كانوا يُلقون إلينا كل صباح بحفنة من الأخبار كحفنة الذرة للدجاج كي يظل منقارُه مشغولاً عن الأفق. حروب تُفتعل، عملات تنهار، أوبئةٌ تُفتعل، نزاعات تُختلق على الهواء مباشرة، ووجوه صارخة تملأ الشاشة بغضب مُنمّق.
اما نحن فنلتقط الفتات بشراهة، نتصارع عليه، نثرثر به في المقاهي، نظن أننا نفهم العالم، بينما العالم الحقيقي يُذبح خلف جدار الصوت العالي..
تعلمنا أن نلهث خلف كل طارئ، حتى صرنا نعيش في حكاية مزيفة، وفي كل مرة كانوا يزيدون الجرعة، يجعلون الضوضاء تصمّ الآذان، لئلا تصل إلينا، من بعيد، أصوات الأطفال التي لا تشبه البكاء، والتي لا تشبه أي شيء نعرفه..
كان المخطط بسيطًا: أن يُصبح قلبك مشغولاً بالتفاهة، حتى إذا ذُكرت فلسطين، مرّت على سمعك كأغنيةٍ حزينة قديمة، تعرف لحنها لكنك نسيت كلماتها. أن تتحول المذبحة إلى حدث مؤسف، والمقاومة إلى جماعة مسلحة، والشهيد إلى رقم في شريط الأخبار العاجلة، يمر مرور الكرام تحت وطأة إعلان عن تخفيضات الموسم في مول العرب ،او عن وصول المغنية الأسترالية الى «…» لتحيي ليلة نارية..
الأمر لم يكن نسيانًا حقًا، بل كان تذكرا مُوجّهًا، كمن يُعطيك خريطة مزورة للمدينة، فتظل تائها في شوارعها الخلفية، بينما يحرق البيت الرئيسي الذي خرجتَ منه..
بينما كنا منهمكين في تحليل تصريح لوزير مالية دولة عظمى عن نسبة التضخم، مرّت أمام أعيننا صورة عابرة لطفل يرفع حجارة الدمار بيدين عاريتين. التقطتها عدسةٌ لا تدري من أين تسللت ربما كانت زلة من آلة التضليل الكبيرة. نظرنا إليها لثانية، فارتجف في أعماقنا شيء دفين، أدركنا في تلك اللحظة القصيرة جدًا، أن كل ما نعيشه ليس إلا استراتيجية صمت ، هندسة نسيان مُحكمة، غربلة للروح حتى لا يبقى فيها متسع للحقيقة الوحيدة أن هناك من يُقتل باسمنا، بصمتنا، بانشغالنا.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية