الحبكة الدائرية والابتكار الشكلي في رواية المهندس ل سامر المجالي.

منال العبادي

عندما يكون التصعيد مدروسا والانهيار محسوبا تكون هذه رواية “المهندس”؛ فعنوان الرواية ليس مجرد مهنة للبطل، بل هو منهج سردي يتحكم في بناء الرواية، فهي استعارة وجودية لفهم الحياة وعدسة رؤية يرى البطل من خلالها العالم، كما أنها تقنية سردية تحوّل التجربة الإنسانية إلى مشروع يمكن تحليل جماليته الفنية التي تدمج بين الدقة العلمية والعاطفة الإنسانية. هذه العلاقة العضوية بين العنوان والتقنية السردية تجعل من “المهندس” نموذجًا فريدًا للرواية التي يكون فيها الشكل تعبيرًا عن المضمون، والوسيلة جزءًا من الرسالة. العلاقة بين عنوان الرواية “المهندس” والتقنية السردية علاقة عضوية عميقة تمثل أحد أبرز الابتكارات في العمل، مثل البناء السردي المُهندَس، فتخطيط الروائي المُحكم للنص كما يخطط المهندس للمشاريع، خطط السرد بحساب دقيق وبتسلسل منطقي، فالأحداث تتبع تسلسلًا هندسيًا في العرض. واشتغل الكاتب على الموازنات السردية، كالتوازن بين المشاهد النفسية والواقعية، واشتغل أيضا على المعادلات السردية والمشاكل الوجودية، كمعادلات رياضية تحتاج لحل والحياة كمشروع إنشائي معقد، أما السعادة فهي معادلة غير متوازنة.

أما المنهجية الهندسية في السرد من خلال التفكيك والتحليل فكانت كما يفكك المهندس المشاكل يفكك البطل حياته، وإعادة التركيب ومحاولة إعادة بناء الذات كما يُعاد بناء المنشآت، وأيضا حساب التكاليف فكل قرار له تكاليف نفسية ومادية محسوبة، أيضا وظف اللغة التقنية كأداة سردية، فالمصطلحات الهندسية تتحول إلى استعارات نفسية، والمفاهيم الإنشائية تُستخدم لوصف البنى النفسية، والحسابات الرياضية تعبير عن محاولات فهم الحياة. وكذلك الهيكل السردي المُقَسَّم، فالتقسيم الهندسي للرواية ومنها الأقسام الرئيسية (كالأجنحة في المبنى) والفصول الفرعية (كالغرف المتصلة) والجسور السردية عبارة عن انتقالات مدروسة بين الأزمنة، كما يصون المهندس المنشآت. ويحاول البطل صيانة ذاكرته بالتفتيش الدوري ومراجعة الذكريات باستمرار والعمل على الإصلاحات ومحاولات إصلاح الأخطاء الماضية والكشف عن العيوب، فمن خلال السرد يكشف عن “الشقوق” في الشخصية، والتشققات النفسية كما التشققات في المباني، وضعف الأساسات كما ضعف الأساسات الوجودية. وعمل أيضا على الحسابات السردية كحساب المسافات، كالمسافة بين الطموح والواقع والمسافة بين الماضي والحاضر والمسافة بين الصحة والمرض، وقياس الضغوط كما يقيس المهندس ضغوط المنشآت يقيس البطل ضغوط الحياة، والضغوط خارجية مثل: العمل، الديون، العلاقات، والضغوط الداخلية: الاكتئاب، القلق، الوسواس. وكانت الدقة السردية واضحة ولها قياسات دقيقة كما يحتاج المهندس للدقة، يحتاج السرد لدقة في وصف المشاعر وتسجيل التفاصيل وتحليل المواقف، وبرع في إبراز المواصفات السردية فكل مشهد له “مواصفات فنية” محددة وكل شخصية لها “مقاييس” نفسية وكل علاقة لها “معايير” خاصة.

كانت الرواية كالمنظور الهندسي في الرؤية ورؤية العالم كمشروع، فالحياة مشروع إنشائي ضخم والعلاقات مشاريع مشتركة والذات موقع بناء دائم، عمل الكاتب على موازنة العناصر كما يوازن المهندس بين المتطلبات، يوازن السرد بين الذاتي والموضوعي والعاطفي والعقلي والفلسفي والواقعي. وعمل على دقة الحسابات، فكل قرار سردي له “تكلفة” نفسية، وكل خيار له “عائد” وجودي. لكن كما كان التناوب السردي تكنيكا من أسس الرواية فهناك مثلا فصول تقنية (وصف المشاريع) وفصول نفسية (وصف المشاعر) وفصول فلسفية (التأملات)، ودمج الكاتب المفاهيم المُهندسة مثل الأعمدة التي تدل على الركائز النفسية والجسور على الصلات الإنسانية والأساسات على القيم والمبادئ كما كانت الهياكل هي البنى النفسية في الرواية. أما بالنسبة لتوظيف العمليات الهندسية في الرواية فكان دقيقًا مثل الصب يدل على تشكيل الذات، والشد يدل على الضغوط النفسية، أما الضغط فهو دليل الأزمات الوجودية. عمل سامر المجالي على التدرج السردي المُهندَس والتصعيد المدروس، فكان كما يبني المهندس الطوابق، يبني السرد والأزمات، فكل طابق سردي أعلى من سابقه وكل أزمة أعمق من سابقتها.

الابتكار الشكلي في رواية “المهندس” يتجلى في عدة مستويات متطورة فهو تركيب هجين (Hybrid Structure) مليء بتعدد الأجناس الأدبية ومنها السيرة الذاتية الواقعية، كسرد حياة المهندس فراس بتفاصيل واقعية وكتابة اليوميات، فهذه التدوينات اليومية تعكس تطور الحالة النفسية للبطل. واعتمد ايضا على المونولوج الدرامي من خلال حوارات داخلية عميقة تبين البعد النفسي للبطل، وجعل جميع التأملات الفلسفية والمقاطع التأملية كمقال فلسفي واستخدم الاستعارات التقنية واستخدم اللغة الهندسية كاستعارات وجودية، كما كان هناك الانزياح بين المستويات الزمنية والثقافية من الواقعي، السريالي، الفلسفي، التقني. واعتمد الروائي سامر المجالي على البناء الزمني غير الخطي والتقنيات الزمنية المبتكرة والارتجاع الزمني العضوي، فلا يعود للماضي بشكل تقليدي، بل من خلال الذاكرة الانتقائية، واعتمد كثيرا على الزمن النفسي، فالوقت يتسارع ويتباطأ بحسب الحالة النفسية للبطل. وهيمن التداخل الزمني، الماضي بالحاضر يمتزجان بحرفية في المشاهد الهلوسية، ومن هذه المشاهد مشهد سقف المبنى المرتفع يجمع بين الذكرى (الماضي والواقع الحاضر) والهلوسة (المستقبل المتخيل). كما كان لتمثيل الوعي عبر الشكل دور بارز؛ فالشكل يعكس المضمون، والفقرات الطويلة تعكس تدفق الأفكار الوسواسي. أما الفقرات القصيرة المفاجئة فتمثل نوبات القلق، والتكرار يعكس الدوران الفكري في الاكتئاب الذي يعيشه البطل.

القارئ للرواية يلاحظ تعدد الأصوات البنيوية وطبقات الصوت السردي، فالصوت التقني كان صوت المهندس المحترف والصوت الوجودي صوت الإنسان المتسائل، أما الصوت المرضي فهو صوت المكتئب اليائس، والصوت الذكري صوت الحالم بالماضي. كل هذه الأصوات السردية أدت الرسالة بهندسة وحرفية روائية. ومن الابتكار الشكلي أيضا التناقض البنيوي؛ فهناك الفصول التقنية (المشاريع الهندسية) وهناك الفصول التأملية (الحوارات مع الشيخ خالد)، وأيضا كان هناك على النقيض تماما التماثل البنيوي (Structural Symmetry)، والتناظر المعكوس، فالبداية كانت طموحًا، بناء، صعودًا، والنهاية كانت يأسًا، انهيارًا، ثم هبوطًا. ومن الملاحظ أن الكاتب اعتمد على الدوران البنيوي، إذ تبدأ الرواية وتنتهي في عيادة الطبيب النفسي لكن بوعي مختلف تماما. ولاحظنا الابتكار في تقسيم الفصول؛ فالتقسيم فيها غير تقليدي، فهناك فصول تحمل أسماء تقنية: “أهداف ذكية” “رعاك الله”، وفصول تحمل أسماء نفسية “جبل الجليد” “ما بعد الحداثي”، وفصول تحمل أسماء وجودية “مواطن صالح” “دجاج محشي”. كانت جميع هذه الفصول بمسمياتها مدروسة بدقة روائي مبدع، فهناك تنوع في الطول، هناك فصول طويلة متأملة وفصول قصيرة حادة تماوجت فيها فصول الرواية بين موجات الصعود والهبوط، وهذا الإيقاع البنيوي أضاف الكثير للرواية، فالموجات الطويلة تدل على التطور البطيء للحالة النفسية، والموجات القصيرة تدل على النوبات المفاجئة للقلق واليأس. أما بالنسبة للمفارقات فكانت المفارقات الزمنية واضحة بين فصول الرواية، فالوقت البطيء في المعاناة والوقت السريع في الذكريات السعيدة، فكان الابتكار الشكلي في “المهندس” يتمثل في خلق شكل سردي يعادل الحالة النفسية للبطل وتحويل البنية الروائية إلى استعارة وجودية، كما دمج التخصص الهندسي مع الحساسية الأدبية وكان كل ذلك مع ابتكار لغة سردية جديدة تعبر عن التجربة الاكتئابية. هذا الابتكار يجعل الشكل الفني للرواية ليس مجرد وعاء للمضمون، بل جزءًا أساسيًّا من التجربة الأدبية والمعنى العميق للعمل، فالحبكة الدائرية في رواية “المهندس” تمثل أحد أبرز الابتكارات البنائية، وتعمل على مستويات متعددة كالمستوى الزمني المكاني، فكانت البداية والنهاية في العيادة النفسية، البداية زيارة الدكتور فاضل (الأمل في العلاج) والنهاية في العودة إلى الدكتور فاضل (اليأس من العلاج). هذه الدورة الزمنية بين عيادة الطبيب والذكريات و التجارب والإخفاقات ثم انتهت بعيادة الطبيب، وعلى صعيد المستوى النفسي مرت بدورة الاكتئاب: أمل، طموح، محاولة، فشل، يأس ثم اكتئاب، مع تكرار نوبات الهوس والاكتئاب، فكل دورة أعمق من سابقتها وكل حلقة أشد إيلامًا.

المتمعن بالرواية يجد بأن هناك ما يسمى التماثل الدائري في الأحداث، كالتكرار المتصاعد. مثال ذلك مشروع البناء الأول (بداية الحياة العملية) حماس، نجاح مشروع (ذروة الطموح) طموح، انهيار، والمشروع الأخير (ما بعد الانهيار) يأس، فشل أيضا. هناك دورة العلاقات، فالعلاقة مع راية بدأت بحب، زواج، توتر، انفصال، مصالحة، جفاء. والعلاقة مع محمد عزام كانت إعجاب، ثقة، تعاون، خيانة، كره. كان تفعيل الانزياحات في التكرار لغاية وهدف، فكل تكرار يأتي بتفاصيل جديدة وكل دائرة تكشف طبقة أعمق من الشخصية. ثم إن التكرار ليس مطابقًا بل متطورًا، والقارئ للرواية يلاحظ الكثير من الدوائر المتداخلة كالدائرة الكبرى (المصير الوجودي) الميلاد، الطفولة، الشباب، النجاح، الانهيار، وتنتهي بالموت النفسي. أما الدوائر الصغرى كالدائرة المهنية فبدأت بتعلم، احتراف، نجاح، فشل، ثم بداية من جديد. أما الدائرة العاطفية فبدأت بحب، زواج، أزمة، انفصال، مصالحة. والدائرة النفسية صحة، مرض، علاج، انتكاسة، يأس. نلاحظ اعتماد الكاتب ايضا على الزمن الدائري وانعدام التقدم الخطي، فالزمن لا يتقدم بل يدور، العودة لنفس المشاكل، تكرار نفس الأخطاء، إعادة نفس التجارب. حتى إن الأحداث تدور في ذاكرة دائرية، الذكريات تعود بشكل متكرر، الماضي يحضر في الحاضر بشكل وسواسي، المستقبل يُتصور كتكرار للماضي. كان استخدام التكرار كاستعارة، فالتكرار يعكس الوسواس الفكري في الاكتئاب، الشعور بالحصار في الحياة وانعدام التقدم الوجودي، ويكون الدوران في حلقة مفرغة. والأبرز من وظائف الحبكة الدائرية برزت الوظائف السردية وخلق الإحساس بالحصار، حيث يعيش القارئ تجربة الشعور بالحصار وتمثيل الاكتئاب، فالشكل السردي يعادل المضمون النفسي وبناء التوقع والإحباط، فالقارئ يتوقع التغيير لكنه لا يحدث، ثم تعميق التعاطف وفهم دورية المعاناة النفسية، فالحبكة الدائرية في “المهندس” ليست مجرد تقنية سردية، بل هي استعارة عميقة للحالة الوجودية للإنسان المعاصر، وتمثيل فني رفيع لتجربة الاكتئاب واليأس، حيث يصبح الشكل السردي تعبيرًا عن المضمون النفسي، مما يجعل الرواية عملًا متكاملًا يتجاوز السرد التقليدي إلى التمثيل الجمالي للتجربة الإنسانية.

“المهندس” عمل أدبي طموح يجمع بين السرد الروائي والتأمل الفلسفي، ويقدم صورة عميقة عن إنسان يعاني من صراعات داخلية وخارجية في مجمع متسارع. رغم بعض الهنات الفنية فإنه يظل عملًا متميزًا في فئة الأدب الذي يتناول حياة المهنيين وصراعاتهم الوجودية، ويمكن وصفه بأنه مزيج بين “الوكرة” في واقعيته و”موسم الهجرة إلى الشمال” في عمقه النفسي، لكنه يحمل بصمة خاصة تجعله عملًا يستحق القراءة والدراسة.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!