فستان زفاف/بقلم:لبنى القدسي

​هرعت أمل نحو غرفتها، أوصدت الباب خلفها، ومشت في الغرفة ببطء، كأنها تخشى أن توقظ شيئاً نائماً في الجدران.
​وقفت طويلاً تتأمل الفستان الأبيض الذي كان مرمياً على طرف السرير، اقتربت منه ولم تلمسه. وفي الخارج، كان صوت والدها واضحاً وحاداً، كشيء قُطع وانتهى. لم تميّز الكلمات كلها، لكن جملة واحدة تسللت إليها: “لقد انتهى هذا الزواج”.
​جلست على حافة السرير، وجالت بنظرها في زوايا غرفتها، هداياه، دعوات الزفاف، حليّها، ملابسها، بقلب مثقل وعينين دامعتين همست لنفسها: “تعاهدنا ألا يفرقنا إلا الموت”.
​تذكرت أول مرة رأت عصام، عندما توقفت سيارة فارهة نزل منها شابٌ صوبت نحوه الأنظار. أربع سنوات والطالبات يحاولنا التقرب منه، وحدها كان يراقبها من بعيد، مرّت السنوات دون أن يحدث شيء كبير، محاضرات، ممرات، نظرات قصيرة، ثم كلمات قليلة تتراكم ببطء، حتى صارت كأنها موجودة منذ البداية.
​في آخر يوم، قال لها دون مقدمات: “أفكر فيكِ منذ وقت طويل، لم تكوني كالبقية.. هل تقبلين بي زوجاً إن طلبت يدكِ؟”. يومها لم تجب إلا بنظرة خجل، كانت كافية لأن تمنح قلبه الأمان.
​في حفل التخرج، نال إعجاب والدها حين كُرّم طالباً مثالياً متفوقاً. في تلك اللحظة، تمنى الوالد لو رُزق بابنٍ مثله يحمل اسمه. ويوم الخِطبة، لاحظت أمل أن والدها كان ينظر إلى عصام أكثر مما ينظر إليها، لم تقل شيئاً حينها، لكنها شعرت بشيء يشبه الارتياح. لاحقاً، قال لها والدها: “شاب يعرف كيف يقف، هذه العائلة هي من تشرفنا وتستحق أميرتي الجميلة”.
​جلست أمل على الأرض وهي ترتجف، رفعت رأسها نحو الفستان. كان الضوء يتغير عليه مع حركة الستارة، فيبدو أحياناً أبيض خالصاً، وأحياناً أقرب إلى الرمادي.
​وعدها عصام بأن يشتري لها فستاناً كفساتين الأميرات، وها هو أمامها؛ جاءت عمته تحمله معها من أمريكا، فأسرع به إليها مسروراً. ارتدته وكانت تتمايل فرحاً كأنها “سندريلا”، ووالدها يتأملها بسعادة.
لكن مكالمه هاتفية جمدت ملامحه، واخرست الضحكة في حنجرته، صمت لبرهة وهو يتأمل عصام، وأفكاره لا تهدأ. نهض من مكانه وأمسك بطرف الفستان، وبكلمات حادة قال: “لتتوقف هذه المهزلة!”. تبادلا نظرات الحيرة بصمت، وهكذا في ثوانٍ قليلة تحولت الفرحة الى حطام، يشبه زجاجاً انكسر وتناثرت شظاياه على الرخام.
​اندفع الوالد نحو عصام، وأمسك بيده وهو يصرخ: “أنت.. ما هو أصلك؟!”.
لم يفهم عصام سبباً لهذه الثورة المفاجئة. اقتاده أمين إلى منزله ليواجه والده بالحقيقة التي علمها: “لماذا خدعتمونا؟ وكيف تجرأتم على تجاوز الحدود لتناسبوا أهل الحسب والنسب؟”.
​تسمّر عصام مذهولاً، بينما وقف والده صامداً، وردّ بهدوء وثبات: “أنا المهندس حاتم، زوجتي معلمة ومربية أجيال، منزلي ملكي، وأبنائي وإخوتي لدى كل واحد منهم مركزه، ما الذي تقصده بأننا خدعناكم؟”.
​أجابه أمين بحدة: “أنتم بلا أصل! ولا يشرفنا مصاهرتكم!”.
ضحك حاتم بمرارة وقال: “كلنا من طين يا أمين”.
تطاير الشرر من عيني أمين وصرخ: “أتساوي بين جزار وحلاق وبين قبيلي له حسب ونسب؟!”.
​هنا، رفع حاتم يده مقاطعاً: “كفى! لقد تماديت كثيراً. إن كنت تقصد جدي، فهذا شرف لنا، نحن لا نخجل من مهنٍ أكلتنا لقمة بالحلال، ولم تجعلنا نتسول أحداً. هذه التفرقة الجاهلية أنتهى زمانها.
نحن نبحث عن المستقبل لا عن الماضي..صمت لبرهة ، ثم تقدم خطوة نحو أمين ووضع يده على كتفه وقال: ” إذا كان لا يشرفك مصاهرتنا، فنحن أيضاً لم يعد يشرفنا ذلك”. التفت نحو عصام وطلب منه بصوتٍ يرتجف خلف سياج الوجع: “ألقِ يمين الطلاق يا بني.. فمن خلق أمل خلق غيرها”.
​طرقت والدتها الباب طرقات خفيفة: ” أمل افتحي الباب، غداً يأتي من هو من ثوبنا، نحن في مجتمع لا يرحم، ومن حق أبيك أن يحميكِ”.
​خلعت أمل خاتمها من إصبعها، وجمعت صور عصام وهداياه ووضعتها بجانب الفستان، ثم انكفأت على ثوبها الأبيض تحتضنه، كأنها تلملم حطام روحها.
​رنّ جوالها، أمسكته بيد ترتجف،وهي تحاول ازالة دموعها، جاءها صوته متهدجاً: “أمل، أنا مستعد أبيع الدنيا لأجلكِ، هل عندكِ الاستعداد للمغامرة؟”.
​غرقت في تفكير عميق، ماذا بوسعهما أن يفعلا؟ أيهربان بحبهما؟ وماذا بعد؟ هي تعلم جيداً تبعات القرار.. لملمت شتات ذهولها وأجابته بصوت مكسور، وقلب يكاد ينتزع من بين ضلوعها: “معركتنا ليست ضد أبي يا عصام، نحن في مجتمع منغمس في وحل الجهل، لذا لا يزهر فيه الحب ، و التغيير يحتاجُ إلى قربان”.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!