بقلم: ا.د حمام محمد _جامعة الجلفة _ الجزائر
كثيرةٌ هي النصوص التي ننعتها بالجميلة؛ لأن فيها جمالًا أسلوبيًّا ومهاراتٍ فنيةً تعبّر عن جودة راقية في التناول، سواء أكان ذلك عند القاصّ أم الروائي أم المسرحي. وهي تُبنى على أساس يأخذ الأشياء المكوِّنة لعناصر القصة بطريقة منطقية، غير أنّ هناك من يرتكب حماقات في العرض أو في طريقة التقديم، فيصبح بمثابة الساخط على ما يكتب. وهذا شيء سلبي عندما يسارع الناقد إلى الأخذ بهذه النظرة، محاولًا التضخيم أو التنازل؛ ففي كلتا الحالتين نكون أمام مقالب قد تطال الناقد نفسه.
ومما يجب تأكيده أنّ الناقد، بوصفه مقيِّمًا ومحللًا للأعمال الأدبية، لا ينبغي له أن يتجاوز حدود القراءة الموضوعية، ولا أن يتعامل مع النصوص باعتبارها أعمالًا منزهة عن الخطأ أو مكتملة لا يأتيها النقص من أي جهة. فالعمل الأدبي، مهما بلغت جودته، يظل قابلًا للقراءة والمراجعة والتأويل، كما أنّ الناقد ليس معصومًا من الخطأ في أحكامه. وقد تناول محمد مندور هذه المسألة من زاوية النقد المنهجي، مؤكدًا أهمية بناء الحكم النقدي على أسس نظرية وتطبيقية، تتيح دراسة النصوص وتمييز الأساليب والكشف عن مواضع الجمال والقصور، بدل الاكتفاء بالانطباعات العابرة (مندور، النقد المنهجي عند العرب).
ونجد أنّ كثيرًا من النقاد يسارعون إلى تقييم النصوص من زاوية اجتماعية ضيقة، أو يركزون على جانب واحد من جوانبها، فيبالغون في تضخيم خطأ الأديب، وربما يغفلون ما اتفق عليه الدارسون من أهمية الجوانب الجمالية والفنية في العمل. وأحيانًا أجدني، وأنا أتفحص نصًّا، أمام مادة منقولة حرفيًّا أو بالمعنى، سبق أن تناولها آخرون، ثم يعيد صاحبها تقديمها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، الذي يستطيع صياغة كثير من المواد بأساليب مختلفة. وقد يظن بعض الكتّاب الجدد أنّ إعادة الصياغة تمنحهم السبق، أو أنّ النص الذي أعاد الذكاء الاصطناعي إنتاجه أصبح إبداعًا خاصًّا بهم.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يتناول الناقد العمل من زاوية لا تأخذ بعين الاعتبار جميع مقتضيات التخصص، ولا تميّز بين جودة الصياغة وأصالة الفكرة، أو بين سلامة البناء اللغوي وعمق التجربة الإبداعية. وقد ناقشتُ هذه المسألة مع ناقد مصري معروف، حول تقييم المبدع والإبداع، معتبرًا أنّ الإبداع، بوصفه صفةً موهوبة، لا يمكن تقديره تقديرًا كاملًا بالاعتماد على معيار واحد، لأنّ الموهبة تتفاوت بين الأفراد، وقد خصّ الله بعض عباده بقدرات متميزة في مجالات متعددة.
وقد أخذ بعض المتعاطين للنقد بهذه الموهبة باعتبارها صناعة يمكن إخضاعها لقواعد جاهزة، حتى أصبحوا يصدرون أحكامًا فاصلة على أنّ هذا إبداع وذاك ليس إبداعًا. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ يُقسَّم الإبداع سلفًا بين استعمال المحسنات والأساليب والزخارف التي تطبع النصوص حتى تتشكل في صورة تبدو متميزة، وما هي بالضرورة كذلك. ثم يأخذ النقد هذه المظاهر على أنّها خارقية أو دليل على عبقرية الكاتب، في حين أنّها قد لا تتجاوز حدود الزينة اللغوية.
وحين أقرأ نصًّا آخر للشخص نفسه، لا أجد فيه الموهبة التي أسبغها عليه النقاد، بل يتأكد لي أنّ النص السابق قد يكون قد حظي بتضخيم لا يستحقه، وكأنّ القراءة النقدية اللاحقة عرّته من المظاهر التي أُحيط بها. وهذا ما يجعلنا نحكم، على نحو نسبي، بأنّ الناقد قد يكون هو المخطئ في تقييم الإبداع، لا المبدع بالضرورة.
وقد اهتمّ النقاد العرب بقضايا الجمال والصورة الفنية والتخييل، ولم يجعلوا دراسة الأدب مقتصرة على الزخرفة اللفظية وحدها. ويُعدّ جابر عصفور، في كتابه مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي، من الدارسين الذين تناولوا مفهوم الشعر وأسس النظر إليه في التراث النقدي العربي، وهو ما يتيح لنا التمييز بين المظهر الفني للنص وبين التصورات التي تمنحه قيمته الجمالية والدلالية (عصفور، 1982).
ويجب أن نذكر، في هذا السياق، أنّ الجمال ليس صفةً بسيطةً يمكن ضبطها بمعيار ثابت، بل هو مجال تتداخل فيه التجربة والشعور والثقافة وطبيعة التلقي. وقد نقرأ نصوصًا جميلة نحسّها خالدة على الدوام، لما تحمله من أفكار ومقومات أدبية كبيرة، تجعلنا نصف العمل بالعبقرية، ثم نعود إليها بعد زمن فنراها عادية، ولا نجد ما يبرر ذلك التضخيم الذي أحطناها به. وبذلك نكون قد وضعنا الشيء في غير موضعه، أو جعلنا حكمنا الأول أكبر من القيمة التي يحتملها النص.
إنّ الإبداع، بوصفه معادلة معقدة، يتأثر بتغير الظروف والمعايير ومعتقدات الناس في الظواهر الاجتماعية. غير أنّ ذلك لا يعني أنّ القيمة الأدبية تتبدل اعتباطًا، بل يعني أنّ القراءة تتطور، وأنّ ما كان غامضًا في مرحلة قد يصبح مفهومًا في مرحلة أخرى، وأنّ بعض النصوص تكشف عن جوانب جديدة كلما تغيرت أدوات قراءتها.
ومن هنا يمكن استحضار مسألة الفهم والمفهومية عند يورغن هابرماس، مع ضرورة التمييز بين مشروعه الفلسفي في التواصل والفهم وبين الحكم الجمالي على النص الأدبي. فالنص الجيد، في تصوري، ليس النص الذي يتعمد الغموض لإبهار المتلقي، ولا النص الذي يفرّط في دلالاته حتى يفقد خصوصيته، بل النص الذي يتيح إمكانات للفهم والتأويل، ويقيم علاقة ذات معنى مع قارئه.
إننا نسير نحو صناعة آليات الانبهار صناعيًّا، متناسين أنّ الانبهار قد يكون وليد منظومة من الأحاسيس الداخلية، ومن تجربة شخصية تتصل بالحياة والذاكرة والإلهام. فقد أجد نصًّا جميلًا عندما أنظر إلى ما خلفه من دلالات، وأعيد قراءته مرات عديدة، وأقيس لغته، وكيفية التحكم في الحوارات، وتحريك الشخوص، واستعمال الأزمنة. وعندما أنتهي من هذه القراءة المتأنية، أجدني أمام نص يستحق الانتباه، فأدافع عن مختلف مكوناته الداخلية والخارجية، انطلاقًا من التفاعل معه، لا من مجرد الانبهار بمظهره.
وكل ناقد له زاوية تشبع اهتمامه وتوجّه قراءته؛ فمنهم من يحبس حكمه عند حد معين، ويظل يدافع عنه كأنّه حقيقة خالدة، ومنهم من يراجع موقفه عندما يرى أنّ النص لا يحقق ما نسبه إليه من صفات، أو عندما يكتشف أنّ المبدع ارتكب أخطاءً في الوصف والبناء لم ينتبه إليها في قراءته الأولى. وهنا يكون التصحيح النقدي تصحيحًا من زاوية الناقد، لكنه لا يصبح بالضرورة حكمًا نهائيًّا يلزم جميع القراء.
وقد أتاح اتساع المعرفة الإنسانية وتعدد المناهج النقدية إمكان النظر إلى العمل الواحد من زوايا متعددة. وإذا اتبعنا هذه الزوايا دون تمييز أو تمحيص، فقد نصل إلى مرحلة نعدّ فيها كل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي إبداعًا، لمجرد قدرته على تقوية المعاني وتوسيع المعجم وإنتاج صور ذهنية كثيرة. وليس هذا فحسب؛ فالكتّاب يحملون تصورات سابقة، ويستعملون صورًا ذهنية متوارثة، وقد يعيدون تركيب عناصر إبداعية موجودة من قبل. وعندما يُستعمل الحشو والتضخيم، قد يتحول العمل من تجربة أدبية متماسكة إلى شيء آخر تتعدد حوله الزوايا، دون أن يعني ذلك أنّه أصبح أكثر إبداعًا.
إنّ الموهبة تبقى قادرة على تجديد نفسها مع الأجيال، ومهما مرت المراحل، قد تظل بعض المواهب رائدة، ويكون المثال على ذلك حاضرًا في أعمال كثيرة انتقلت أفكارها إلينا من جيل إلى جيل، ولا تزال تفرض نفسها إبداعيًّا على أجيال متعاقبة. وقد يساعد الذكاء الاصطناعي على إعادة تقديم هذه الأعمال، أو تحليلها، أو توسيع إمكانات الكتابة، لكنه لا يجعل كل إنتاج آلي إبداعًا أصيلًا بالضرورة؛ إذ ينبغي التمييز بين الشكل الذي ينتجه النظام وبين التجربة الإنسانية التي تمنح العمل معناه وخصوصيته.
وهكذا، فإنّ من يحكمون على موت الإبداع انطلاقًا من نصوص يرونها بسيطة أو مستهلكة، قد يغفلون ما تنطوي عليه من دلالات وتفسيرات عميقة. فالبساطة لا تعني الفقر، كما أنّ التعقيد لا يعني العبقرية، وكثرة المحسنات لا تجعل النص مبدعًا تلقائيًّا. إنّ المسألة تتعلق بقدرة الكاتب على تحويل تجربته ومعرفته ومشاهداته إلى بناء أدبي له خصوصيته، وبقدرة الناقد على اكتشاف هذه الخصوصية دون مبالغة أو انتقاص.
إنّ ثورة الناقد الحقيقية ليست في إصدار الأحكام القاطعة، ولا في صناعة الانبهار حول نصوص بعينها، بل في مراجعة أدواته، والاعتراف بحدود قراءته، والتمييز بين الموهبة والصنعة، وبين أصالة التجربة وجودة الصياغة. فالإبداع لا يُمنح بقرار نقدي، ولا يُلغى بحكم متسرع، وإنما تتشكل قيمته من تفاعل عناصره الفنية والفكرية والإنسانية، ومن قدرته على الصمود أمام القراءات المتعددة وتعاقب الأجيال.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية