعاقبة لشخصيّة ما». (تحليل السّرديّات، ص.14، باريس، 1996. والنّصّ من ترجمتنا).

 إنّ الذين كتبوا بعد فلاديمير بروب عن التّحليل السّرديّ، سواء علينا أكان ذلك متمحّضاً لتحليل الأعمال السّرديّة الشّفويّة كالحكاية الخرافيّة (كلود ليفي سطروس)، أم لتحليل الأعمال السّرديّة المكتوبة (قريماس)، وخصوصاً أمبرتو إيكو في مقالته المتألّقة التي كتبها عام 1966 عن مجموعة من الرّوايات الأوربيّة، وخصوصاً رواية «الملهى الملَكيّ» لفلْمينق؛ فقد حاول أن يؤسّس من استنتاجات قراءاته لبضعة نصوصٍ روائيّة أربعَ عشرةَ ثنائيّة، أو زوجاً،  تذكِّر، من طرْف خفيّ، بالأصناف السّبعة للشّخصيّات، والوظائف الإحدى والثلاثين لدى فلاديمير بروب. ونستخلص من بعض هذه الإشارات السّريعة أنّ الأعمال التّطبيقيّة لتحليل السّرديّات ترتبط غالباً بتأسيسات هذا الشّكلانيّ الرّوسيّ الذي ظلّ، منذ تُرجم كتابُه إلى اللّغات العالميّة الحيّة، محلّلُو السّرديّات يشُنّون عليه الغارة(24).. 

ونتيجة لنظريّته العجيبة بدأت الكتابات الحداثيّة تظهر هنا وهناك عن طرائق التحليل للأعمال السّرديّة. ومن الأعمال التّنظيريّة الشّهيرة مقالة المنظّر الفرنسيّ رولان بارط الذي نشرها في العدد الثامن من مجلّة «تواصل» الباريسيّة عام 1966 بعنوان: «مدخل في التحليل البِنَوِيّ للعمل السّردي». وقد ترجمها إلى العربيّة الأصدقاء حسن بحراوي، وبشير القمريّ، وعبد الحميد عقّار من المغرب: نقلاً عن كتاب «شعريّة القصّ» المنشور عام 1977 بباريس، وليس عن المصدر الأصليّ الذي هو المجلّة التي ذكرنا عنوانها آنفاً.  ونلاحظ، بالإضافة إلى ذلك، على ترجمة الأصدقاء الثلاثة ما كنّا لاحظناه على جهد إبراهيم الخطيب؛ فعلى الرّغم من أنّ هذه المقالة ليست من الطّول الذي تُضني ترجمتُه، إلاّ أنّ هناك بعض الهَناتِ  يمكن ذكْرُها، حين يحِين حِينُها. ويظلّ هؤلاء النّقّاد المتألّقون، مع ذلك، مشكورين على ما بادروا إليه. وكان العدد الثامن الخاصّ بطرائق التّحليل من المجلّة الفرنسيّة السّابق ذكرُها مجالاً لمنظّرين آخرين كبار أسهموا في تحرير مقالاته منهم أمبرتو إيكو، وجيرار جينات، وطودوروف، وكلود بريمون. وكلّ المقالات التي كتبها المشار إليهم تدرُج في مُضْطَرَب موضة البنية، والتّحليل من وجهة نظرٍ بِنَويّة خالصة، قبل كلّ شيء.ولذلك سعى النّقَدةُ الذين جاءوا بعد هؤلاء أن يطوّروا في منهجيّة التّحليل السّرديّ، ولو على هونٍ ما، فإذا «السّردانيّةُ تتجاوز مجرّد الوصْف لأفعال البنية إلى التّكفّل بالتّوصيل (…). وإذا كان التّحليل البِنَويّ وتغيّراته السّيمِيائيّة ساعدا على اعتبار النّصّ في حقيقته الشّكليّة، والعمل على وصْف اشتغاله؛ فإنّهما عمِلاَ على اسقلاليّته على نحو محزن. إنّ السّردانيّة المعاصرة تضع الخطاب السّرديّ في إستراتيجيّة التّوصيل. ذلك بأنّ مُنتج العمل السّرديّ لا يعمل إلاّ على بَنْيَنَةِ نصِّه بحسب التّأثيرات التي يودّ أن يحدثها لدى  المؤوِّل».  

ومن الذين تناولوا طرائق التّحليل السّرديّ بأنواعه المنظّر الإيطاليّ أمبرتو إيكو في كتابه «قراءة في الخرافة»، وﭘول ريكور في كتابه الذي يقع في ثلاثة أجزاء: «الزّمن، والعمل السّرديّ».ونحن نعتقد أنّ كثرة الأجناس التي تعتمد على السّمات اللّفظيّة مثل السّرديّات الأدبيّة (الشّفويّة والمكتوبة، والشّعبيّة والفصيحة) تستدعي افتراض منهجيّات لها تقنّن مسارها، وتحدّد معالمها، وذلك من خلال الثوابت والمتغيّرات فيها؛ فأيّ عمل سرديّ مثلاً لكي يكون كذلك لا بدّ له مِن أن يشتمل على الحدّ الذي يخوّل له من العناصر والمقوّمات والبِنى أن يكون كذلك: اللّغة، والشّخصيّة، والحدث، والمكان، والزّمان…

وقد توسّع اليوم مفهوم العمل السّرديّ تحت منافسة أشكال سرديّة أخرى تخرج عن الإطار التّقليديّ، أو المدرسيّ، مثل الرّسوم المتحرّكة، والرّواية المصوَّرة، والشّريط السّينمائي، والمسرحيّة المعروضة، وهلمّ جرّاً… من أجل كلّ ذلك لا نعتقد أنّ نظريّة الشّخصيّات السّبع، والوظائف الإحدى والثلاثين التي جاء بها فلاديمير بروب تظلّ صالحة لأن يرتكز عليها محلّلُو الأعمالِ السّرديّة إلى الأبد، وأولى لها أن تظلّ مقتصرةً على الأعمال السّرديّة الشّفويّة (والحكاية الخرافيّة خصوصاً) كما أراد لها ذلك صاحبُها هو نفسه في أصل التدبير؛ لأنّ حتميّة المعرفة تقتضي أن يوضع لكلّ نصٍّ سرديّ ما يلائمه من منهج يحلَّل به في إطار النّظريّة العامّة لأصول التّحليل الأدبيّ المعاصر.ولا يمكن الحديث هنا عن هذه المناهج لأنّ دون ذلك كتابةَ مجلّدات ضِخام، ولكلّ مقام مقال(25)..

وفي الفصل الثالث من الكتاب، تحدث الدكتور عبد الملك مرتاض، عن المسألة اللّغوية والكتابة السرديّة، وقد اففتح هذا الفصل بوصف اللّغة، حيث نلفيه ،يقول:لا يكون السرد إلاّ باللغة، واللّغة هي وسيلة التبليغ بكلّ أنواعه بين البشر. واللغة هي التي تميّز الإنسان الناطق، عن الحيوان الأعجم. واللّغة هي التي تعلَن بها الحروب بين مجانين البشر الذين تكاثروا على هذا العهد البئيس من أيام التاريخ الحزين. واللغة هي التي يُتَّفَقُ بها على السلام بين عقلاء البشر، وقلّما يفعلون. واللغة هي التي نزل بها الوحي الإلهيّ من السماء. واللغة هي التي يتحادث بها الناس في الجنّة، والجحيم أيضاً…

واللّغة هي إحدى معجزات اللّه على الأرض(26)…. 

ومن بين الدراسات الثمينة، التي نجدها في الكتاب، دراسة عن :ملامح الشخصية في القصة اليمانِيَة المعاصرة، ومن  بين جاء فيها(27):كانت النِّيَّة حين أردنا دراسة القصة اليمانيَة المعاصرة، معقودةً على أن نمسح بالقراءة مجموعاتٍ قصصيّةً متعدّدة في سَعْيٍ إلى تقديم أكبر ما يمكن من الكتابات عن القصّة اليمانِيَّة التي أشهد لها بأنها متميّزة بخصائصَ تستبدّ بها، من بين الكتابات القصصية العربيّة مشرقاً ومغرباً، ومنها المحلّيّة الصادقة: فهي تضُوع بعبَق الشِّيح اليمانِي وعَرَاره، وتتنفّس عن نسيم أوديَته العميقة، ومياهه الرقراقة، وجباله الشاهقة، وفجاجه العريضة، و«معلَّقاته» (مدرّجاته) البديعة، كما تعكس لغتُها الفنية وهجَ الشمس وحرَّها، وضوء القمر ووداعته، والغبار الذي تثيره السوافي، كما تصور بصدق عجيب محليّة اليمن في مَقايِله وحياته الاجتماعية والسياسية في شيء كثير من حرية التعبير، وعمق التفكير.

 

الهوامش:

(1) ابن منظور:لسان العرب،مادة:سرد،دار لسان العرب،بيروت،لبنان(د.ت).  وقد استقينا بعض المعلومات   بشيء من التصرف من دراسة للباحث  الدكتور أحمد ياسين العرود :ألف ليلة وليلة :حرية السرد/سرد الحريّة ، مجلة الآداب،مجلة علمية متخصصة ومحكمة تصدر عن قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة قسنطينة-الجزائر،العدد:09،1429هـ/2008م،ص:69.

(2) مجدي  وهبة :  و كامل المهندس  :معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب،مكتبة لبنان،بيروت،ط:02،   1998م،ص:198.

(3) د.محمد التونجي:  المعجم المفصل في الأدب،ص:523.

(4) أحمد طالب:الزمان:آلية منطق السرد، مجلة الفيصل الأدبية،ثقافية فصلية يصدر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات،الرياض،المملكة العربية السعودية،المجلد السادس،العددان:1-2،ذو القعدة1430هـ-المحرم1431هـ/صفر-ربيع الآخر1431هـ،ص:45. 

(5)د.محمد بوعزة:تحليل النص السردي-تقنيات ومفاهيم- ،منشورات الدار العربية للعلوم ناشرون،بيروت، لبنان،ومنشورات الاختلاف،الجزائر،ط: 01 ،1431هـ/2010م ،ص:87.  

     وقد قدم الباحث توضيحاً يُبرز هذا الترتيب،أي أنه   إذا افترضنا أحداثاَ في قصة ما تروى من البداية إلى النهاية وفق الترتيب الطبيعي:حدث1-حدث2- حدث3، فإن زمن السرد قد يأتي على الترتيب التالي:حدث1-حدث3-حدث2 ، أو على الترتيب التالي:حدث2-حدث3-حدث1،أو على الترتيب التالي:حدث3-حدث1-حدث2. على خلاف زمن القصة الذي يخضع للترتيب الطبيعي المنطقي،ويُتيح زمن السرد للروائي إمكانيات، واحتمالات متعددة لإعادة كتابة القصة،ذلك أن القصة الواحدة يمكن أن تروى بطرائق متعددة، ومختلفة،فلو أعطينا قصة واحدة لمجموعة من الروائيين، فإن كل واحد سيمنح لأحداثها ترتيباً زمنياً يتناسب مع اختياراته الفنية، وغاياته الفنية،فيقدم،ويؤخر في الأحداث بما يحقق غاياته الجمالية،فخاصية زمن السرد أنه لا يُطابق الترتيب الطبيعي للأحداث في القصة،وهذا ما يُسمى بالمفارقات الزمنية،فلكل زمن نظامه الخاص، وما يحدث بين الزمنين من تفاوت بينهما يولد مفارقات زمنية». محمد بوعزة:تحليل النص السردي-تقنيات ومفاهيم- ،ص:88.

(6)أحمد ياسين العرود :ألف ليلة وليلة :حرية السرد/سرد الحريّة ، مجلة الآداب،مجلة علمية متخصصة ومحكمة تصدر عن قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة قسنطينة-الجزائر،العدد:09،1429هـ/2008م،ص:72.

 (7)د.محمد مشبال: في بلاغة الحجاج نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات،منشورات دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع،ط:01،1438هـ/2017م،ص:122.

(8) د.عبد القادر شرشار:   المرجع السابق ،ص:142.

(9)د.محمد القاضي:تحليل النص السردي بين النظرية والتطبيق  ، منشورات دار مسكلياني للنشر والتوزيع،تونس،ط: 02 ،2003م   ،ص:57. 

(10)   عالج تودوروف قضية الزمن هذه من جوانب ثلاثة:

1-تغيير الزمن: وقد جعله الشكلانيون الجانب الوحيد الذي يميز الخطاب من الحكاية،ذلك أن تغيير نظام الأصوات،أو الكلمات، أو الأحداث، يؤدي إلى تغيير تام في معناها،ودلالتها….

2-التسلسل والتناوب والتضمين:إن القصة يمكن أن تضم ّ عدداً من الحكايات. فكيف تترابط فيما بينها؟ نجد في القصص الشعبي و،في مجامع الأقاصيص ضربين من ضروب الترابط بين الحكايات هما التسلسل والتضمين؛ فالتسلسل يتمثل في   تقديم حكاية، فإذا انتهت بدأت الحكاية الموالية. وعلى هذا النحو تقوم بين الحكايات علاقة تجاور. أما التضمين فإدخال لحكاية في حكاية أخرى. وخير مثال عليه “ألف ليلة وليلة”. وأما التناوب فرواية لحكايتين في آن واحد. وذلك بقطع هذه مرة، وتلك أخرى، وهذه الطريقة إنما توجد في الأدب المكتوب….

-الترتيب: إن الاختلاف بين زمنية الحكاية، وزمنية الخطاب من حيث طبيعة كل منهما يجر حتما في الخطاب إلى ضروب من التصرف في الزمن. فينشأ عن ذلك ارتداد في الزمن، واستباق. ويمكن أن تنشأ بينهما أنواع من العلاقات.

-المدة: ليس من شك في أن المدة التي يستغرقها إنجاز الحدث تختلف عن المدة التي يستغرقها الحديث عنه ،أو قراءته».  نقلاً عن شروحات،وترجمات للدكتور د.محمد القاضي:تحليل النص السردي بين النظرية والتطبيق  ،ص:58.   

(11) د.عبد القادر شرشار: المرجع السابق  ،ص:143.

(12)د.محمد مشبال: في بلاغة الحجاج نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات  ،ص:122.

(13)د.سعيد يقطين:الكلام والخبر-مقدمة للسرد العربي-،منشورات المركز الثقافي العربي، ط:01،الدر البيضاء، المغرب الأقصى،1997م،ص:223 وما بعدها.

(14) د.محمد ساري: التحليل السيميائي للسرد، مجلة اللغة والأدب،مجلة أكاديمية علمية يصدرها معهد اللغة العربية وآدابها بجامعة الجزائر،العدد:14،شعبان1420هــ/ديسمبر1999م،ص:132  . 

(15) محمد ساري: التحليل السيميائي للسرد،المرجع نفسه،والصفحة نفسها.  

(80) المرجع نفسه،ص:133.

(16)سعيد يقطين:الكلام والخبر-مقدمة للسرد العربي-،المرجع السابق،ص:224.

(17)عبد الحكيم المالكي:السرديات والقصة الليبية القصيرة-نحو مدخل للتقنيات والأنواع- ،منشورات مجلس الثقافة العام ،طرابلس،ليبيا،2006م،ص:12 وما بعدها.   

(18)عبد الحكيم المالكي:السرديات والقصة الليبية القصيرة-نحو مدخل للتقنيات والأنواع- ،ص:14. وهذه الخطوات-كما يذكرها الناقد سعيد يقطين- هي: «إعادة ترتيب الأحداث بحيث تكون مرتبة بشكل خطي ،وذلك للوصول لزمن الحكاية الأول.و تحديد النقطة الأولى لانطلاق النص، أو بداية القصة، وجعلها هي نقطة الصفر.وكل استرجاع يتم فيه العودة لزمن قبل نقطة الصفر زمنيا ،هو استرجاع خارجي، وكل استرجاع يتم بعد نقطة الصفر هو استرجاع داخلي، وعن طريق مفهوم المدى المذكور سابقا بالإمكان معرفة ما إذا كان الاسترجاع داخليا أم خارجيا،كما تتم متابعة الاستباقات، والتي يتم فيها استشراف حدث في المستقبل، والتي هي أيضا: إما أن تكون داخلية، أو خارجية ،وبنفس الطريقة أيضا، عن طريق تحديد مدى المفارقة،وتستخدم السعة لتحديد ما إذا كان الاسترجاع الخارجي- الذي يبدأ كما أشرنا قبل نقطة الصفر- ما إذا كان قبل تلك النقطة أم لا؟ ومن خلال السعة نعرف أين تنتهي المفارقة خارجيا أم أنها ستنتهي داخليا بعد نقطة الصفر،من خلال كل ما سبق من استرجاعات ،واستباقات تتم متابعة حركة الامتداد الزمني إلى الأمام، والخلف، وبعدها الوظيفي».  

(19)سعيد يقطين:الكلام والخبر-مقدمة للسرد العربي-،المرجع السابق،ص:226.

(20)  يُميز الناقد رشيد يحياوي بينهما بالإشارة إلى أن « السرد التخييلي هو المعدود ضمن أنواع التخييل المعاصرة التي لا تقدم نفسها بوصفها تسجيلاً لأحداث وقعت بالفعل كالرواية،والقصة القصيرة.ويدخل في السرد التخييلي أنواع حكائية قديمة من نسج الخيال الفردي،أو الجمعي،حتى لو ادعت واقعيتها،مثل:الأساطير،والخرافات،والملاحم،وحكايات الأمثال.أما السرد غير التخييلي فبخلاف ذلك،كما في اليوميات،والرحلات،والمذكرات السردية،وتقارير الحرب…    وهذا تمييز على وجه الإجمال،لأنه يتشكل من وجوه كثيرة،بحيث لا يخلو السرد غير التخييلي من سرد تخييلي،كما لا يخلو السرد التخييلي من سرد غير تخييلي.يبقى أن ما جرى عليه التعارف هو أن أي سرد له الهيمنة في النصوص المقصودة بالدراسة»،ينظر:  د.رشيد يحياوي :الشعري وسرود النثر:أسئلة في الأثر التخييلي والأثر الحضاري،ينظر السرد وأسئلة الكينونة بحوث مؤتمر عمان الأول للسرد،جمع وإعداد:د.حاتم بن التهامي الفطناسي،منشورات كتاب دبي الثقافية،فبراير2013م،ص:64-65.

(21)د.عبد الملك مرتاض: السَّرْدُ والسَّرْدانيّةُ -عرْضٌ لنظريّات السردانيّة العربيّة المعاصرة، وتحليلات لبعض نصوصها- ،   منشورات دار القدس العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بوهران،2019م، ص:7 وما بعدها.

(22)د.عبد الملك مرتاض: السَّرْدُ والسَّرْدانيّةُ -عرْضٌ لنظريّات السردانيّة العربيّة المعاصرة   ، ص:45 وما بعدها.

(23)د.عبد الملك مرتاض: السَّرْدُ والسَّرْدانيّةُ -عرْضٌ لنظريّات السردانيّة العربيّة المعاصرة،  ص:59 .

(24)د.عبد الملك مرتاض: السَّرْدُ والسَّرْدانيّةُ -عرْضٌ لنظريّات السردانيّة العربيّة المعاصرة،ص:122.  

(25)د.عبد الملك مرتاض: السَّرْدُ والسَّرْدانيّةُ -عرْضٌ لنظريّات السردانيّة العربيّة المعاصرة،  ص:283 .

(26)د.عبد الملك مرتاض: السَّرْدُ والسَّرْدانيّةُ -عرْضٌ لنظريّات السردانيّة العربيّة المعاصرة،  ص:302.

(27)د.عبد الملك مرتاض: السَّرْدُ والسَّرْدانيّةُ -عرْضٌ لنظريّات السردانيّة العربيّة المعاصرة،  ص:377.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!