البوليفونية في رواية “ابنة آدم”: تعدد الأصوات في متاهة الذات والكون/ بقلم: الناقدة منال العبادي

 

رواية: “ابنة آدم”

الكاتبة: نسرين مشاعلة

في زمن تبحث فيه الرواية العربية عن أشكال جديدة للتعبير عن تعقيدات الذات والواقع، تأتي رواية “ابنة آدم” لنسرين مشاعلة كعمل طموح يقدم نموذجاً للرواية البوليفونية (متعددة الأصوات) بامتياز. تمتد الرواية على 250 صفحة من السرد المكثف، لترسم لوحة مركبة لإنسان معاصر يحاول أن يرى ويُرى، في عالم يزداد تفاهة وعزلة.

تتلخص الرواية  في قلب العزلة الكونية

حيث تدور أحداث الرواية حول “ابنة آدم”، كاتبة انطوائية صاحبة رواية “الهروب من الأرض” الأكثر مبيعاً، والتي تسافر بالطائرة لحضور مؤتمر لنظريات المؤامرة، هرباً من واقع مؤلم وحب غير معلن لرجل متزوج تسميه “صاحب الظل الطويل”. في الجهة المقابلة، نجد “صاحب الظل الطويل”، مذيع تلفزيوني مثالي يحارب السطحية الفكرية، لكنه يفتتن بالكاتبة الغامضة. تتقاطع مصائرهما مع “الرجل غير المرئي”، مهندس معماري موهوب يعيش إحباطاً مقيّداً، و”جامع الخردة”، الشاب الفقير الحالم بحب مستحيل، و”الشيخ المحارب”، حارس الذاكرة والتاريخ وعلى خلفية حدث عالمي مفاجئ (جسم غامض يقترب من الأرض)، تواجه كل شخصية هوسها الخاص، ليتشكل سؤال وجودي واحد كيف يمكن للإنسان أن يجد معنى في زمن يوشك على الانتهاء؟

 

اعتمدت مشاعلة على البناء البوليفوني – عوالم متوازية في جسد روائي واحد

حيث تتبنى الرواية بنية سردية معقدة تقوم على تعدد الأصوات عبر فصول متناوبة تحمل عناوين الشخصيات “ابنة آدم”، “صاحب الظل الطويل”، “الرجل غير المرئي”، “جامع الخردة”، و”الشيخ المحارب”. هذا الهيكل البوليفوني لا يقتصر على كونه تقنية شكلية، بل يشكل جوهر الرؤية الفلسفية للرواية، فالعالم لم يعد يُرى من زاوية واحدة، والذات الإنسانية لم تعد كياناً أحادياً، بل هي متعددة ومشتتة. تمنح هذه التقنية القارئ فرصة لرؤية العالم من وجهات نظر مختلفة تماماً، وتعمق الصراع الداخلي لكل شخصية، لتشكل قفزة نوعية في بناء الرواية العربية المعاصرة.

كانت الشخصيات في الرواية عبارة عن  أيقونات الاغتراب المعاصر

حيث تقدم نسرين مشاعلة خمسة نماذج إنسانية تحمل أبعاداً رمزية وواقعية في آن

ابنة آدم (البطلة) شخصية معقدة ومتناقضة، انطوائية تكتب روايات خيالية ضخمة، هادئة لكنها متمردة. اسمها المجرد يجعلها رمزاً للمرأة/الإنسان الباحث عن هوية في عالم مشتت. تمثل الصراع الأبدي بين الرغبة في العزلة والحاجة إلى الحب. قرارها النهائي بالسفر إلى أنتاركتيكا يمنحها بُعداً بطولياً ومأساوياً، لتصبح “ابنة الأرض” التي تبحث عن ملاذ أخير.

أمل الصوت الثاني هو صوت صاحب الظل الطويل (المذيع) يمثل النخبة المثقفة التي تحاول الحفاظ على مبادئها في زمن تافه. صراعه الداخلي بين حبه لابنة آدم ومسؤوليته تجاه أسرته هو جوهر مأساته. ليس شريراً، بل رجل طيب وقع في حب امرأة أخرى رغمًا عنه. حربه ضد “نظام التفاهة” تعكس هموم جيل كامل من المثقفين العرب.

كما أن هناك صوت الرجل غير المرئي (المهندس) فهو تجسيد للإحباط والموهبة المقهورة، مستوحى بوضوح من “الإنسان السفلي” عند دوستويفسكي، غرفته المظلمة، مرآته المشروخة، وأحلامه بالاعتراف، تبني صورة مؤلمة لشاب يملك أفكاراً عظيمة لكن المجتمع يرفضه. مأساة وفاة أخته وفقدان والديه لقدميه تفسّر مرارته وعزلته.

أما شخصية جامع الخردة فهي الشخصية الأكثر إدهاشاً.

تحت سطحه البسيط كبائع خردة، يخبئ شاباً مثقفاً (حاصل على شهادة محاسبة) ورومانسيًا يحلم بحب مستحيل. هوايته في إصلاح الأشياء المعطوبة ترمز إلى رغبته في إصلاح العالم وحتى العلاقات. مشاهد مطاردته للبطلة تمثل مزيجاً غريباً من الكوميديا السوداء والرومانسية.

والإضافة العمق التاريخي وظفت شخصية الشيخ المحارب الذي يضيف عمقاً تاريخياً واجتماعياً للرواية و يمثل الجيل القديم الذي يحمل ذاكرة الحروب والمجد، ويعاني من اغترابه في زمنه وصراعه مع أبنائه ورغبته في العيش في الصحراء، وموت ابنه بطريقة بسيطة (“غص بلقمة”)، كلها مشاهد تلامس واقع المحاربين القدامى المنسيين.

 

تميزت اللغة والأسلوب  بشعرية السرد

فهي  لغة شاعرية مكثفة وتمتلك الكاتبة حساً شعرياً عالياً، جملها قصيرة ومحملة بالصور البلاغية، عبارات مثل “الكتابة في المدونة أشبه بتجميد لحظة عابرة” و”عيناها البندقيتان توشكان على التحول إلى لون شفاف” تمنح الرواية بعداً جمالياً يرفعها من مجرد سرد أحداث إلى تجربة أدبية خالصة.

توظف الكاتبة تقنية الكتابة عن الكتابة بمهارة الميتا-سرد والتناص ، حيث نقرأ رواية “الهروب من الأرض” التي تمتزج مع واقع البطلة، كما تستخدم الاقتباسات من شخصيات عالمية (ساراماغو، درويش، دوستويفسكي، الطيب صالح، أحمد مطر) كجزء لا يتجزأ من نسيج الرواية، لتعزز الأفكار المطروحة.

الميتا-سرد (Metafiction) هو أحد أبرز التقنيات الأدبية التي توظفها نسرين المشاعلة ببراعة في روايتها.

الميتا-سرد هو “الكتابة عن الكتابة نفسها”، حيث تكشف الرواية عن وعيها بذاتها كعمل أدبي، وتجعل القارئ مشاركًا في عملية الخلق الإبداعي.

وكانت تجليات الميتا-سرد في “ابنة آدم”

في البطلة كاتبة (التجسيد الأوضح)

فابنة آدم ليست مجرد شخصية، بل هي كاتبة، وروايتها “الهروب من الأرض” موجودة داخل الرواية الأم

“عندما كتبت روايتي، لم أحلم إطلاقًا أنها ستكون عابرة للقارات… روايتها الأولى التي دخلت قائمة أفضل المبيعات، وترجمت إلى أكثر من لغة، دليل حي على نجاحها” (ص ٦٤-٦٤) هنا، نقرأ عن رواية ناجحة داخل رواية ناجحة. هذه اللعبة المرآوية تخلق مستويين من السرد.

كما أن  تداخل الواقع بالخيال فالحدود بين ما تكتبه ابنة آدم وما تعيشه تتداخل باستمرار ففي روايتها (الهروب من الأرض): مجموعة تبحث عن “أراضٍ أخرى” بعد دمار الأرض وفي روايتنا (ابنة آدم) البطلة نفسها تذهب للبحث عن “أراضٍ أخرى” في أنتاركتيكا، نلاحظ بأن الكاتبة تعيش ما تكتبه، أو تكتب ما ستعيشه، أيهما أسبق؟ هذا هو سؤال الميتا-سرد الأساسي.

 

“ها أنا أعيش روايتي الخيالية التي كتبتها وتركت نهايتها مفتوحة… أحتاج خاتمة تليق بهم وبعقلي المضطرب، كأني أكتب – دون وعي – الجزء الثاني من الرواية، وأمزج الواقع بالحلم” (ص ٢٤٣)

 

ثم أن شخصيات الرواية تعي أنها شخصيات

ففي لحظات متفرقة، تبدو الشخصيات وكأنها تدرك أنها جزء من عمل روائي

كما في الرجل غير المرئي يرسم لوحات لأحلامه ثم يدخل إليها ويعيش فيها

“يبدأ عقله ينسج أحلامًا جديدة… ثم يحفظ قدمه الأولى على الأرض، والثانية داخل لوحة، ثم يحرج القدم الأولى ليدخل إطار لوحاته، ويعيش هناك لبرهة من الزمن” (ص ٦٠)

 

ابنة آدم تعيد تشكيل الواقع كما تشاء

“بدأت حيلتها بإعادة تشكيل وجه المذيع، وتحديث نشرة الأخبار كما يحلو لها” (ص ١٢٠)

ووظفت  الاقتباسات والتناص كشكل من الميتا-سرد فالاقتباسات من كتّاب آخرين (دوستويفسكي، الطيب صالح، محمود درويش) تخلق حوارًا بين النصوص، وتذكر القارئ بأن ما يقرأه هو جزء من تقليد أدبي أوسع، ومن أبرزها اقتباس دوستويفسكي في بداية فصل “الرجل غير المرئي” (ص ٥٢)، والذي يحدد الإطار الفلسفي للشخصية.

نلاحظ بأن  المدونة كفضاء ميتا-سردي

“مدونة ابنة آدم” تمثل فضاءً آخر من الكتابة داخل الكتابة، الفصل الحادي والعشرون يحمل عنوان “مدونة ابنة آدم” (ص ٢٣١)، وفيه نقرأ تدويناتها مباشرة. هذا يخلق تسلسلًا هرميًا للكتابة

منها المدونة (كتابة شخصية حميمية)

والرواية الداخلية (الهروب من الأرض)

والرواية الأم (ابنة آدم)

وتركت المشاعلة النهايات المفتوحة والتحدي السردي فالكاتبة تعترف بعجزها عن إنهاء الرواية الداخلية،”رواية خيالية كتبتها وتركت نهايتها مفتوحة، لأن مخيلتي عجزت عن صياغة نهاية مناسبة لأبطالي” (ص ٢٤٣) هذا الاعتراف هو قمة الميتا-سرد، إنها تخاطب القارئ مباشرة “أنا لا أملك كل الإجابات”.

ونلمس من خلال الولوج بالنص بأن الأبطال يبحثون عن كاتبهم ففي مشهد مؤثر، “الرجل غير المرئي” يتلقى طلبات لرسم أحلام الآخرين:

“في نهاية المطاف، وجد نفسه منشغلًا برسم أحلام الآخرين، استيقظ ذات يوم محاولًا استدعاء أحلامه، لكنه لم يتذكر شيئًا منها” (ص ١٨٩)

أليس هذا ما يفعله الكاتب؟ يمنح أحلامه لشخصياته، ثم ينسى أنه كان يحلم؟

حققت المشاعلة عدة وظائف للميتا-سرد في الرواية منها كسر الوهم تذكير القارئ بأنه يقرأ عملاً أدبيًا وتأمل الذات الشخصيات تفكر في كونها مكتوبة

حرية إبداعية الكاتبة تتدخل في السرد علنًا

تعدد المستويات رواية داخل رواية داخل مدونة ونقد العمل من الداخل الشخصيات تناقش رواية البطلة ويمكن مقارنة تقنية الميتا-سرد في “ابنة آدم” مع”دون كيشوت” لميغيل دي ثيربانتس حيث يقرأ الأبطال قصتهم المنشورة.

ورواية “الخريف” لعلي أحمد باكثير: رواية عن كاتب يكتب رواية.

و “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح: حيث الراوي يكتب عن مصطفى سعيد.و”اللص والكلاب” لنجيب محفوظ: تداخل الواقع بالرؤى والأحلام.

وهناك اقتباسات دالة ومن هذه الاقتباسات الدالة”كنت أحلم بك، أحلم بمذاق الفاكهة المحرمة في جنة آدم، أنت كنت المعلق على شجرة العصيان، وأنا في لحظة خطيئة كنت أختلس النظر إليك” (ص ٢١٥)

هنا، ابنة آدم تكتب لصاحب الظل الطويل، ونحن نقرأ الرسالة داخل الرواية. إنها كتابة داخل كتابة عن كتابة.

“أدركت للتو أن أنتاركتيكا قصة أخرى لا تشبه قصتي، رواية قد تقتلنا أو تحيينا” (ص ٢٤٣)

نلاحظ من خلال هذه التقنية

تكامل عضوي بين المستويات السردية

و عدم إرباك القارئ رغم التعقيد

وخدمة الميتا-سرد للرسالة الفلسفية (الواقع والخيال متداخلان)

الميتا-سرد في “ابنة آدم” ليس مجرد لعبة شكلية، بل هو جوهر الرسالة. الرواية تقول إن الحياة نفسها هي كتاب نكتبه ونُكتب فيه في آن. نحن جميعًا كتاب وشخصيات في نفس الوقت.

ابنة آدم تبحث عن “أراضٍ أخرى”، والكاتبة نسرين المشاعلة تبحث عن آفاق روائية جديدة. في النهاية، يلتقي البحثان في هذه التقنية السردية الذكية التي تجعل من “ابنة آدم” تجربة قراءة فريدة وممتعة.

كما وجدنا بأن المشاعلة قادرة على  الوصف السينمائي حيث انها تمتلك قدرة فائقة على الوصف، مشاهد المطار، الرحلة في الصحراء، التجول في المدينة الأثرية، الثلوج في أنتاركتيكا، كلها مرسومة بدقة تجعل القارئ يرى المكان بعينيه.

كانت ثيمات الرواية – قراءة في المتاهة ومنها الأرض والهوية: العنوان “ابنة آدم” هو بيان فلسفي. البطلة هي ابنة الأرض/الإنسانية. التنقل بين “الأرض المسطحة” و”الأرض الكروية” يرمز إلى الصراع بين الإيمان الأعمى والعلم، وبين الرغبة في الهروب والرغبة في البقاء. رحلة البحث عن “أراضٍ أخرى” هي رحلة البحث عن الذات والمعنى.

أيضا الظلال والرؤية: رمز “الظل” (صاحب الظل الطويل، ظل المرأة، ظل الرجل غير المرئي على المرآة) هو رمز متكرر وقوي. الظل يمثل الوجود غير المكتمل، والهوية المعلقة، والحضور في حالة غياب. العنوان الفرعي للرواية يمكن أن يكون “صراع الإنسان لكي يُرى”.

ونقد التفاهة: من أجرأ ما في الرواية النقد اللاذع للمجتمع العربي المعاصر، وخاصة للإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. “صاحب الظل الطويل” وحربه ضد “المشاهير السطحيين”، وحلقة “البطة بيبو” الساخرة، هي انتقادات مباشرة لسطحية العصر.

الميتا-سرد في “ابنة آدم” ليس مجرد لعبة شكلية، بل هو جوهر الرسالة. الرواية تقول إن الحياة نفسها هي كتاب نكتبه ونُكتب فيه في آن. نحن جميعًا كتاب وشخصيات في نفس الوقت.

ابنة آدم تبحث عن “أراضٍ أخرى”، والكاتبة نسرين المشاعلة تبحث عن آفاق روائية جديدة. في النهاية، يلتقي البحثان في هذه التقنية السردية الذكية التي تجعل من “ابنة آدم” تجربة قراءة فريدة وممتعة.

“ابنة آدم” رواية طموحة، معقدة، وجريئة. نسرين مشاعلة تقدم عملاً أدبياً يليق بأن يُقرأ ويعاد قراءته. إنها رواية عن الحب المستحيل، والاغتراب، والبحث عن الهوية، وهوس البشرية بالهروب من واقعها عبر الخيال ونظريات المؤامرة.

لماذا تستحق القراءة؟

  • لعمقها النفسي: ستجد نفسك في أحد الشخصيات، إن لم يكن فيهم جميعاً.
  • لجمال لغتها: ستستمتع بجمل شعرية لا تنسى.
  • لبنائها الروائي المبتكر: إنها تجربة سردية مختلفة وممتعة.

يمكن وضع هذه الرواية في سياق الرواية العربية الجادة التي تهتم بالشكل والمضمون معاً. إنها تذكرنا بـ”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح في عمقها النفسي، و”ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور في استحضار التاريخ، و”عمارة يعقوبيان” لعلاء الأسواني في تعدد الأصوات. لكنها تختلف عنها بجرأتها في مزج الواقع بالخيال العلمي والفلسفي، مما يمنحها طابعاً معاصراً فريداً.

“ابنة آدم” ليست مجرد رواية، إنها مرآة تعكس وجه إنسان هذا العصر بكل تناقضاته وأحلامه. نتمنى أن نرى قريباً تحقيق أحد أحلام أبطالها: تحويل هذا العمل الثري إلى فيلم سينمائي أو مسلسل درامي، فهو مادة خصبة بفضل حبكته المشوقة وشخصياته العميقة ومشاهده السينمائية المبهرة.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!