في السرد المعاصر: تحولات الخطاب الروائي/بقلم:حسن لمين( المغرب )

يُعدّ السرد المعاصر فضاءً ديناميًا تتقاطع فيه التحولات الجمالية والفكرية، حيث لم يعد الخطاب الروائي مجرد حكاية تُروى وفق نسق خطي مستقر، بل أضحى مجالًا مفتوحًا لإعادة تشكيل العالم عبر أشكال سردية متحولة، تتجاوز القوالب التقليدية نحو أفق أكثر تعقيدًا وتشظيًا. من هذا المنطلق، تغدو دراسة تحولات الخطاب الروائي مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة الرواية المعاصرة، بوصفها خطابًا يعكس قلق الإنسان الحديث وتوتراته الوجودية، كما يكشف عن انزياحات عميقة في طرائق بناء المعنى وتمثيل الواقع.

لقد شهد الخطاب الروائي انتقالًا ملحوظًا من مركزية الحكاية إلى مركزية الخطاب، حيث لم يعد المهم هو “ماذا يُروى”، بل “كيف يُروى”. هذا التحول أفضى إلى إعادة النظر في البنيات السردية التقليدية، فانهارت خطية الزمن، وتفككت وحدة الحدث، وتعددت الأصوات، مما جعل النص الروائي أقرب إلى فسيفساء دلالية تتجاور فيها الأزمنة والوقائع والرؤى. ولم يعد الراوي سلطة مطلقة تُحكم قبضتها على مجريات السرد، بل صار صوتًا من بين أصوات متعددة، تتنازع تمثيل الحقيقة، وتُدخل القارئ في لعبة تأويلية مفتوحة.

في هذا السياق، برزت تحولات عميقة على مستوى الزمن الروائي، إذ لم يعد الزمن خطًا مستقيمًا يتجه من الماضي إلى الحاضر، بل أصبح زمنًا متشظيًا، تتداخل فيه الاسترجاعات والاستباقات، وتتقاطع فيه الأزمنة الذاتية مع الأزمنة التاريخية. هذا الانكسار في الزمن يعكس، في جوهره، وعيًا جديدًا بالوجود، حيث لم يعد الإنسان قادرًا على إدراك العالم في كليته، بل يعيش في حالة من التمزق بين الذاكرة والتجربة، بين ما كان وما يمكن أن يكون.

أما على مستوى الشخصية، فقد تراجعت صورة البطل المتماسك، لتحل محلها شخصية قلقة، مهشمة، تعاني من اغتراب وجودي وهوياتي. لم تعد الشخصية مركزًا للثبات، بل غدت كيانًا متحولًا، يعكس هشاشة الذات في عالم متغير. وغالبًا ما تتوزع هذه الشخصية بين ذوات متعددة، أو تتلاشى في خطاب داخلي يكشف عن تصدعاتها النفسية، مما يجعلها أقرب إلى تمثيل رمزي لحالة إنسانية عامة.

اللغة بدورها لم تسلم من هذا التحول، إذ انتقلت من وظيفتها الإبلاغية إلى وظيفة جمالية وإيحائية، حيث أصبحت اللغة فضاءً للتجريب والانزياح، تُراوغ المعنى بدل أن تُثبّته، وتفتح النص على احتمالات دلالية متعددة. وقد أدى هذا إلى ظهور كتابة روائية تتسم بالكثافة والالتباس، تتطلب قارئًا فاعلًا، قادرًا على تفكيك شفراتها والانخراط في إنتاج معناها.

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن السياقات الثقافية والاجتماعية التي أنتجتها، إذ تعكس الرواية المعاصرة تحولات عميقة في بنية المجتمع، من قبيل تسارع التغيرات، وتفكك المرجعيات، وصعود أسئلة الهوية والمنفى. في هذا الإطار، يغدو الخطاب الروائي فضاءً لمساءلة الذات والآخر، ولتفكيك السرديات الكبرى التي كانت تؤطر الوعي الجمعي، مما يجعل الرواية أداة نقدية بامتياز، تكشف عن تناقضات الواقع وتعيد تشكيله رمزيًا.

إن تحولات الخطاب الروائي في السرد المعاصر لا تعني القطيعة التامة مع الماضي، بقدر ما تشير إلى إعادة توظيفه داخل أفق جديد، حيث تتداخل الأجناس، وتتقاطع المرجعيات، ويُعاد بناء النص بوصفه كيانًا مفتوحًا على التأويل. وهكذا، لم تعد الرواية مجرد مرآة تعكس الواقع، بل صارت مختبرًا لتفكيكه وإعادة تركيبه، في ضوء رؤية جمالية وفكرية تتسم بالقلق والانفتاح.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الخطاب الروائي المعاصر قد انتقل من اليقين إلى الشك، ومن الوحدة إلى التعدد، ومن الاستقرار إلى التحول، وهو انتقال يعكس، في عمقه، تحولات أوسع تطال بنية الفكر والوجود معًا. ومن ثم، فإن فهم هذه التحولات يظل رهينًا بمقاربة نقدية قادرة على استيعاب تعقيد النص الروائي، والانفتاح على تعددية دلالاته، بما يسمح بإدراك الرواية المعاصرة بوصفها خطابًا حيًا، يتشكل باستمرار في قلب التحولات الثقافية والإنسانية.

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!