سيرة ذرّة لا تُرى/بقلم:علي جاسم ياسين

في البدءِ لم تكنِ السماءُ تعرفُ كيف تُنزلُ الماء،
وكان الماءُ ينتشرُ في الفراغ
بلا هيئة،
بلا مركز،
كضوءٍ خافت بين أصابعِ الريح.
القطراتُ الأولى
لم تكن قطرات،
بل ضبابًا يتذكّرُ البحرَ ولا يصل إليه،
وكان السقوطُ مستحيلًا،
لأن الأشياءَ التي لا شكلَ لها
لا تستطيعُ أن تستقرَّ في جهة.
عندها،
في أعماقِ ما لا يُرى،
نهضت ذرّة.
ذرّةٌ صغيرة
إلى الحدِّ الذي يجعلُ العدمَ يغفلُ عنها،
لكنها كانت تحملُ في صمتها
هندسةَ العالم.
اقتربتْ من الماء
كما يقتربُ البنّاءُ من حجره الأول،
ولم تقل شيئًا،
فالأشياءُ العظيمة
تعملُ بصمت.
جمعتْ أطرافَ الماء،
قرّبتْ جزيئاتِه من بعضها،
وجعلتْها تنحني نحو مركزٍ واحد،
كأنها تعلّمُ الفوضى
فكرةَ القلب.
ثم بدأتِ القطرةُ
تكتشفُ شكلَها.
استدارتْ ببطء،
لا طلبًا للجمال،
بل لأن الدائرةَ
أخفُّ الأشكالِ على الهواء،
وأقدرُها على النجاةِ أثناء السقوط.
يا لهذه العبقريةِ المختبئة
في هيئةٍ شفافة.
الذرّةُ الصغيرة
لم تخترعْ المطر،
بل اخترعتْ طريقته في الوصول.
جعلتِ الماءَ يضمُّ نفسَه
كي لا يتبدد،
ويهبطُ متماسكًا
نحو الأرض.
ومنذ ذلك الحين
صار للمطرِ جسد.
صار بإمكانِ الغيمة
أن تُرسلَ الماءَ إلى الحقول،
وصار النهرُ احتمالًا ممكنًا،
وصارت الأشجارُ تجدُ ما يكفي
لتصعدَ بأغصانها نحو الضوء.
كلُّ هذا
بدأ من ذرّة.
لا أحدَ يذكرُها،
مع أن ملايينِ الغابات
مدينةٌ لذلك القرارِ الصغير
الذي اتُّخذَ في الخفاء.
في قلبِ كلِّ قطرة
تعيشُ تلك الذرّة
مثل مهندسٍ مجهول
يوازنُ انحناءةَ الماء
بدقةٍ تكادُ تكونُ مقدّسة.
ولو اختلّتْ قليلًا
لتبعثر المطرُ في الهواء،
ولما وصلتْ الأنهارُ إلى خرائطها،
ولبقي العطشُ
أطولَ من أعمارِ الكائنات.
لكن الذرّة
كانت تعرفُ
أن السقوطَ يحتاجُ نظامًا،
وأن الوصولَ إلى الأرض
ليس شأنَ الثقلِ وحده،
بل شأنُ الشكلِ أيضًا.
لهذا تكوّرتِ القطرة،
كما تتكوّرُ الكواكبُ في الفضاء،
وكما تنحني البذرةُ حولَ سرِّها
قبل أن تصبحَ شجرة.
أيّتها الذرّة،
يا أصغرَ من أن تُرى
وأشدَّ حضورًا من الغياب،
كيف استطعتِ
أن تقنعي الماء
أن التماسكَ نجاة؟
كيف جعلتِه
يؤمنُ بالمركز
بعد أن كان مبعثرًا
في الجهات؟
ها هو المطرُ الآن
ينزلُ فوق المدنِ والحقول،
فوق الزجاجِ والطرقات،
فوق وجوهِ البشر،
ولا أحدَ ينتبه
إلى تلك العبقريةِ المختبئة
في انحناءةِ قطرة.
الأطفالُ يركضونَ تحته،
والأشجارُ ترفعُ أغصانَها له،
والأنهارُ تحفظُ أثرَه الطويل،
بينما الذرّةُ
تواصلُ عملَها
في صمت.
لا تطلبُ اسمًا،
ولا نصبًا تذكاريًا،
يكفيها أن الأرضَ ما تزالُ خضراء.
ويكفيها أن ثمرةً ما
ستنضجُ هذا الصيف
بسببِ قطرةٍ
عرفتْ كيف تسقط.
العالمُ أحيانًا
يتغيّرُ بالكامل
بفكرةٍ صغيرة،
بانحناءةٍ دقيقة،
بذرّةٍ أدركتْ أن الشكلَ
قد يكونُ مصيرًا.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!