ليس أصعب على الإنسان من أن يعيش أعوامًا طويلة وهو يظن أنه بخير، بينما في داخله شيءٌ ما يبتعد عنه بصمت. شيءٌ يشبه الروح حين تتعب من الاختباء، أو القلب حين يعتاد الصمت أكثر مما يعتاد الكلام. قد يبدو الإنسان طبيعيًا أمام الجميع، يبتسم، يتحدث، ينجز ما عليه، لكنه في الحقيقة يسير كل يوم أبعد خطوة عن ذاته، حتى يصبح غريبًا عنها دون أن يشعر.
هناك نوع من التعب لا يظهر على الوجه، ولا يُقاس بعدد ساعات النوم، ولا تستطيع الكلمات أن تصفه بسهولة. تعبٌ يشبه الوقوف طويلًا وسط ضجيج العالم، بينما في الداخل فراغٌ واسع لا يسمعه أحد. هو ذلك الإحساس الغامض الذي يجعل الإنسان حاضرًا بجسده، وغائبًا بروحه، وكأنه يعيش الحياة دون أن يلمسها حقًا.
وهذا الشعور لا يأتي فجأة، بل يتشكل معنا منذ وقت مبكر. فمنذ الصغر مثلًا، نتعلم كيف نُجيب عن السؤال المعتاد: “كيف حالك؟” بإجابة قصيرة ومطمئنة، حتى لو كانت الحقيقة بعيدة تمامًا عن الاطمئنان. نكبر ونحن نُتقن إخفاء ما نشعر به، لأن المجتمع يُصفق للقوة أكثر مما يتفهم الضعف، ولأن الاعتراف بالتعب يبدو أحيانًا وكأنه خسارة. فنعتاد ارتداء الأقنعة، حتى ننسى ملامحنا الحقيقية تحتها.
ومع مرور الوقت، لا يقتصر الأمر على إخفاء المشاعر فقط، بل يتحول إلى طريقة عيش كاملة، فبعض الناس لا يبكون لأنهم أقوياء، بل لأنهم اعتادوا أن يحتفظوا بكل شيء داخلهم. وهناك من يضحكون كثيرًا، ليس لأنهم سعداء دائمًا، بل لأن الضحكة أصبحت وسيلتهم الوحيدة لإخفاء ما لا يستطيعون قوله. الإنسان لا يكشف نفسه بسهولة، لأن أكثر ما يخيفه ليس حكم الآخرين، بل أن يُساء فهمه، وأن تُترجم مشاعره بطريقة لا تشبهه.
لكن خلف كل ذلك، تبقى المشكلة أعمق مما تبدو عليه، المشكلة ليست في الألم ذاته، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه. حين نتجاهل مشاعرنا، لا تختفي، بل تتراكم بهدوء، وتتحول إلى ثقلٍ خفيّ يسكن التفاصيل الصغيرة؛ إلى قلق لا نعرف سببه، أو صمت طويل لا نجد له تفسيرًا، أو شعور دائم بأن شيئًا ناقصًا في داخلنا مهما بدا كل شيء مكتملًا.
ولا ينعكس هذا كله على داخلنا فقط، بل يمتد إلى علاقاتنا مع الآخرين، فَفي العلاقات الاجتماعية، أصبح الجميع يُجيد الحديث، لكن قليلين فقط يعرفون كيف يُصغون. نعيش بين وجوه كثيرة، ونشارك أيامنا مع أشخاص كثر، ومع ذلك نشعر أحيانًا أننا غير مرئيين. ليس لأننا وحدنا، بل لأن أحدًا لم يقترب بما يكفي ليرى ما خلف الكلمات.
والغريب أن الإنسان قد يقضي عمره كله يحاول فهم الآخرين، يفسر مشاعرهم، ويبحث عن أسباب تصرفاتهم، بينما ينسى أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: ماذا أشعر حقًا؟ ماذا ينقصني؟ ومتى بدأت أفقد الطريق إلى نفسي؟
وفي النهاية، ليست المأساة أن نحمل الألم، بل أن نعتاد عليه إلى الحد الذي يجعلنا نظنه جزءًا طبيعيًا من حياتنا. فأسوأ أنواع الضياع ليست أن تفقد طريقك في العالم، بل أن تفقد طريقك إلى نفسك.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية