ممرٌ سريّ إلى لغتي الأولى(ج1)/ بقلم:علي سيّـــــار

 

منذ أن كنت طفلاً نحيفاً يطلّ برأسه على العالم من ثغرة ضوءٍ في نافذة المدرسة، كانت القصيدة هي الكوكب الأول الذي دار في فلك قلبي. لم يكن شغفي بالشعر شغفاً عادياً، بل كان نوعاً من الهوس الجميل، جنوناً يربّي صاحبه ويأخذه من يده إلى الجهات التي لا يجرؤ الآخرون على الذهاب إليها. كنت أقرأ بشراهة طفلٍ يلتهم المعاجم، وأحفظ أبيات الأمويين والعباسيين كأنني أتلو تراتيل قديمة وجدتها على جدار معبد مهجور. كان الشعر يسكب في عروقي نشوةً غامضة، نشوة تتجاوز حدود الطرب إلى ما يشبه السكر الروحي، ذلك الذي يجعل العالم أخفّ، والروح أثقل.

وعندما هبطتُ إلى المرحلة الإعدادية، اكتشفتُ فجأة أن اللغة بدأت تنبت في داخلي أجنحة، وأن الكلام لم يعد مجرد كلمات، بل بذور قصائد تبحث عن فضائها. بدأتُ أرتجل الشعر العمودي بحدسٍ الفطرة لا بتقعيد العروض، كأن أبياتي تأتي من مكانٍ أعرفه ولا أعرفه، صوتٌ قديمٌ يهمس في أذني ثم يختفي. لكنني، رغم ذلك، لم أكن أحتفظ بشيء. كنت أكتب ولا أعود، كأنني أكتب للريح لا للدفاتر، وللنسيان لا للذاكرة. كأن شعري كان رسائل لزمنٍ آخر، أو لذاتٍ أخرى لم تولد بعد.

كتبتُ في كل شيء: في الغزل حين كانت الدنيا تتورد في عينَي فتاةٍ لا تعرف أنني أحببتُها من طرف بيتٍ شعري، وفي الرثاء حين كان الموت يمرّ قرب قلبي ويترك باباً موارباً للحزن، وفي المدح حين كنت أظن أن الكلمات تستطيع حمل الناس إلى مقامٍ أعلى من وجودهم، وفي التفاؤل حين كانت روحي تنبت رغم الخراب، وفي الأمل حين كان الليل طويلاً جداً والبلاد بعيدة جداً.

كنت أكتب شعري على كل ما تطاله يدي: في كراساتي المدرسية التي امتلأت أكثر مما تحتمل، على جدرانٍ لا أحد يعرف أن خلف طلاءها أبياتاً خجولة، وعلى صخورٍ صامتة في الطرقات الجبلية كأنني أردتُ أن أترك للريح أثراً، وللمطر دفتراً. وفي أوراقٍ مهترئة كنت أخفيها كما يخفي المرء نبؤته الأولى، خجلاً أو خشيةً أو لأن الموهبة في بداياتها تكون هشّة مثل جناح فراشة لا تحتمل الضوء.

كنت أكتب القصيدة، ثم أدفنها. أقبرها بيدي فور ولادتها، كأنني أخشى أن يراها أحد قبل أن ترى هي نفسها. كنت أتركها هناك، في الظل، في العتمة، في الذاكرة الناقصة، وأمضي. وكنت أظن ـ وما زلت أحياناً ـ أن الشعر الحقيقي هو ذلك الذي نكتبه ولا نعود إليه، الذي نطلقه في الفراغ ليُكمل وحده مصيره، بلا توقيع وبلا اسم، كقدرٍ يضلّ الطريق عمداً كي يظلّ شعراً خالصاً لم يمسه حضور البشر.

كنتُ، منذ بداياتٍ لا أذكر ملامحها جيداً، أخجل من أن أترك شعري يتنفس أمام الناس. كنت أتعامل مع القصيدة كما يتعامل طفلٌ مع كنزه الأول؛ يخبّئه تحت الوسادة، يخشى عليه من العيون ومن احتمالات الفقد. لم يكن الأمر خوفاً من نقدٍ أو انتظاراً لمديح، بل خجلاً داخلياً يشبه شعورك حين تحمل ما هو أعمق من قدرتك على شرحه. كنت أكتب في صمتٍ كامل، وأتظاهر بأنني لا أكتب. حتى إخوتي لم يعرفوا أنني أُعاند الليل كل ليلة، وأنثر على الورق ما كنت أظنّه سراً بيني وبين الله. كنت أكتب لنفسي، ولآخر منسيّ يسكن داخلي، آخرٌ لا يشبه أحداً ممن حولي، لكنه يشبهني حين أتعرّى من كل ما تربّيت عليه.

وفي مرحلة الثانوية، حين بدأ العالم يشتد حولي ويضيق، وجدتُ أن الكلمات تتسع أكثر مما توقعت. كأنني كلما شعرت بضيق الحياة، فتحتْ الكتابة نافذة من جهة أخرى. توسعتُ من القصيدة العمودية ـ تلك التي اخترتها أول الطريق، على خلاف الناس الذين يبدؤون من الأسهل ـ إلى فضاءات أبعد: مقالٌ يشتكي من فكرة، قصةٌ قصيرة تهرب من نهاياتها، خاطرة تتنفس بين سطرين، وشعر تفعيلة يحاول أن يُفلت من قيود الوزن، وشعر حرّ يريد أن يكتب العالم دفعة واحدة. لم أكن أبحث عن تنويعٍ بقدر ما كنتُ أبحث عن طريقة لفهم نفسي، وكأن كل نمط أدبي كان يقدّم لي مرآة مختلفة، أرى فيها وجهاً لم أعرفه من قبل.

ثم جاءت السنة الأولى في الجامعة، السنة التي شعرتُ فيها أن الوقت لا ينتظر أحداً. فجأة، حدث ما يشبه انشقاق الضوء في جدارٍ مظلم؛ خرجت كتاباتي من دفاتري المتوارية، انسلّت من مخابئها القديمة. صارت تتسلل إلى مجموعات الأصدقاء والزملاء، وإلى مساحات أدبية لم أعد أتذكر حتى كيف دلفتُ إليها. لم أكن شجاعاً بما يكفي، ولا واثقاً بما يكفي، لكن الكلمات كانت قد سبقتني. كانت تنشرني على الملأ بصوتٍ ليس لي، وتجرّني إلى الضوء بينما كنتُ ما زلتُ واقفاً عند الظل. كنت أتوارى عن الأنظار، نعم، لكن نصوصي كانت تتقدّم باسمي، وكأنها تقول للعالم: هذا هو… حتى لو لم يقف أمامكم بعد.

هكذا بدأت الحكاية: خجلٌ يلد كتابة، وكتابةٌ تلد عالماً، وعالمٌ يدفعك إلى أن ترى نفسك من جديد. لم أختر أن أكون كاتباً، ولم أقرر أن أخرج إلى الضوء، لكن الكلمات ـ مثل قدرٍ صغير ـ كانت تعرف طريقها قبل أن أعرفه، وتعرف أن ما أكتبه في الظلام سيبحث، يوماً ما، عن قارئ يشبهني.

حين يتقدّم الخجل على القصيدة

حين خرجت قصائدي من عتمتها الأولى، ككائناتٍ وديعةٍ تعلّمت المشي لتوّها، ولامست شيئًا من قلوب أولئك الذين يصغون للشعر بوصفه نجاةً لا ترفًا، بدأت الدعوات تتقاطر عليّ من أماكن شتّى؛ منصّات، أمسيات، فعاليات تقول لي: قف هنا، اقرأ، ارفع صوتك ليسمعه العابرون. وكان الصوت في داخلي أخفض من الهمس.

أنا ابنُ الريف، والريف لا يعلّم أبناءه الوقوف في الضوء، بل يدرّبهم على الإصغاء الطويل، على أن يكونوا ظلّ الشجرة لا ثمرتها، وماء الجدول لا صخبه. لذلك كان الخجل ـ ولا يزال ـ سيّدي الصامت، يسبقني بخطوة، ويجلس في صدري كحارسٍ قديم، يضع يده على فمي وأخرى على حنجرتي كلّما همّت القصيدة أن تُقال.

كنت أرى القصيدة في داخلي جريئة، تعرف طريقها إلى القلوب بلا استئذان، لكنها حين تبلغ عتبة الصوت ترتجف، وتعود طفلةً تتعلّق بطرفي. كيف لي أن أواجه جمهورًا وأنا بالكاد أواجه مرآتي؟ كيف أقرأ نصًا كُتب في سرّي، في عزلتي، في ليالي لا شهود لها سوى القمر؟

حتى في مجالس الأصدقاء، حيث الألفة تُسقط الأقنعة، كنت أتأخّر عن قصيدتي. أقدّم الصمت عليها، وأراوغ الطلب، ولا أقرأ إلا بعد إلحاحٍ يشبه العناق، وبعد تردّدٍ يشبه الاعتراف. كأنني كلّما قرأت، كنت أعرّي شيئًا هشًّا في داخلي، وأتركه عاريًا أمام العيون.

غير أنّ الخجل ـ على قسوته ـ لم يكن يومًا عدوّي. كان طريقة أخرى للحب. كنت أخجل لأنني أصدّق القصيدة أكثر مما أحتمل، ولأنني أعرف أنها حين تُقال لا تعود لي، بل تصير ملكًا للآخرين، وأنا لا أجيد الفقد السريع.

وهكذا أمشي إلى الآن بين الدعوة والاعتذار، بين الرغبة والارتباك، أحمل قصيدتي كمن يحمل ماءً في كفّيه: أخشى أن يسكبه الريح، وأخشى أكثر أن لا يقدّمه لأحد.
لربما سأتعلم يوما أن أقف بلا ارتجاف، وأن أترك القصيدة تسبقني إلى الضوء، لا لأن الخجل غادرني، بل لأنني صالحته. سأقرأ حين أشعر أن القلب أكثر شجاعة من الصوت، وحين أدرك أن القصيدة لا تُخجِل صاحبها، بل تشفع له وتقدّمهُ على سواه. إلى ذلك الحين، سأظل أقدمها ببطء يشبه الدعاء، وبحياء يشبه الحب، لأن بعض الأصوات خلقت لتصل … لا لتعلو.

كانت ـ وما زالت ـ تأتيني القصيدة بغتة حين أكون أقل استعداداً لها، حين أضع قلبي جانباً وأمضي خفيفاً في يوم عادي، لا أتهيأ لدهشة، ولا أفتح نافذة للغيب. فجأة، دون مقدمات، أشعر بأن شيئاً ما يتشكل في داخلي، ليس فكرة واضحة ولا معنى مكتملا، بل حرارة خفيفة تسري في الروح، كأن القلب يتذكر نفسه لأول مرة.
تدخل عليّ كما يدخل الضوء من شقٍّ غير مرئي، لا يطرق باباً، ولا يستأذن العقل، بل يتسلّل مباشرةً إلى تلك المساحة الهشّة بين القلب والدهشة.

القصيدة عندي لا تبدأ بالكلمات تبدأ بالرجفة، برعشة صغيرة في الداخل، باضطراب لا أجد له تفسيراً، كأن الوجود يهمس لي: انتبه … ثمة شيء يريد أن يُقال. في تلك اللحظة يصبح الصمت أكثر كثافة من الصوت، وتتحول المشاعر إلى لغة غير منطوقة، لغة لا يفهمها إلا من جرب أن يصغي لقلبه وهو يتلعثم بالمعنى.

حين تولد القصيدة يضيق العالم من حولي ويتسع المعنى، وتصفو داخلي مساحة بعيدة. تتساقط التفاصيل الثقيلة، ويبقى الجوهر عارياً، هشاً، وصادقاً. أرى الأشياء بعين أخرى، الحزن أكثر شفافية، الفرح أقل ضجيجاً، والذكريات تخرج من عتمتها بلا استئذان. تصير التفاصيل الصغيرة بواباتٍ سرّية: طيفٌ لاح في عين القلب، عطرٌ يمر في الذاكرة، رائحة قهوة، غيمة عابرة، صوت خِلٍ بعيد، أو وجعٌ لا اسم له، هناك، في هذا التعري الجميل، تتنزل القصيدة كما يتنزل الوحي الروحي الصامت.
وحي القصيدة لا يجلجل إنه يمشي على أطراف القلب بصمت. يخاطبني بهدوء العارفين، ويختبر قدرتي على الإصغاء لا على الكتابة. فإن استعجلته نفر، وإن أثقلته بالوعي خفت صوته. لا يأتيني إلا حين أكون صادقاً مع ضعفي، حين أخلع عني يقين العقل وأقف عارياً أمام دهشتي كطفلٍ يكتشف اللغة للمرة الأولى.

وحين أمسك القلم، لا أكتب بقدر ما أتبع أثراً. الكلمات تقودني ولا أقودها، تسبقني خطوة، وتلتفت إلي لتتأكد أنني ما زلت خلفها. بعض الجمل تولد مكتملة كأنها كانت تنتظرني منذ زمن، وبعضها يتعثر، يتردد، يطلب مني صبراً وحناناً، فأمنحه ما أستطيع وأترك له ما لا أملك.

وعندما تنتهي القصيدة لا أشعر أنني أنجزت شيئاً عظيماً، بل أنني نجوت. نجوت من فائض شعور كان سيختنق في صدري لو لم يجد طريقه إلى البوح. أضع النقطة الأخيرة، وأتنحى جانباً، شاعراً بأن القصيدة لم تكن لي تماماً، وأنني كنت مجرد ممر عابر لوحيٍ رقيق اختار قلبي، مر به، وترك فيه أثراً لا يُمحى.

انني حين أكتب أنسحب من العالم بهدوء كامل، كأن أحداً أطفأ المحيط الخارجي دفعة واحدة، وترك لي غرفةً خالصة من الزمن. أفقد إحساسي بالأشياء من حولي، لا لأنني أتجاهلها، بل لأنني أعبر إلى ضفةٍ أخرى لا تصلها الأصوات. الوجوه تصبح بعيدة، الكلمات التي تُقال لي تمر من جواري بلا معنى، وأنا هناك… خارج النطاق خارج اللحظة، خارج الزمن، كأن الوجود نفسه منحني إجازة قصيرة من حضوره.
في تلك الحالة لا أكون مشتتاً، بل مفرغاً من الضجيج، مستغرِقًا في الأقاصي، التركيز الذي يبدو غائباً هو في الحقيقة تركيز كامل في اتجاهٍ واحد، تركيز حد الذوبان. كأن الوعي ضاق حتى صار نقطةً واحدة، وكل ما عداها سقط الزمن يتفكك، لا ماضٍ ولا مستقبل فقط الآن الخالص، الآن الذي لا يُقاس بالساعات بل بالخفقان.
أسمع داخلي أكثر مما أسمع خارجي. الأصوات القادمة من العالم تصبح خافتة كصدىً بعيد، بينما ترتفع في القلب نبرة أخرى، أعمق وأصدق. هناك تتقدم المعاني بلا لغة أولاً، تتقدم كإحساسٍ خام ككتلة نورٍ أو ظِل، وأنا أتبعها دون سؤال، دون مقاومة، لأن العودة إلى الواقع في تلك اللحظة تبدو خيانة لما يتكون.
أبدو للآخرين شارداً، لكنني في الحقيقة حاضرٌ إلى أقصى حد. حاضرٌ في جوهر لا يُرى، في منطقة لا تصلها الإشارات اليومية. إنهم ينادونني ولا أجيب، لا عن تجاهل، بل لأن المسافة بيننا صارت أكبر من الصوت. كأنني أكتب من مكان لا يسمى، من فجوةٍ بين القلب واللغة، حيث لا مكان للشرح ولا مجال للتبرير.

وحين أعود أعود ببطء، كمن عاد للتو من كهوف الأبدية، مثقلاً ببقايا الصمت والغياب. أحتاج لحظات لأستعيد اسمي، ملامحي، والوقت الذي تركته خلفي. أعتذر بعيني عن غيابي، وأصمت، لأن ما كنتُ فيه لا يُقال. الكتابة ليست شروداً، إنها سفرُ داخلي عميق، ومن يسافر حقاً …. لا يلتفت وهو يعبر منها إلى ذاته.
ـــــــــ

يتبع…

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!