ماذا لو كانَ لي أربعونَ وجهاً
دونَ نعتي بالنفاقِ؟
وهذا سؤالي لكمْ؟
أربعونَ قيامةً صغيرةً
تنهضُ كلَّ صباحٍ
أحاولُ بها أن أُقاسَ على اتساعِ حياتي.
١/ وجهٌ للصديقاتِ
أضحكُ فيه حتى يظنَّ الوقتُ أني أمُّهُ
أخفي في جيبي ارتباكَهُ فلا أفسدُ خِفَّتهنَّ، وأقولُ: التي من زجاجٍ بيتُها لا ترمي سواها بحجرٍ
وأعلمُ أنَّ لبيتي نوافذَ كثيرةً.
٢/ وجهٌ للأبناءِ
ملامحي فيه سورةُ الطّمأنينةِ
أقرؤها عليهم وأخفي آيةَ الخوفِ
فلا يتزعزعُ إيمانُهم برحمتي
أعلقُ صوتي فوقَ سريرِهم كتميمةٍ
بينما قلقي ينامُ تحتَ الوسائدِ.
٣/ وجهٌ لسيدِ الرحلةِ عرّابِ الرّحيلِ
ابتسامتي فيه مرفأٌ وروحي سفينةٌ بلا بوصلةٍ
أقولُ: الطريقُ واضحٌ
وأعلمُ أنَّ الطّرقَ مثلَ الرجالِ لا تُعطيكَ وجهَها الحقيقيَّ من اللقاءِ الأولِ.
٤/ وجهٌ لأمي
أعودُ فيه طفلةً كي لا يشيخَ قلبُها قبلي
أُخبرُها أني بخيرٍ
والخيرُ في الأمثالِ كالسّمنِ البلديِّ
يطفو على السّطحِ، أمّا القاعُ فأعرفُهُ وحدي.
٥/ وجهٌ للأقاربِ
نصفُه نسبٌ ونصفُه مجاملةٌ
يصمتُ أكثرَ ممّا ينبغي
فالدّمُ لا يصيرُ ماءً
لكنه أحياناً يتخفّفُ من لونِهِ.
٦/ وجهٌ للجاراتِ
أرشُّ عليه ملحَ الطّعامِ بقدرٍ
كي لا يُقالَ: لسانُها طويلٌ
وأفهمُ أنَّ اللسانَ لا يطولُ إلا إذا قُصَّ الصمتُ من جذورِهِ.
٧/ وجهٌ لسائقِ سيارةِ الأجرةِ
أصيرُ فيه شارعاً واسعاً
يمرُّ بي الناسُ ولا يعرفون كم حادثاً وقعَ عندَ قلبي.
٨/ وجهٌ لبائعِ الخضارِ
أساومُه فيه على البصلِ
وأساومُ نفسي على الصّبرِ
وأتذكّرُ أنَّ الرزقَ على اللهِ
والكرامةُ ليست بضاعةً في ميزانٍ.
٩/ وجهٌ للشعرِ
آه…
هذا جلدٌ مسلوخٌ
أعلّقه على حبلِ اللغةِ حتى إذا ما جفَّ ارتديتُه قصيدةً عاريةً، كأنما انشقَّ عنها البحرُ حين ضربَتْهُ عصايَ
فخرجتِ الكلماتُ غرقى
وقالتْ: اكتبي.
١٠/ وماذا عن بقيةِ اتساعي
وجهٌ حين أغضبُ وأصرخُ
وآخرُ حين أصرخُ ولا يسمعني أحدٌ
وجهٌ حين أصفحُ
وآخرُ حين يَعجِزُ الصفحُ
وجهٌ للقريةِ
وآخرُ لمدينةٍ تسكنُ دمي
وجهٌ لطفلةٍ لم تكبرْ
وآخرُ لامرأةٍ سبقتْ عمرَها
وجهٌ للخِذلانِ الذي أُنكرهُ
وآخرُ للانتظارِ الذي يُنكرني
ووجهٌ للذين تأخّروا حتى بردَ الشايُ
وجهٌ لمن أحبُّ
وآخرُ لمن تجرّأ أن يُحبَّني
وجهٌ لمن رحلَ
وآخرُ لمن بقيَ كشوكةٍ في العينِ
وجهٌ حين أكتبُ
وآخرُ حين أمزّقُ ما كتبتُ
وجهٌ للحقيقةِ
وآخرُ حين أبتلعُها كي لا أخسرَ المزيدَ منكم
وجهٌ للغريبِ
وآخرُ للذي ظنَّ أنه يعرفُني
وجهٌ لمن حاولوا كسري
فصاروا قِطعاً في فسيفسائي
وجهٌ للَّيلِ
وآخرُ للفجرِ
وجهٌ للدعاءِ حين ينتظرُ الاستجابةَ
وآخرُ للصبرِ حين يتعبُ
وجهٌ للكبرياءِ
وآخرُ للضَّعفِ الذي أعرفهُ وحدي
وجهٌ للحكيمةِ أنا
وآخرُ للأنثى التي لا تعرفُ نفسَها
وجهٌ للقصيدةِ حين تتدلّلُ
وآخرُ حين تُعاقبُني
وجهٌ للنورِ
وآخرُ للعتمةِ التي أؤثّثها داخلي
وجهٌ للندمِ
وآخرُ للرضا.
٣٨/ وجهٌ للزوجةِ المُطيعةِ
أقولُ:
امشي جنبَ الحائطِ
فأضحكُ لأنّي
أنا الحائطُ
وأنا الجنبُ والظلُّ
وأنا التي تمشي.
٣٩/ وجهٌ ليامن
وهذا ليس قناعاً
بل لوحٌ محفوظٌ
أقرأُ فيه ما لا أجرؤُ على فهمِهِ
فإذا ضاقَ صدري
قلتُ: يا أرضُ ابلعي ماءَكِ
فلا أرضُهُ تبلعُ
ولا سمائي تفتحُ
لتبقى الأمومةُ واقفةً
كأنّها الطوفانُ.
٤٠/ وجهٌ لي
حين أخلعُهم جميعاً وأصيرُ مطراً موسمياً
رغم أني غيمةٌ لا تثقُ بالرياحِ
يا اللهُ….
منكَ يبدأُ الخجلُ
لم يزدْ وجهٌ لكَ
لا ضيرَ
فأنا أمامَكَ يقينٌ مكشوفٌ
خلقتَ العظمَ وتعلمُ مكامنَ الكسورِ
وتعلمُ أنَّ ما سبقَ دفاعاً شرعيّاً
عن روحٍ تحاولُ ألا تؤكلَ حيّةً
في سوقٍ
يبيعُ الصدقَ بالأوقيةِ
ليشتريَ كذباً بالجُملةِ
في زمنٍ تُطالبُ فيه( عبدتك عائشة)
بارتداءِ خفينِ
والمشيِ على رؤوسِ أصابعِها.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية