انطفاء/بقلم:رستم عبدالله

مضى شهر منذ أن تغيبت عن النادي والصالون الأدبي، ومنذ اختفائي عن العالم الرقمي، ولم أعد متصلًا في حسابي على الواتساب، ومحتجبًا عن صفحتي بالفيسبوك. توقفت حالاتي الواتسابية الزاهية ومنشوراتي وقصصي الأدبية المتواضعة على الفيسبوك.
بضع أصدقاء وصديقات يعدون على أصابع اليد الواحدة هم من افتقدوا غيابي القسري تحت وطأة المرض وتنبهوا لذلك. راسلوني على الحسابين مرارًا، لكني لم أرد لأنني لم أكن متصلًا على النت، حتى تشجعوا واتصلوا بي أخيرًا، والشهر يكاد أن ينصرم ليطمئنوا على صحتي، ومنهم من بعث رسائل نصية على الموبايل.
أمتننت لهم كثيرًا، كانوا في حقيقة الأمر أصدقاء افتراضيين عرفتهم عبر العالم الافتراضي الرقمي، لم يحصل أن التقينا قط عبر الواقع، لكنهم كانوا أكثر نبلًا ووفاءً من أصدقاء واقعيين ألتقيهم كل يوم في حياتي.
انتشر خبر مرضي كالنار في الهشيم، وبدأ أصدقائي في نادي الكتابة والصالون الأدبي بالاطمئنان عليَّ وزيارتي.
كان مرضي غريبًا ونادرًا.
لم يكن وعكة صحية عابرة، أو مرضًا معروفًا.
كان حقيقة مرضي هو أن ذهبت شهيتي للكتب والقراءة والاطلاع، وصاحبها أعراض حبسة الكتابة وجفاف الإبداع وقفلة شديدة في دماغي، حتى أصاب الهزال جسدي، وبدأت ذاكرتي تضعف، وأفكاري تنضب، وأزهار يراعي تذبل.
استمر الأصدقاء في عيادتي في مرضي، وكان الغالبية يحضر معهم زيارة لمرضي عدد من أكياس تحتوي كتبًا وقصصًا وروايات ساخرة لتفتح شهيتي المكبوتة.
تناول صديقي أحمد الرواية الساخرة «ثلاثة رجال في قارب» للكاتب الإنجليزي الساخر جيروم ك. جيروم، وراح يلقمني إياها صفحة صفحة، ومضغت عدة صفحات بوهن، لكن ما لبثت أن تقيأتها كلها.
تدخل سمير وهو يستطرد: لحظة، يجب أن نوقف تقيئه، وأخرج من الكيس الذي أحضره معه «زغازيغ وشاي بالنعناع» للراحل أحمد خالد توفيق. هذه قصص ومقالات خفيفة وساخرة لكاتبه المفضل، سوف توقف القيء وتعيد توازنه، ولكن لا جدوى، حتى تلك الوصفة لم تفلح.
راحت ندى تسألني وهي صديقتي الحميمة عن سبب المرض وماذا تناولت حتى أصبت بهذا المرض.
أجبتها:
إنني تناولت على طعام الإفطار «الخبز الحافي» لمحمد شكري، ثم على وجبة الغداء «المسخ» لكافكا، وكنت أشعر بدوار وترنح بعد أن انتهيت منهما. لكن ما أن تناولت على وجبة العشاء «بؤس» لستيفن كينج حتى انهار النظام الصحي بجسدي، وبدأ المرض يعتريني، والدوار يعصف بي، والتقيؤ لكل الكتب يتلبسني.
حاولت العلاج المنزلي بمذكرات «الولد الشقي» لمحمود السعدني، و«توم سوير» و«هاكلبري فن» لمارك توين، دون جدوى، وحاول أبي اللجوء للطب البديل التقليدي وإعطائي من مكتبته «البخلاء» للجاحظ، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني»، وبعض كتب التراث التي تحتوي على نوادر جحا وأبو نواس، حيث خفتها وسخريتها ستخفف من وطأة مرضي وتحسن حالة دماغي المزاجية، وسأعاود القراءة والكتابة مجددًا، لكن دون أي فائدة تذكر.
صاحت منال بهلع وهي تشاهد زيارة نجيب.
وراحت تصيح فيه: اتقِ الله، إدغار الآن بو وأجاثا كريستي وفيليبس لوفكرافت، اتقِ الله، أنت ناوي تقتله!
أعاد نجيب زيارته للكيس مرتبكًا ومحرجًا، وهو يعتذر بتلعثم.
في حين رد نبيل ساخرًا: طيب، أرينا زيارتك، أيتها الأديبة الفنانة، لنرى ماذا أحضرتِ.
فتحت منال كيسها الكبير وأخرجت منه لوحة سريالية جميلة رسمتها لي وأنا في منصة النادي أشدو بإحدى قصصي ذات فعالية غابرة في زمن ذروة النادي وعصره الذهبي. تأملها الحاضرون بإعجاب شديد، ومنال مزهوة وأنا أبادلها نظرات الود والامتنان.
سكنت حالتي قليلًا وهدئت، وتنفس الجميع الصعداء. لقد جابت منال العلاج الناجع لحالتي، لاسيما بعد أن قام أخي أمير بحثي على قراءة ومضات وشذرات قليلة لجبران خليل جبران وأوسكار وأيلد، وأقرأ في كتاب «قالوا» لأنيس منصور وزكريا تامر: كنت أعمل لنفسي مقبلات، سلطة شهية حتى تفتح نفسي لأكل والتهام الروايات والكتب والمجموعات القصصية الشهية التي أحضرها الأصدقاء. «أرخص ليالي» ليوسف إدريس، «ساعة الملازم» لعبدالسلام العجيلي، «الكبار لا وطن لهم» لكورماك مكارثي، «مصحف أحمر» للغربي عمران، «الحب في زمن الكوليرا» لماركيز، «ذهب مع الريح» لمارجريت ميتشل، تولستوي «آنا كارينينا»، «حمار بين الأغاني» لوجدي الأهدل.
وبينما أنا أسبح في لج أفكاري وكيف سألتهم تلك الوجبات الشهية التي تفنن في إحضارها الأصدقاء الأدباء، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. حصلت لي انتكاسة، وأخذت أسترجع وأتقيأ بعنف ما التهمته، وأخي أمير وصديقي نبيل ممسكان بي وبرأسي.
حتى صاح صديقي منير محدثًا أخي أمير: هل أسعفتموه؟ ماذا قال لكم الطبيب؟
رد أمير: نعم، أسعفناه لعدد من المكتبات العامة وحتى الخاصة، وحتى عرضناه على مكتبات الشارع التي تبيع الكتب العتيقة، النادرة، وكل هذه الأكياس هنا وهناك ممتلئة بروشتات ووصفات طبية، بدءًا من «القانون في الطب» لابن سينا، و«الحاوي» لأبي بكر الرازي، و«تذكرة داوود الأنطاكي»، حتى مجلة «طبيبك الخاص».
في ظل هذا الجو المتوتر المشحون بالقلق، ضحك أسعد وقال: علاج هذا العمه الحركي للكتابة عندي. كل الذي أحضرتموه، كتب وروايات وقصص قيمة، على رأسي، لكن علاج قفلة صديقنا عندي، وراح يخرج من كيسه القماشي الرمادي الكبير الشبيه بجراب الحاوي روايات «امرأة من روما» لألبرتو مورافيا، «العار» لإميل زولا، «حرمة» لعلي المقرئ، «رجوع الشيخ لصباه» لابن كمال باشا، «شيكاغو» لعلاء الأسواني. ثم راح يعبث في جرابه وأخرج مجلدًا ضخمًا بغلاف أصفر عتيق تفوح منه رائحة عطنة، وهذه النسخة الأصلية لقصص ألف ليلة وليلة، وليس بالضرورة أن تقرئه كله لتطيب، أكتفي بالليالي، وقبل أن يكمل كلامه، راح الجميع ينهره ويصيح فوقه ويوبخه ويجبرونه على إعادة كتب الأدب الإيروتيكي إلى جرابه.
وانفجر الجميع بالضحك، حتى أنا. وفيما نحن مستغرقين في نوبة الضحك، حتى سمعنا طرقًا رتيبًا على الباب، وفتح أخي أمير الباب.
وأطل منه الأديب والشيخ محمد، الذي حيانا بالسلام.
ثم ابتدرني بالسؤال عني وعن صحتي، وراح يعتذر بتقصيره بالسؤال والزيارة بسبب سفره، وأنه علم بأمر مرضي الغريب من صفحات الأصدقاء على الفيسبوك.
لا بأس عليك، طهور إن شاء الله. لا قلق من مرضك ولا تخشى على مستقبلك الإبداعي وقراءتك. هذه العقدة التي ألمت بك وحبسة وجفاف الكاتب، احتراق نفسي (Burnout) ليس إلا ما يلبث أن يزول. هذا الجفاف الإبداعي ناتج عن إجهاد نفسي وعقلي شديد بسبب العمل المتواصل وضغوط الحياة والمعيشة وتركيزك على نوع واحد من القراءة والاطلاع، وهو الأدب والثقافة والروايات والقصص، دون أن تعمل عملية توازن لدماغك ولمنطقة تحت المهاد (الوطاء أو الغدة النخامية التي تقع في وسط الدماغ وتعد مركز التوازن الأساسي. تضبط حرارة الجسم وضغط الدم والشهية لأكل والتهام الكتب، وتطلق العنان لأفكارك بالتدفق وتحرر يديك لتكتب وتبدع.
صاح الجميع: والحل يا شيخ محمد؟
ناول الشيخ محمد علبة مخملية زرقاء زاهية وقال: الحل هنا.
فتحت العلبة، كانت تحتوي على مصحف مذهب جميل وأنيق.
وأردف الشيخ محمد: أجعل لك وردًا يوميًا ورحلة روحية مع كتاب الله. وازن في حياتك بين عملك وأدبك وزادك الروحي.
عملت بنصيحة الشيخ محمد، تحسنت حالتي كثيرًا، واكتسبت طاقة دافعة و«ببليوفيليا» شديدة، وصرت أقوى وأفضل بكثير.
وأنتم، هل أصبتم مثلي بحبسة الكتابة والانطفاء ذات يوم؟

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis güncel girişmarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis giriş