لآفاق حرة
تَفكيكُ الموت
بقلم. ريما آل كلزي، سوريا
-1-
الموتُ ليسَ غايةً، بل مشروعٌ دائمُ التشظي. لا ينهي حياةً، إنما يُعيدُ تشكيلها في هيئةٍ أخرى، كأنما الحكايةُ تُعاد على مسرحٍ من ظلالٍ أبدية.
هامش:
الموتُ مرآةٌ، لا تعكسُ الوجهَ بل العمقَ.
-2-
كان الموتُ في الأساطير القديمة إلهًا يُمسكُ بمفتاح الزمن. وكانت الطقوسُ مجرد محاولةٍ للتفاوض معه. أما اليوم، صار الموتُ ماكنةً عالميةً صامتةً تُدارُ بكبسة زر، يُنهي وجودًا كما يُطفَأُ ضوءُ مصباح.
هامش:
كل موتٍ قصيدةٌ غير مكتملة.
-3-
نحن أبناءُ الموت الذي لا يُعلن عن نفسه، نُحيطُهُ بالأساطير الحديثة. نُلبسهُ عباءةَ القداسةِ أحيانًا، وأحيانًا نتركه عاريًا في الأزقةِ كمتشردٍ لا بيتَ له.
هامش:
الإنسانُ يكتبُ موتهُ بيده، ويثبت في سجل الثقافات الرقمية.
-4-
المؤلفُ في حقيقته، هو صانعُ موتٍ مؤجلٍ. كل نصٍ يكتبهُ هو قبرٌ يحفرهُ بيدٍ من حبر، وكل فكرةٍ يولدها تُضيءُ لحظةً قبل أن تنطفئ كنجمةٍ أبتلعها فم الزمن.
إن الموت المُفْرَغ من البُعد الثالث سيبقى كائنًا هجينًا لا يمكنه الخلود، وربما تستهلكه مجسمات الطين.
هامش:
الكتابةُ ماءُ الروح، والموتُ حريقُها. ولكنها تغرق بأنين ناي.
-5-
الموتُ، مثل اللغة، يملكُ معجمًا من الرموز. كل ثقافةٍ تُعيدُ تشكيلهُ بما يناسبُ خيالها. لكن، هل الموتُ الذي يسكنُ الأساطير هو ذاتهُ الذي يزورهُ الطبيبُ في مشفى؟ أم أن الموتَ في الواقعِ مُجردُ ظِلٍ باهتٍ لأسطورةٍ عتيقة؟
هامش:
الموسيقى التي تُعزفُ للموت، هي ذاتُها التي تُحيي الأرواح.
-6-
ما تقدمهُ الفنون اليوم من مشاهدَ موتٍ، يتجاوزُ كل الأساطير القديمة. فيلماً واحداً قد يُعيدُ تشكيل الموتِ كحدثٍ تكنولوجي مُذهل، يمكنُ إيقافهُ أو تأجيلهُ بزرِّ إيقافٍ مؤقت. صار الموتُ في الخيال مُجردَ خيارٍ بين الحياةِ والمغامرة.
هامش:
الموتُ لا يملكُ أجنحة، لكنهُ يسقطُ بسرعةٍ ككائنٍ من رماد.
-7-
نحن العرب شعراء وأدباء –شعوباً مغلولةً إلى واقعها– ما زلنا نُجادلُ في أساطير الموت: هل يموتُ الإنسانُ قبل أن يُولدَ، أم يُولدُ في كل موتٍ جديد؟
هامش:
الموتُ في الشرقِ سجادةٌ من دمٍ، تُطوى ولا تُعلقُ على الجدران.
-8-
ما من شاهدٍ على القبور سوى الريح.
-9-
هو الذي يدفنُ صوتهُ، ليُحيي في الصمتِ أغنيةً.
-10-
الموتُ مثلُ البحر: منهُ ما يفيضُ، ومنهُ ما يبتلعُ، ومنهُ ما يبقى أفقًا بعيدًا بعيدًا.
-11-
كل تفكيكٍ للموتِ يعني تفكيكًا لفكرةِ الخوف. وهو ما يعني تحريرًا للإنسانِ من أغلالهِ الأولى.
هامش:
من أكبر خرافات الموت: أن الرحيلَ نهايةٌ!
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية