نُرَبّي بناتِنا على الخوفِ ثمّ نلومُهُنَّ على الصمتِ

بـِقلم: تمارة محمد علي.

(سورية/ حلب).

في كثيرٍ من المجتمعات لا تُولَدُ البنتُ خائفة، بل تتعلّمُ الخوفَ خطوةً تلوَ الأخرى فمنذ طفولتها تُدرَّسُ قواعدَ غيرَ مكتوبة: لا ترفعي صوتكِ، لا تُجادلي، لا تخرجي وحدكِ، كوني “محترمة” أكثرَ مما يجب، حتى يتحوّلَ الحذرُ إلى جزءٍ من شخصيّتها، ويغدو السكوتُ خيارًا عاديًّا.

تكبرُ الفتاةُ بسلسلةٍ طويلةٍ من “الممنوعات” التي تحيطُ بها، دونَ أن نلاحظ أنّنا نزرعُ داخلَها خوفًا دائمًا، لا يتحرّر مَهما أُتيحت لهُ الفرص. فتشعرُ أنّ التعبيرَ عن رأيِها أو الدفاعَ عن نفسها مخاطرة، وأنّ السكوتَ هو الطريقُ الوحيدُ الآمن. ومع مرورِ الوقت، لا يعودُ الصمتُ خيارًا بل أسلوبَ حياةٍ، تصبحُ أكثرَ حذرًا، أقلَّ ثقةً بالكلام، وإذا ما تعرّضت لظلمٍ أو ضغطٍ تختارُ الصمتَ لأنّها لم تتعلّم بديلًا عنه.

وهنا تبدأُ المُشكلة حقًّا: حين نُحاسبُ النساءَ على الخجلِ الزائد، نصبحُ أوّلَ من يسألها: لماذا لا تدافعين عن نفسكِ؟ لماذا لا تتكلمين؟ لماذا لا تُعبّرين دائمًا؟ كأنّنا نطلبُ نتيجةً لم نُمهّد لها الطريق، ولم نزرع لها بيئةً تُساعدُ على تشكّلها. المشكلةُ ليست في الصمتِ وحده، بل في الفكرةِ التي رافقته: أنّ صوتَ الفتاةِ يجبُ أن يكونَ مضبوطًا دائمًا، وأنّ جرأتَها تحتاجُ إذنًا مسبقًا، وهكذا ينشأُ جيلٌ من الفتياتِ يعرفنَ كيفَ يتجنّبنَ المشاكل، لكن لا يعرفنَ كيفَ يعبّرنَ عن أنفسِهنّ بوضوح.

ربما لا نحتاجُ إلى تربيةِ الفتياتِ على الصمت، بقدرِ ما نحتاجُ إلى تعليمِهُنَّ متى يتكلّمن، وكيفَ يُعبّرن، دونَ خوف، فالصوتُ حينَ يُخلَقُ بثقةٍ، يُبنى به شعورُ الأمان.

وهذا الأمان يتجسّد في هديِ رسولِ الله صَلى الله عليِ وسَلم حين قال:

«مَن ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ»

(رواه البخاري ومسلم).

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!