عند حلول موعد الانتخابات التشريعية، يُقبل السياسي على زيارة الشعب، كما يُقبل مهاجر من مهاجري فترة سبعينيات القرن الماضي على قريته، حين يعود إليها بعد غياب دام خمس سنوات، مدة قضاها في الغربة دون إعطاء أي إشارة تدل على حياته، لأن التواصل حينها كان شبه مستحيل:
الرسائل عسيرة بسبب انتشار الأمية، والاتصالات الهاتفية من ضرب الخيال.
يظهر السياسي في أبهى حلة؛ بسيارة فاخرة، وبذلة أنيقة، ووجه حليق، أو، في بعض الحالات، بلحية مشذبة بعناية. يأتي محمّلًا بالهدايا، ويقيم مأدبة باذخة يُطعِم فيها الجميع بسخاء. يبتسم في وجه الصغير والكبير، ويكلمهم بمنتهى اللطافة: يذكرهم بأنه ابن البلدة ومفتخر بذلك، وبأنه يحمل كل أهلها في قلبه ولم ينسهم أبدًا. ثم يطلب منهم أصواتهم كمن يطلب من والدٍ بئيس يد ابنته.
يعِد والدَ العروس بأنه سوف يعتني بها غاية العناية: سيضمن لها العيش الكريم، ويغدق عليها المال، ويسكنها سكنًا لائقًا، ويعالجها في أرقى المصحات إذا احتاجت للعلاج، لا قدر الله.
يَقبَل الوالد البئيس الساذج، وتقام الأفراح، ثم يختفي العريس وعروسه، وتختفي وعوده ويقطع الاتصال من جديد… إلى أن يعود بعد خمس سنوات أخرى، ببذلة جديدة، وسيارة جديدة ووعود جديدة ليطلب يد عروس جديدة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية