مَا لَمْ تَقُلْهُ رِئَةُ الكَلَامِ
بَلِّلْ بِعَذْبِ الشِّعْرِ قَلْبَكَ
كَيْ يَسِيرَ – كَرِقَّةٍ فِي المَاءِ – رَطْبَاً
وَارْتَشِفْ مِنْ نَبْعِهِ عَبَقاً كَزَهْرِ الأُقْحُوَانِ
اقْرَأْ بَسَالَةَ (ابْنِ شَدَّادٍ) إِذَا
أَهْدَى المَعَارِكَ حَرْفَهُ، وَسَنَانَه
وَهْوَ الَّذِي فِي عُمْرِهِ لَيْثٌ عَبُوسٌ
مَا لَهُ فِي الخَلْقِ ثَانِ!
اقْرَأْ أَسَى (الخَنْسَاءِ) كَيْ تَدْرِي بِأَنَّ الفَقْدَ أَوْجَعُ مَا يَمُوتُ بِهِ الفَتَى
أَوْ مَا يَذُوقُهُ مِنْ بَلاءِ الامْتِحَانِ
وَبِأَنَّ قَافِيَةَ الرِّثَاءِ
هِيَ انْهِمَارُ الدَّمْعِ فِي وَجَلٍ يُعَاشُ بِلا أَمَانِ
اقْرَأْ لِفَلْسَفَةِ (المَعَرِّي) حِكْمَةً
عَقْلِيَّةً.. تَمْضِي كَمَا مَضَتِ الثَّوَانِ
لا يَنْحَنِي لِجِهَاتِهِ..
بَلْ بَيْنَ هَذَا وذاكَ يَبْدُو كَالْعَيَانِ
وَانْهَلْ جَدَارَةَ كِبْرِيَائِكَ مِنْ “عَظِيمِ الشِّعْرِ” فِي مَرِّ الزَّمَانِ..
ذَاكَ الَّذِي “الأَعْمَى” رَأَى أَبْيَاتَهُ
وَمَضَى لِيَسْمَعَهَا “الأَصَمُّ” لأَنَّهَا جَاءَتْ بِمُعْجِزَةِ البَيَانِ
وَاتْبَعْ خُطَى (الحَلاجِ).. حَدِّقْ فِي مَرَايَاهَا
لِتَسْمُو لِلمَدَى شَهَقَاتُ رُوحِكَ
حِينَ تَصْعَدُ فِي سَمَاواتِ المَحَبَّةِ وَالتَّفَانِي
وَاسْكَرْ بِخَمْرِ “العَارِفِينَ”..
فَإِنَّ نَشْوَتَهَا الرُّقِيُّ إِلَى العُلا.. وَإِلَى الأَمَانِي
اقْرَأْ لِـ (ابْنِ رَبِيعَةٍ) كَيْ لا يُلامَ العَاشِقُونَ
لأَنَّهُمْ سَنُّوا التَّغَزُّلَ بِالجَمِيلاتِ الحِسَانِ
فَالشِّعْرُ إِخْبَارٌ بِمَا ذَاقَ المُحِبُّ..
مِنَ الهَوَى.. وَالافْتِتَانِ
وَإِذَا سَمِعْتَ (أَبَا نُوَاسٍ) فِي الهَزِيعِ
يَقُولُ شِعْرًا مَاجِنًا.. فَانْصُتْ إِلَيْهِ
وَخُذْ بَلاغَتَهُ.. وَدَعْ “قَدَحَ الدِّنَانِ”
وَارْوِ فُؤَادَكَ مِنْ صَدَاهُ
مَتَى يَؤُوبُ لِرَبِّهِ مُسْتَغْفِرًا:
“يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي”
كَيْ تُبَارِكَكَ القَوَافِي
وَهْيَ فِي المِحْرَابِ تَخْشَعُ كَالأَذَانِ
وَانْصُتْ إِلَى (السَّيَّابِ) إِنَّ بَيَارِقَ الشُّعَرَاءِ لا تَفْنَى
وَجَيْكُورُ الحَبِيبَةُ وَالقَرِيبَةُ لَيْسَ تُنْسَى
فَهِيَ مَمْلَكَةُ الجِنَانِ
وَالشِّعْرُ فَلْسَفَةٌ تَبُوحُ بِكُلِّ مَا اسْتَعْصَى عَلَى رِئَةِ الكَلامِ
كَأَنَّهُ وَحْيٌ تَنَزَّلَ خَاشِعًا فَوْقَ اللِّسَانِ
وَاحْذَر مِنَ اللَّغْوِ الَّذِي يَدْنُو إِلَيْكَ
فَإِنَّهُ نَارٌ سَتُحْرِقُ “طُورَ رُوحِكَ” ثُمَّ تَطْمِسُ مَا بَهَا..
وَالنَّارُ تُعْرَفُ بِالأَجِيجِ، وَبِالرَّمَادِ، وَبِالدُّخَانِ
فَالشِّعْرُ بَوْحٌ يَسْتَرِيحُ إِلَى الشَّغَافِ
بِلا وَسِيطٍ عَابِرٍ.. أَوْ تُرْجُمَانِ
وَالشِّعْرُ رُوحٌ فِي الصُّدُورِ
فَقُلْ بِرَبِّكَ لِلمَدَى:
مَا قِيمَةُ الرُّوحِ الَّتِي تَحْيَا بِنَبْضِ شُعُورِهَا دُونَ الكِيَانِ؟
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية