أُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَجْمِعَ قُوَايَ لِأَرْسُمَ خَارِطَةَ طَرِيقٍ جَدِيدَةً لِحَيَاتِي الَّتِي تَلَاشَتْ أَلْوَانُهَا الْفَرَائِحِيَّةُ بِصَدْمَةٍ زَمَنِيَّةٍ قَاسِيَةٍ أَحْدَثَتْ أَزْمَةً نَفْسِيَّةً فِي الذَّاتِ، وَانْكِسَاراً مُفَاجِئاً فِي مَسَارِ الْأَمَلِ.
مِنْ هَوْلِ تِلْكَ الصَّدْمَةِ تَصَدَّعَ قَلْبِي الْفُولاذِيُّ، وَانْهَارَتْ قُوَايَ الْخَارِقَةُ، وَكَأَنَّ زِلْزَالاً مُدَمِّراً ضَرَبَ كِيَانِي، لَمْ تَشْعُرْ بِهِ أَجْهِزَةُ الرَّصْدِ الْمُبَكِّرِ وَالِاسْتِشْعَارِ، لِتُنْذِرَ بِقُرْبِ وُقُوعِ الْكَارِثَةِ.
صَدْمَةٌ قَاسِيَةٌ، وَحْدِي مَنْ تَضَرَّرَ بِهَا، وَلَا سِوَايَ مَنْ مَا زَالَ يُعَانِي مِنْهَا.
أَيَّامٌ مَرَّتْ، وَاعْشَوْشَبَتِ الْأَرْضُ مِنْ جَدِيدٍ، وَاكْتَسَتْ مِنْ بَعْدِ الْجَدْبِ بِسُنْدُسِيَّاتٍ خُضْرٍ، وَمَا زَالُ قَلْبِي الْمَكْلُومُ يَتَأَوَّهُ، وَمِنْ مَآقِيهِ الْحَزِينَةِ تَنْهَمِرُ دُمُوعُ الْفَقْدِ آسِيَةً، وَكَأَنَّ بِالْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ لَا يَحْمِلُ فِي جَوْفِهِ مَرَارَةَ الْفَقْدِ سِوَايَ.
أَعْلَمُ أَنَّنَا رَاحِلُونَ، وَأَنَّ مَا ذَهَبَ لَا يَعُودُ، أَوْ تُرْجِعُهُ لَوَاعِجُ الشَّوْقِ، الْمُتَأَرْجِحَةُ بَيْنَ الْأَنِينِ وَالْحَنِينِ.
لَكِنْ مَنْ يُطْفِئُ نِيرَانَ الْأَسَى الثَّائِرَةَ فِي صَدْرِي، وَقَدْ رَحَلَتْ بِرَحِيلِكَ يَا أَبِي الرَّحَمَاتُ وَالدَّعَوَاتُ، الَّتِي تَمْنَحُ الْقَلْبَ سَكِينَتَهُ وَطُمَأْنِينَتَهُ وَتُنِيرُ الدُّرُوبَ الْمُظْلِمَةَ.
إِنَّهَا الْأَقْدَارُ الْحَتْمِيَّةُ تَرْسُو عَلَى شُطْآنِ حَيَاتِنَا، لِتُكَدِّرَ صَفْوَهَا، وَتَسْلُبَ قُلُوبَنَا سَعَادَتَهَا، وَكَأَنَّ الْمَكْتُوبَ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أَنْ نَحْيَا
بِلَا فَرَحٍ
بِلَا أَمَلٍ
وَبِلَا اسْتِقْرَارٍ
فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ، وَعَنَاءٍ ذَمِيمٍ.
نُدْرِكُ أَنَّنَا لَا نَدُومُ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ طَوِيلاً، وَمَا زِلْنَا نَرْكُضُ لِنَجْمَعَهَا فَتَطْوِينَا كَطَيِّ الْوَرَقِ.
وَتَأْتِي اللَّحْظَةُ الْحَاسِمَةُ لِنَرْحَلَ مِنْهَا مُخَلِّفِينَ لِمَنْ خَلْفَنَا الْأَسَى، وَذِكْرِيَاتٍ لَا تُنْسَى، فِيهَا الْفَقْدُ لِمَنْ نُحِبُّ، وَالْوَحْشَةُ لِمَنْ فَقَدْنَا.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية