قرارات/بقلم:جميل الجيلي (صنعاء _ اليمن )

القرارٌ الاول:

تركتُ نوادي السياسةْ،
وصمّتُ أذنيَّ
عن وكلاءِ الإلهْ.
وجمعتُ شتات ذاكرتي
فما عدتُ أذكرُ من أنا.
******
القرارٌ الثاني :

تركتُ مدنَ الحبرْ،
وخلفْتُ وراء ظهري
فتاوى الخائفينَ من الظلالْ.
سأمشي حافياً
فوق رملِ الروحْ،
أفتشُ عن نبيٍّ لم يبعْ نايَهْ،
وعن طفلٍ يغني
حين ينهدمُ الجدارْ
**
القرار الثالث :

سأسل بوذا :
يجلسُ تحت شجرةِ التينْ،
يبتسمُ للريحِ التي تمرُّ،
اسمعه يتمتم :
من أين يأتي الحزنُ
في عالمٍ خُلقَ ليرقصْ؟
وزرادشتُ يشعلُ شمعةً في العتمةْ،
لينيرَ دربَ التائهينْ نحو النورْ.
وكلُّ قلبٍ ينبضُ بالعشقِ
هو المذبحُ والنجاةْ”.

يا سيدي :
الغناءُ:
شعرٌ،
وترٌ،
ريشةٌ،
نغمٌ وروحْ،
وعودٌ من الأبنوسْ،
ودينٌ تذوبُ به الحدودْ.
وأنا لي رغبةٌ في الغناءُ.

بوذا:
برهمنُ تغنّي
من فجرِ نورِ الوجودْ،
وتعزفُ لحنَ نشيدِ الأبدْ.
وتتكلم في عيونِ الرومي،
وجبران،
وطاغور،
ودانتي.

وبيكارُ يعيدُ النغمةْ
إلى أصلها،
ويعزفُ سولفيجَ نواةِ الإلهْ
على سبعِ صفاتٍ
وسبع مقامات
تفتّحَ منها الغناءْ
بين عرشِ البدايةْ
وقاعِ العدمْ.
وبينهما تسكنُ الميزاتُ التسعْ،
ومنهنّ راعيةُ الملاحمْ.

أفروديتُ في ثوبِ الثلجْ
راقصةٌ في النورْ،
كريشنا ينادي لاكشمي،
وحتحورُ تجمعُهم في الحنايا.
رادها يكتبُ العشقَ المبعثرَ
قصيدةً لريتا،
وأبولو يعزفُها
ليذكّرنا:
أن السفرَ في الأعماقْ
طريقُ الحقيقةْ.

يا سيدي :
هناك حيث نلتقي
لا اسم يعلو على اسم الإنسان
ولا لغة سوى نبض الوتر
………

في مديح الذاكرة الشعرية الموحدة
حين يتراجع الإنسان المعاصر عن رحاب “الكليّة الإنسانية” ليتحصن في خنادق الهويات المتخندقة الضيقة، وحين تصبح الانتماءات أداة للتفرق لا للوصل، لا يعود الشعر مجرد ترفٍ لغوي، بل يتحول إلى فعل مقاومة روحي. فما يفرق الأفراد اليوم داخل الانتماء الواحد بات أكثر مما يجمعهم، وكأن العالم يغرق في شظايا مرايا مكسورة يرفض كل قطاع منها الاعتراف بأصل المرآة.
من هنا يصبح الشعر بالهوية الجمعية معبداً كونياً يرفض هذه التناقضات الوهمية. فالشاعر الحق لا يعترف بالحدود الجغرافية أو الزمنية التي رسمتها الصراعات؛ بل يمد خيوط النور لتتلاقى الأطراف المتباعدة.
“فبرهمن” الهندية تمد يدها لتعانق رؤى “جبران”.
و “حتحور” الفرعونية ترقص بجوار “أفروديت” الإغريقية.
و”كريشنا” و”رادها” يلتقيان بـ “ريتا” و”أبولو”

في فضاء نغمي واحد.

إن هذا الانصهار العابر للأزمنة والأساطير ليس مجرد استدعاء تاريخي، بل هو إقرار واعي بأن الغناء هو الدين الأبدي للوجود، واللغة الأولى التي سبقت تفكك الألسنة. الغناء حياة، والغناء فناء، وبينهما تذوب كل الفروقات المصطنعة.
وحين يكتب الشاعر قصيدته اليوم بالهوية الجمعية ، فهو يفعل ذلك ليذكرنا بأننا أبناء ينبوع واحد، وأن نغمات العود والأبنوس قادرة وحدها على ترميم ما خربته العصبية، وإعادة الإنسان إلى براءة البدايات قبل أن تلوثها رياح الفرقة.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!